لبنان في العالم
بيروت-واشنطن والأرشيف الثقيل: رؤساء لبنان يبحثون عن "الدولة"

بتول يزبك

الإثنين 6 تموز 2026

لا يزور رئيسٌ لبنانيّ واشنطن وحيدًا. فرحلته هي لصيقة أزمات بلاده العديدة والفريدة، ويشاركه بها خصومه، وتجلس إلى جانبه، ولو لم تظهر في الصورة الرسميّة، الطوائف والأحزاب والجيوش الصغيرة والمخاوف الكُبرى. لهذا السّبب ولأسباب كثيرة، لا يكفي قراءة الزيارات الرئاسيّة اللبنانيّة إلى الولايات المتّحدة من نافذة البروتوكول والدبلوماسيّة وحدهما. إنّها محطّاتٌ تكشف صورة لبنان في كلّ مرحلة، وتقول لنا، من دون حاجة إلى بلاغةٍ كثيرة، مقدار ما كان يملكه رئيس الجمهوريّة من جمهوريّة.
 
وفق السجلّ التاريخيّ الرسميّ لوزارة الخارجيّة الأميركيّة، كان أمين الجميّل أوّل رئيسٍ لبنانيّ يقوم بزيارات عمل رئاسيّة موثَّقة إلى الولايات المتّحدة. زارها ثلاث مرّات، في تشرين الأوّل 1982، وتمّوز 1983، ثمّ بين تشرين الثاني وكانون الأوّل من العام نفسه. بعده التقى الرئيس إلياس الهراوي الرئيس جورج بوش الأب في نيويورك عام 1991، ثمّ التقى الرئيس بيل كلينتون عام 1996. أمّا الرئيس ميشال سليمان، فزار الولايات المتّحدة عامي 2008 و2009، ثمّ التقى الرئيس باراك أوباما في نيويورك عام 2013. ولا يسجّل الأرشيف نفسه زيارات رئاسيّة مماثلة للرئيسين إميل لحّود وميشال عون.
 
ليست كثرة الزيارات، بطبيعة الحال، دليلًا على قوّة العهد، كما أنّ غيابها ليس دليلًا قاطعًا على استقلاله. لكنّها مرآةٌ مفيدة. ففي لبنان، غالبًا ما كان الرئيس يذهب إلى واشنطن حين يكون النظام في مأزق، لا حين يكون في ذروة عافيته. كأنّ الطريق إلى البيت الأبيض كانت، في أكثر من مناسبة، امتدادًا لطريق القصر الجمهوريّ المسدود.
 
الرؤساء الذين عبروا الأطلسيّ:
 
أمين الجميّل: رئيسٌ يبحث عن وطنه
 
وصل أمين الجميّل إلى الرئاسة في أيلول 1982، بعد اغتيال شقيقه الرئيس المنتخب بشير الجميّل، وفي بلدٍ كانت تتقاسمه حربٌ أهليّة، واجتياحٌ إسرائيليّ، ونفوذٌ سوريّ، وتنظيماتٌ فلسطينيّة، وميليشياتٌ لبنانيّة، فيما كانت الدولة أضعف الموجودين على أرضها.
 
في زيارته الأولى إلى الولايات المتّحدة، في تشرين الأوّل 1982، لم يحمل الجميّل إلى الأميركيّين برنامج عهدٍ بالمعنى التقليديّ. حمل إليهم سؤال بقاء. كان يريد إعادة تكوين سلطةٍ مركزيّة، وبناء جيش، وإخراج القوّات الأجنبيّة، والحصول على مظلّة دوليّة لدولة لم تعد تملك من السيادة إلّا تعريفها الدستوريّ.
 
ثمّ جاءت زيارتاه في تمّوز وتشرين الثاني 1983، في ظلّ انخراط إدارة رونالد ريغان في الملفّ اللبنانيّ، ومحاولتها رعاية ترتيباتٍ تنهي الاحتلال الإسرائيليّ وتعيد إلى الحكومة شيئًا من سلطتها. لكنّ مشروع استعادة الدولة اصطدم بانقسام اللبنانيّين، وتضارب المصالح الإقليميّة، وبعجز الحكومة عن تحويل الدعم الدوليّ إلى شرعيّة داخليّة.
 
كان الجميّل يطلب من أميركا أن تساعده على بناء الدولة. لكنّ المفارقة أنّ بناء الدولة لا يمكن أن يكون عمليّة استيراد، ولو جاءت من أقوى دولةٍ في العالم. تستطيع واشنطن أن تدعم جيشًا، وأن ترعى اتفاقًا، وأن تضغط على أطرافٍ إقليميّين، لكنّها لا تستطيع أن تنتج للبنانيّين إجماعًا لا يريدون إنتاجه لأنفسهم.
 
مع ذلك، بقيت تلك المرحلة شاهدًا على اهتمامٍ أميركيّ جادّ بلبنان، وعلى استعداد واشنطن لتحمّل أكلافٍ سياسيّة وبشريّة كبيرة في سبيل منع سقوطه الكامل. وقد دفعت الولايات المتّحدة ثمنًا قاسيًا في تفجير مقرّ قوّات المارينز عام 1983، وهو حدثٌ ترك أثرًا عميقًا في الذاكرة الأميركيّة، وفي نظرتها إلى مخاطر الانخراط المباشر في الشرق الأوسط.
 
ذهب أمين الجميّل إلى واشنطن ثلاث مرّات، لكنّه كان يعود في كلّ مرّة إلى بلدٍ لم يُحسم فيه بعد مَن يملك القرار. وهذه، أكثر من أيّ واقعةٍ أخرى، كانت خلاصة عهده وخلاصة لبنان في زمن الحرب.
 
 
إلياس الهراوي: دولة ما بعد الحرب تحت سقف الوصاية
 
التقى إلياس الهراوي الرئيس جورج بوش الأب في نيويورك عام 1991، بعد انتهاء الحرب الأهليّة رسميًّا، وفي بداية تطبيق اتفاق الطائف. ثمّ التقى الرئيس بيل كلينتون عام 1996، في زيارةٍ تزامنت مع مرحلة إعادة الإعمار وتداعيات الاعتداءات الإسرائيليّة على لبنان.
 
كان لبنان الهراوي مختلفًا عن لبنان الجميّل. انتهت الميليشيات بمعظمها، وعادت المؤسّسات إلى العمل، وبدأت بيروت ترفع الركام عن شوارعها. لكنّ الدولة التي خرجت من الحرب لم تخرج تمامًا إلى استقلالها. كانت سوريا تمسك بجزءٍ أساسيّ من القرار اللبنانيّ، فيما تعاملت واشنطن مع هذا الواقع بوصفه جزءًا من ترتيبات المنطقة التي أعقبت حرب الخليج.
 
لم يكن الهراوي يزور الولايات المتّحدة طالبًا إنقاذ النظام من الانهيار العسكريّ المباشر، بل طالبًا الاعتراف بلبنان الذي أعاد الطائف تكوينه، ودعم إعادة إعماره، والمساعدة على ضبط النزاع مع إسرائيل.
 
في عام 1996، جاءت زيارته في سنة عمليّة "عناقيد الغضب" ومجزرة قانا وتفاهم نيسان. كانت أميركا آنذاك الوسيط الذي لا يستطيع لبنان تجاهله، والقوّة الوحيدة القادرة على التأثير الفعليّ في إسرائيل، وإن ظلّ تأثيرها محكومًا بعلاقتها الاستثنائيّة بها.
 
وهكذا ظهر وجهٌ سيلازم العلاقة طويلًا: لبنان يحتاج إلى أميركا لأنّها الأقوى، ويختلف معها لأنّها الأقرب إلى إسرائيل. إلّا أنّ الدبلوماسيّة ليست اختيار الأصدقاء الكاملين، إذ لا وجود لهؤلاء في السياسة، بل هي فنّ التعامل الذكيّ مع الدول القادرة على التأثير في مصيرك.
 
ميشال سليمان: مظلّةٌ للدولة في زمن السلاح
 
زار ميشال سليمان الولايات المتّحدة في أيلول 2008، ثمّ التقى الرئيس باراك أوباما في البيت الأبيض في كانون الأوّل 2009، قبل أن يجتمع به مجدّدًا في نيويورك عام 2013.
 
وصل سليمان إلى الرئاسة آتيًا من قيادة الجيش، عقب تسوية الدوحة، وفي بلدٍ خرج لتوّه من اشتباكات السابع من أيّار 2008. كان عنوان عهده المعلن حماية الاستقرار، وتعزيز المؤسّسات، وإدارة التوازن الدقيق بين الدولة وحزب الله، وبين الانقسام اللبنانيّ والصراعات الإقليميّة.
 
في واشنطن، وجد سليمان إدارةً أميركيّة ترى في الجيش اللبنانيّ المؤسّسة الأكثر قدرةً على جمع اللبنانيّين، وفي دعمها استثمارًا في استقرار البلد. ولهذا، كان التعاون العسكريّ واحدًا من أكثر جوانب العلاقة اللبنانيّة الأميركيّة ثباتًا. لم تنظر الولايات المتّحدة إلى الجيش بوصفه جهازًا أمنيًّا فحسب، بل بوصفه نواة الدولة الممكنة، تلك التي لم تكتمل بعد.
 
الغائبون عن البيت الأبيض
 
لم يسجّل الأرشيف الأميركيّ زيارات رئاسيّة مماثلة للرئيسين إميل لحّود وميشال عون. لكنّ غياب الرئيس لا يعني غياب لبنان عن واشنطن. ففي مرحلة ما بعد الطائف، بات رؤساء الحكومات اللبنانيّة أكثر حضورًا في الولايات المتّحدة من رؤساء الجمهوريّة.
 
زار رفيق الحريري واشنطن مرّات عدّة، كما زارها فؤاد السنيورة وسعد الحريري، وعقدوا لقاءات مع رؤساء وإدارات أميركيّة متعاقبة.
 
يفصح ذلك عن تحوّلٍ يتجاوز الترتيبات الدستوريّة. فبعد الطائف، انتقل جانبٌ كبير من إدارة الاقتصاد والعلاقات الدوليّة التنفيذيّة إلى رئاسة الحكومة. كذلك، ارتبطت الملفات الأميركيّة في لبنان بإعادة الإعمار والمساعدات والمؤتمرات الدوليّة والعقوبات والسياسات الماليّة، وهي مجالاتٌ تقدّم فيها رئيس الحكومة على رئيس الجمهوريّة.
 
لكنّ المسألة كانت أيضًا أشدّ قسوة. فواشنطن كانت تبحث عمّن يستطيع أن يلتزم وينفّذ. وفي لبنان، كان العثور على صاحب القرار أصعب من العثور على صاحب المنصب.
 
جوزاف عون: العودة بعد انقطاع
 
من هنا تكتسب الزيارة المرتقبة للرئيس جوزاف عون إلى واشنطن معناها. فقد أعلن الرئيس دونالد ترامب في السابع عشر من حزيران 2026 أنّ الرئيس اللبنانيّ سيزور البيت الأبيض قريبًا، من دون أن يكون الموعد النهائيّ قد أُعلن رسميًّا حتّى الخامس من تمّوز.
 
ليست الزيارة عودة رئيسٍ لبنانيّ إلى البيت الأبيض بعد انقطاعٍ طويل فحسب. إنّها عودة السؤال اللبنانيّ نفسه، لكن في شروطٍ أشدّ صعوبة: هل تستطيع الدولة أن تصبح صاحبة القرار الوحيد في الأمن والحرب والسلم؟ وهل يمكن الانتقال من وقف النار الهشّ إلى استقرارٍ طويل الأمد؟ وهل تنجح بيروت في تحويل الاهتمام الأميركيّ إلى ضماناتٍ للسيادة وإعادة الإعمار، بدل أن يتحوّل الاهتمام نفسه إلى قائمة شروطٍ لبنانيّة من دون التزامات مقابلة؟
 
يصل عون إلى واشنطن من موقعٍ يختلف عن مواقع أسلافه. فهو القائد السابق للجيش، والمؤسّسة اللبنانيّة التي بنت مع الولايات المتّحدة علاقة تعاون طويلة. تعرفه الدوائر الأميركيّة، وتعرف طريقته في العمل، كما تنظر إليه بصفته رجل مؤسّسة أكثر منه رجل حزب.
 
وهذه ميزة، لكنّها ليست جوابًا.
 
فقائد الجيش يستطيع أن يطلب معدّات ورواتب وتدريبًا. أمّا رئيس الجمهوريّة فعليه أن يجيب عن السؤال الذي يبدأ بعد وصول المعدّات: كيف تُبنى دولةٌ لا يكون جيشها واحدًا من القوى المسلّحة، بل القوّة الشرعيّة الوحيدة؟
 
ترامب وعون، لقاء رجلين ولغتين
 
لا تنبع أهمّيّة الزيارة من لبنان وحده. فدونالد ترامب ينظر إلى السياسة الخارجيّة من زاوية النتائج السريعة والصفقات القابلة للعرض على الجمهور. وهو لا يحبّ الملفات التي لا تنتهي، ولا الصياغات التي تسمح لكلّ طرف بأن يعلن انتصاره، ثمّ يعود إلى ممارسة ما كان يمارسه.
 
أمّا لبنان، فيعيش على الصياغات الملتبسة. لقد حوّل الغموض، على امتداد عقود، إلى وسيلة حكم. تُكتب القرارات بحيث يوافق عليها المتخاصمون، لأنّ كلّ واحدٍ منهم يفهمها على طريقته. ثمّ يبدأ الخلاف الحقيقيّ عند التنفيذ.
 
لهذا، سيكون اللقاء بين عون وترامب، في بعض وجوهه، لقاءً بين لغتين سياسيّتين. لغةٌ أميركيّة تريد تعهّدًا واضحًا وموعدًا ونتيجة، ولغةٌ لبنانيّة تعرف أنّ الوضوح الزائد قد يفجّر التوازن الذي يسمح للحكومة بالبقاء.
 
نجاح عون لن يكون في إرضاء ترامب بالكلمات، بل في إقناعه بأنّ بناء الدولة اللبنانيّة أكثر فائدةً للولايات المتّحدة من الضغط عليها إلى حدّ تفكيك مجتمعها. كما أنّ نجاحه لن يكون في الحصول على إشادةٍ شخصيّة، بل في تحويل الثقة الأميركيّة به إلى دعمٍ مؤسّسيّ للجيش والاقتصاد والإعمار.
 
تاريخٌ بدأ قبل السفارة
 
غير أنّ العلاقة بين لبنان وأميركا لم تبدأ بزيارات الرؤساء، ولا بالبيت الأبيض، ولا حتّى بقيام الدولتين في صورتهما الحديثة.
 
بدأت مع الإرساليّات والمدارس والمطابع والمستشفيات، ومع الجامعة الأميركيّة في بيروت، التي صارت واحدةً من أبرز مؤسّسات التعليم في المنطقة، وشارك خرّيجوها في بناء الحياة الفكريّة والطبيّة والسياسيّة في لبنان والعالم العربيّ.
 
وبدأت أيضًا مع الهجرة اللبنانيّة إلى الولايات المتّحدة، ومع عائلاتٍ حملت إلى العالم الجديد لغتها وذاكرتها وقلقها من الدولة، ثمّ بنت فيه نجاحاتٍ اقتصاديّة وثقافيّة وعلميّة. وهكذا، لم تكن أميركا بالنسبة إلى اللبنانيّين قوّةً عظمى فحسب، بل مكانًا شخصيًّا أيضًا، فيه أقاربهم وأبناؤهم وحكايات صعودهم.
 
أقامت الولايات المتّحدة حضورًا قنصليًّا وسياسيًّا في بيروت قبل الاستقلال، ثمّ اعترفت باستقلال لبنان في الثامن من أيلول 1944، وأُقيمت العلاقات الدبلوماسيّة رسميًّا في السادس عشر من تشرين الثاني من العام نفسه. وفي عام 1952، رُفع مستوى التمثيل الأميركيّ إلى سفارة.
 
كانت الولايات المتّحدة، بهذا المعنى، من الدول التي واكبت نشوء لبنان المستقلّ واعترفت بشرعيّته الدوليّة. وقد استمرّ هذا الالتزام، بأشكالٍ مختلفة، على الرغم من الحروب والتفجيرات والاختطافات والانقسامات التي جعلت العمل الأميركيّ في لبنان بالغ الخطورة.
 
من صورة الرئيس إلى صورة الدولة
 
واعتاد السياسيّون اللبنانيّون استخدام صورهم مع الرؤساء الأميركيّين في معاركهم الداخليّة. الصورة في البيت الأبيض تتحوّل في بيروت إلى شهادة نفوذ، وأحيانًا إلى ما يشبه نتيجة انتخاباتٍ لم تحصل.
 
لكنّ جوزاف عون لا يحتاج إلى صورةٍ إضافيّة بقدر حاجته إلى نتيجة.
 
إن عاد باتفاقٍ يحمي الجنوب، ويقوّي الجيش، ويطلق الإعمار، ويفتح باب الإصلاح والاستثمار، تكون زيارته قد دشّنت مرحلةً جديدة. أمّا إن عادت الزيارة بعبارات الدعم المعتادة، من دون آليّاتٍ وجداول وضمانات، فسوف تنضمّ إلى أرشيفٍ طويل من اللقاءات الجميلة والبلاد المتعبة.
 
لقد زار أمين الجميّل واشنطن والدولة في قلب الحرب. وزارها إلياس الهراوي والدولة خارجةٌ من الحرب، لكنّها تحت الوصاية. وزارها ميشال سليمان والدولة عالقةٌ بين شرعيّتها وسلاحٍ خارجها. أمّا جوزاف عون، فيزورها، أو يُفترض أن يزورها، والدولة أمام فرصةٍ نادرة: أن تستعيد قرارها من دون حربٍ أهليّة، وأن تبني علاقتها بأميركا من دون تبعيّة، وأن تستفيد من الدعم الدوليّ من دون أن تتخلّى عن حقوقها.
 
 
المصدر: المدن