لبنان في العالم
الانسحاب المؤجَّل: هل تحوّل إسرائيل اتفاق واشنطن إلى امتحان مفتوح للبنان؟

النشرة

الخميس 2 تموز 2026

لم يكن توقيع اتفاق ​واشنطن​ بين ​لبنان​ و​إسرائيل​ كافياً لإخراج الجنوب من دائرة الغموض. فالورقة التي قُدِّمت بوصفها بداية لمسار انسحاب إسرائيلي وانتشار أوسع للجيش اللبناني، بدأت سريعاً تفقد وضوحها مع الحديث عن تأجيل الانسحاب من "​المناطق التجريبية​" إلى حين التفاهم على ​آلية رقابة​ جديدة، في وقت لم تتوقف فيه الاعتداءات الإسرائيلية على الجنوب، وإن خفّت وتيرتها نسبياً.
 
هكذا أطلّت الخلافات والتباينات عند أول اختبار تنفيذي للاتفاق، أي المرحلة التجريبية للانسحاب. فبدل أن تبادر إسرائيل إلى تنفيذها كما أُعلن، أجّلتها وربطت استكمالها بالتوافق على آلية رقابة أمنية مشتركة، وبما تعدّه تحركاً فعلياً من ​الجيش اللبناني​ في مواجهة "​حزب الله​". وهنا يبرز السؤال الذي يتجاوز مجرد التأخير الإجرائي: هل المشكلة في نص الاتفاق، أم في هندسة تنفيذه؟
 
هنا تحديداً تبدأ الإشكالية. فالاختبار لا يتصل فقط بما ورد في النص من عبارات عامة عن السيادة والانسحاب وبسط سلطة الدولة، إنما بما تُرك خارجه أيضاً. فقد أعلن الاتفاق إطاراً سياسياً عاماً، لكنه ترك التفاصيل الأمنية الجوهرية لملحق لاحق لم تُحسم بنوده بعد. وما لم يُحسم في النص يُحسم عادةً في الميدان، وهذا بالضبط ما يمنح إسرائيل هامشاً أوسع للاشتراط بدل الالتزام. فمن يراقب؟ ومن يقرر أن الجيش اللبناني أنجز ما هو مطلوب منه؟ ومن يُحدد أن "التهديد" زال؟ وهل يكون ​الانسحاب الإسرائيلي​ خطوةً ملزمة في مسار واضح، أم جائزةً تُمنح للبنان كلما نجح في امتحان جديد تضع إسرائيل معاييره؟
 
"المناطق التجريبية"... بداية انسحاب أم أداة تجزئة؟
 
في الظاهر، يتحدث ​اتفاق واشنطن​ عن مسار تدريجي يربط بين انسحاب إسرائيلي من مناطق محددة وانتشار الجيش اللبناني فيها. هذه الصيغة تبدو، للوهلة الأولى، قابلة للتسويق لبنانياً على أنها بداية استعادة الدولة لدورها في الجنوب. لكنها تغدو أكثر التباساً حين تُقرأ من الزاوية الإسرائيلية، حيث لا يُقدَّم الانسحاب التزاماً نهائياً، إنما خطوةً مشروطة بمدى قدرة الجيش اللبناني على منع عودة "حزب الله" إلى المناطق التي يُفترض أن تخليها إسرائيل.
 
بهذا المعنى، ليست "المناطق التجريبية" تفصيلاً إدارياً في خطة أمنية، بل عنواناً سياسياً كاملاً. فالتجربة في جوهرها تعني أن ثمّة من سيختبر لبنان قبل الانتقال إلى مرحلة أوسع، وأن الإخفاق في منطقة واحدة قد يُستخدم ذريعةً لتجميد الانسحاب في مناطق أخرى. عندها يصبح الجنوب مُقسَّماً إلى اختبارات متتالية لا إلى مسار سيادي واحد، وتتحول كل مرحلة إلى تفاوض جديد حول ما إذا كانت إسرائيل ستنسحب أم ستبقى.
 
والأخطر أن التفاصيل الأمنية التي لم تُحسم في النص قد تصبح هي النص الحقيقي. فالآلية الرقابية وطبيعة التنسيق وحدود دور الجيش ومعايير التحقق ليست مسائل تقنية بريئة، إنما العناصر التي ستحدد ما إذا كان الاتفاق قابلاً للتنفيذ لمصلحة لبنان أم قابلاً للتوظيف لمصلحة إسرائيل. فإذا بقيت ​تل أبيب​ قادرة على القول إن الشروط لم تكتمل وإن التهديد لم يُرفع وإن الجيش لم يفعل ما يكفي، يصبح الانسحاب وعداً مؤجلاً لا التزاماً قابلاً للمحاسبة.
 
إسرائيل ومعيار "الأداء" اللبناني
 
ما تقوله إسرائيل، صراحةً أو ضمناً، هو أن الانسحاب لم يعد مرتبطاً فقط بوقف العمليات أو بتوقيع اتفاق، بل بأداء لبناني مطلوب. وهذا التحول بالغ الأهمية، لأنه ينقل مركز الثقل من مسؤولية الاحتلال إلى قدرة الدولة اللبنانية على إقناع إسرائيل بأنها تستحق الانسحاب. وقد تجلّى هذا المنطق بوضوح في تصريحات المسؤولين الإسرائيليين بعد التوقيع، لا سيما في الكلام عن رفض الانسحاب ما دام "حزب الله" مسلحاً أو قادراً على التهديد.
 
وهذا يعني عملياً أن إسرائيل تحتفظ لنفسها بحق تعريف الخطر وتوقيت زواله وحدود الرد عليه. وفي غياب جدول زمني صارم وآلية دولية ضاغطة، تستطيع تل أبيب أن تجعل من كل بند أمني باباً لتأجيل جديد، ومن كل اعتراض داخلي لبناني دليلاً إضافياً على أن الدولة غير مستعدة بعد.
 
ويحتل الجيش اللبناني موقعاً محورياً في هذه المعادلة، لكن من زاويتَين متعارضتَين. ففي الخطاب اللبناني الرسمي، يُمثّل انتشاره في الجنوب أداةً لاستعادة السيادة وحصر السلاح بيد الدولة. أما في القراءة الإسرائيلية، فقد يتحول الدور ذاته إلى اختبار أداء: هل يواجه الجيش "حزب الله" فعلياً؟ هل يُفكّك بنيته العسكرية في المناطق الحدودية؟ هل يُقدّم ما تعدّه تل أبيب ضمانات كافية؟
 
والخطر لا يكمن في مضمون المهمة بحدّ ذاتها، إنما في تحويلها من قرار سيادي لبناني إلى شرط إسرائيلي مسبق لاستكمال الانسحاب. والفارق بين الحالتَين جوهري: في الأولى يكون الجيش صاحب مهمة وطنية لاستعادة الأرض وطمأنة السكان، وفي الثانية يصبح موضوع مراقبة خارجية مطالَباً بإثبات كفاءة أمنية وفق معايير يضعها الطرف المحتل.
 
"الخط الأصفر" ومعادلة البقاء
 
من هنا تأتي أهمية الحديث عن "الخط الأصفر" وما يشبهه من خطوط أمنية متحركة. فكل خط ترسمه إسرائيل داخل لبنان، سواء سُمّي منطقة أمنية أو خط عمليات أو نطاقاً مؤقتاً، يحمل خطراً واحداً: تحويل الوجود العسكري من احتلال معلن إلى واقع أمني قابل للإدارة. عندها لا تعود المشكلة في بقاء الجنود الإسرائيليين وحسب، بل في نشوء منطق جديد يتعامل مع أجزاء من الجنوب كمساحات معلّقة بين ​السيادة اللبنانية​ والشروط الإسرائيلية.
 
وهذا النمط من الهندسة الميدانية ليس جديداً في الفكر الإسرائيلي؛ فتل أبيب اعتادت تحويل الوقائع الميدانية إلى ترتيبات مؤقتة تطول مع الوقت، ثم ربط الخروج منها بشروط أمنية يصعب التحقق منها بصورة نهائية. وفي الحالة اللبنانية، تبدو الفرصة متاحة أكثر بسبب هشاشة الداخل واعتراض "حزب الله" وتردد السلطة بين الدفاع عن الاتفاق والخوف من كلفته الداخلية، وهو ما يمنح إسرائيل مساحة للقول إن لبنان لم يصبح بعد قادراً على ضبط أرضه.
 
في المقابل، لا يستطيع لبنان أن يتعامل مع هذا الواقع بالرفض وحده. فرفض الاتفاق لا يُعيد الأرض تلقائياً، كما أن القبول غير المشروط لا يضمن الانسحاب. المطلوب مقاربة أصعب: تثبيت أن أي انتشار للجيش يجب أن يكون جزءاً من استعادة السيادة لا من تنفيذ اختبار إسرائيلي، وأن أي آلية رقابة يجب أن تُوظَّف لضمان الانسحاب لا لتأجيله. بغير ذلك تتحول الرقابة من ضمانة للبنان إلى قيد عليه.
 
بين واشنطن وطهران وتل أبيب
 
لا يمكن فصل هذا المسار عن الصورة الإقليمية الأوسع. فالملف اللبناني لم يعد يتحرك مستقلاً، بل بات متصلاً بمسار أميركي-إيراني أشمل، وبحسابات واشنطن في المنطقة، وبالخوف الإسرائيلي من أي عودة لدور "حزب الله" بعد الحرب. هذا التشابك يجعل الاتفاق اللبناني-الإسرائيلي أقرب إلى جزء من لعبة أوراق أكبر، لا إلى تفاوض ثنائي صافٍ بين دولتَين تملكان كامل قرار التنفيذ.
 
من زاوية واشنطن، يمكن فهم السعي إلى اختبار مناطق محددة أولاً، لأن الإدارة الأميركية تريد نتيجة قابلة للقياس لا تعهدات سياسية فضفاضة. ومن زاوية إسرائيل، تبدو هذه الصيغة مثالية لأنها تمنحها انسحاباً بطيئاً ومشروطاً. أما من زاوية لبنان، فهي تنطوي على خطر مزدوج: أن يُطلب منه تنفيذ التزامات داخلية حساسة فيما يبقى الانسحاب الإسرائيلي قابلاً للتأجيل، وأن يجد نفسه طرفاً في اتفاق وُقِّع باسمه لكن مفاتيح تطبيقه موزّعة بين عواصم أخرى.
 
هنا تصبح مهمة الدولة اللبنانية بالغة الدقة. فهي مطالبة من جهة بألا تترك الجنوب رهينة معادلة السلاح خارج الدولة، ومطالبة من جهة ثانية بألا تسمح لإسرائيل بتحويل هذا الملف ذريعةً دائمة للبقاء. وبين الأمرَين لا بد من ترتيب واضح للأولويات: فالانسحاب الإسرائيلي ليس مكافأة للبنان، وانتشار الجيش ليس خدمة أمنية لإسرائيل، وحصر القرار الأمني بيد الدولة لا يجب أن يُقدَّم تنازلاً مفروضاً من الخارج.
 
من يملك معيار النجاح؟
 
في الخلاصة، لا يبدو أن اتفاق واشنطن يواجه خطر السقوط دفعةً واحدة، بل خطر التحول التدريجي إلى مسار بلا نهاية واضحة. فكلما انتقل النقاش من الانسحاب إلى التجربة، ومن الالتزام إلى الرقابة، ومن السيادة إلى الأداء، ازدادت قدرة إسرائيل على إدارة الوقت بدل تنفيذ التعهدات.
 
لذلك سيكون الامتحان الحقيقي في الأسابيع المقبلة: هل تنجح الدولة اللبنانية في تحويل "المناطق التجريبية" إلى بداية انسحاب فعلي، أم تنجح إسرائيل في تحويل الانسحاب ذاته إلى اختبار دائم للبنان؟
 
المشكلة في نهاية المطاف ليست في أن يبدأ التنفيذ من منطقة محددة، بل في أن يصبح كل انسحاب إسرائيلي مشروطاً بامتحان جديد وكل امتحان قابلاً للتأجيل بحجة أن الخطر لم ينتهِ. عندها لا يعود الاتفاق طريقاً إلى إنهاء الاحتلال، بل صيغةً لإدارته بوسائل أقل كلفة. وهذا هو الفارق الجوهري بين اتفاق يستعيد السيادة، واتفاق يُعلّقها على خط أصفر لا يعرف أحد متى يُمحى.