لبنان في العالم
"حزب الله" يفتح الباب وواشنطن تغلقه... من يفاوض من في لبنان؟

النشرة

الأربعاء 26 آب 2026

خلال أيام قليلة، صدرت إشارتان متعاكستان حول العلاقة بين واشنطن و"​حزب الله​". تحدّث المبعوث الأميركي ​توم برّاك​ عن غياب الحزب و​إيران​ عن طاولة البحث في الملف ال​لبنان​ي، متسائلًا كيف يمكن الوصول إلى حل إذا لم يكن أصحاب القرار منخرطين فيه. وبعد ساعات، أعلن عضو المجلس السياسي في الحزب ​محمود قماطي​ أن "حزب الله" لا يغلق نهائيًا باب التواصل المباشر مع الأميركيين، وأن أي قرار من هذا النوع يبقى مرتبطًا بالمصلحة والظروف.
 
سرعان ما عاد برّاك إلى توضيح موقفه. ف​الولايات المتحدة​، بحسب قوله، تفاوض الحكومة اللبنانية بوصفها السلطة الشرعية ولا تفاوض "حزب الله". لكن التوضيح لم يلغِ السؤال نفسه: إذا كانت واشنطن تعتبر أن للحزب تأثيرًا مباشرًا في تنفيذ ما يجري التفاوض عليه، والحزب لا يستبعد التواصل معها، فما الذي يمنع انتقال الرسائل يومًا من الوسطاء إلى اتصال مباشر؟
 
تكتسب المسألة أهميتها من طبيعة المرحلة. فالمفاوضات الجارية تبحث في ترتيبات يفترض أن تنفذها الدولة اللبنانية، لكن أحد أكثر بنودها حساسية يتصل بسلاح "حزب الله". وبين دولة تمثل لبنان رسميًا في التفاوض، وحزب لا يجلس إلى الطاولة لكنه يبقى جزءًا من معادلة التنفيذ، يصبح احتمال فتح قناة مباشرة مع واشنطن أكثر من تفصيل دبلوماسي: أين تقف حدود التواصل، ومتى يتحول إلى تفاوض؟
 
فجوة بين من يوقع ومن ينفذ
لا يمكن فصل كلام قماطي عن المرحلة التي وصل إليها مسار الجنوب، بعدما ربط اتفاق 26 حزيران الانسحاب الإسرائيلي التدريجي بانتشار الجيش وحصر السلاح، فيما انتقلت مفاوضات روما إلى البحث في آليات التنفيذ، بدءًا من فكرة "​المناطق التجريبية​" إلى الشروط الإسرائيلية، وعلى رأسها نزع السلاح.
 
وعلى أهمية الاتفاق الذي شكّل نقطة تحوّل مفصلية في تاريخ الصراع، فإن المشكلة الجوهرية التي يصطدم بها تبقى غياب "حزب الله" عنه، رغم أنّه أحد أبرز المعنيين ببنوده، علمًا أنّ الحزب يرفض الاتفاق منذ اليوم الأول، من الناحية المبدئية، لاعتراضه على فكرة المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، كما أنه لا يقبل بالشروط المطروحة لنزع سلاحه.
 
هنا تظهر فجوة بين من يوقع الالتزام ومن يملك القدرة على تعطيل جزء منه، وهو أساسًا ما يُفهَم من كلام برّاك الأول. فهو لم يسحب الشرعية من الدولة، لكنه أشار إلى أن من يملكون القرار الفعلي في مسألة السلاح ليسوا جميعًا على الطاولة. ثم عاد لتصحيح الانطباع بأن ذلك يعني دعوتهم إلى المفاوضات. أما قماطي فالتقط المساحة بين الأمرين: لا اعتراف بالتفاوض على السلاح ولا التزام بفتح قناة فورًا، لكن أيضًا لا إغلاق نهائي لباب كان الحزب يصر قبل أسابيع على إبقائه غير مباشر.
 
التواصل ليس تفاوضًا
الفارق بين التواصل والتفاوض ليس لغويًا فقط، لأن لكل منهما أثرًا سياسيًا مختلفًا. يمكن لواشنطن أن تنقل رسالة إلى "حزب الله" أو تستمع إلى موقفه من دون أن تعترف به طرفًا في المفاوضات الجارية، تمامًا كما يستطيع الحزب أن يختبر الموقف الأميركي من دون أن يعلن دخوله في مسار تفاوضي معها. في هذا المستوى، تبقى القناة وسيلة لتقليل سوء الفهم ومعرفة حدود كل طرف، لا مكانًا لصياغة اتفاق أو تبادل التزامات.
 
لكن هذا الحد يصبح أقل وضوحًا كلما اقتربت الرسائل من جوهر الملفات المطروحة. فإذا تناول التواصل مثلًا توقيت تسليم السلاح، أو شروط الانسحاب الإسرائيلي، أو الضمانات التي يطلبها الحزب، أو الترتيبات التي يمكنه القبول بها في الجنوب، فلن يكون من السهل اعتبار الأمر مجرد تبادل رسائل. عندها يصبح مضمون الاتصال تفاوضيًا حتى لو حرص الطرفان على تجنب هذه التسمية، لأن السؤال يصبح مركّزًا حول ما يمكن أن يقدمه كل طرف في مقابل ما يحصل عليه.
 
لذلك، يخدم الفصل بين المصطلحين الطرفين في المرحلة الحالية. فواشنطن تستطيع التمسك بالحكومة اللبنانية بوصفها المفاوض الشرعي وعدم منح الحزب موقعًا رسميًا موازيًا لها، مع إبقاء نافذة تسمح بفهم ما يمكن تنفيذه فعليًا. كما أنّ الحزب يستطيع إبقاء موقفه السياسي من الولايات المتحدة على حاله، من دون أن يحرم نفسه من قناة قد تستخدم لنقل شروطه أو اختبار العروض المطروحة عليه.
 
من الوسيط إلى الطريق الأقصر
عمليًا، لا يُعَدّ التواصل بين واشنطن و"حزب الله" جديدًا بالكامل. ففي الأول من حزيران أعلن الرئيس الأميركي ​دونالد ترامب​ أنه تواصل مع الحزب عبر ممثلين رفيعي المستوى وحصل منه على تعهد بوقف إطلاق النار، فيما أفادت مصادر لبنانية بأن الرسائل مرت عبر رئيس مجلس النواب ​نبيه بري​. وبعد أيام، حرص قماطي على نفي حصول أي اتصال مباشر، موضحًا أن التواصل كان يتم عبر مستشار بري الذي ينقل الرسائل إلى الجانب الأميركي. يومها كان الطرفان، عمليًا، يقبلان بوجود قناة، لكنهما يتركان بينهما وسيطًا واضحًا.
 
الجديد في موقف قماطي لا يتعلق إذًا بفتح باب كان مغلقًا تمامًا، وإنما بإمكان الاستغناء عن هذه الحلقة الوسيطة. وهذا فارق سياسي أكثر منه تقنيًا. فالوسيط يمنح كل طرف هامشًا واسعًا في صياغة الرسالة وتفسيرها، ويتيح له عند الحاجة الابتعاد عما نُقل باسمه أو القول إن الموقف لم يُفهم كما أراده. أما الاتصال المباشر فيختصر هذه المسافة، ويجعل الرسائل أكثر وضوحًا، لكنه يرفع أيضًا كلفتها لأن كل طرف يصبح مسؤولًا بصورة أكبر عما يقوله وما يسمعه.
 
لهذا لا يكون الانتقال من الوساطة إلى التواصل المباشر دليلًا بالضرورة على تقارب سياسي. قد يحدث العكس تمامًا: كلما ازدادت حساسية الملفات وارتفع خطر سوء الحساب، تصبح الحاجة إلى قناة أقصر أكبر. وفي الحالة اللبنانية، إذا انتقل التواصل فعلًا من بري أو غيره إلى اتصال مباشر، فالمهم لن يكون مجرد حصوله، بل طبيعة الملفات التي ستدخل إليه. فإذا بقي لنقل الرسائل ومنع التصعيد، ظل قناة خلفية؛ أما إذا بدأ يتناول شروط السلاح والانسحاب والضمانات المتبادلة، فسيصبح الفصل بين التواصل والتفاوض أكثر صعوبة مهما اختلفت التسميات.
 
أين تصبح الدولة؟
هنا تبدأ العقدة اللبنانية الحقيقية. فالحكومة هي التي تفاوض إسرائيل، وهي التي قبلت إطار 26 حزيران، والجيش هو الذي يفترض أن ينتشر في المناطق التي تنسحب منها القوات الإسرائيلية. لذلك تستطيع أي قناة أميركية مع الحزب أن تساعد على معرفة ما يمكن تنفيذه أو منع التصعيد، لكنها تصبح إشكالية إذا أنتجت تفاهمات تتقدم على موقف الدولة أو تفرض عليها التزامات لم تشارك في صياغتها.
 
المعادلة دقيقة، لأن تجاهل الحزب لا يلغي قدرته على التأثير. هذه تحديدًا هي العقدة التي أشار إليها برّاك قبل أن يصحح كلامه: يمكن للدولة أن تكون المفاوض الشرعي الوحيد، فيما يبقى نجاح ما تفاوض عليه مرتبطًا بفاعل داخلي لا توافقه على السلاح. لذلك لا يكمن التحدي في الاختيار بين الدولة والحزب كمفاوضين متساويين، بل في إبقاء أي تواصل محتمل أداة تساعد المسار الرسمي ولا تحل محله.
 
لبنان بين واشنطن وطهران
يبقى العامل الإيراني حاضرًا في خلفية هذا المشهد، لا لأن كل حركة لبنانية تصدر بالضرورة من طهران، بل لأن برّاك نفسه أعاد إيران إلى قلب المشكلة عندما ربط استمرار قوة الحزب بتمويلها وتسليحها له. ومن هنا يطرح احتمال التواصل المباشر مع "حزب الله" سؤالًا يتجاوز لبنان: هل تريد واشنطن فتح قناة محلية تستطيع من خلالها معالجة ملف الحزب من دون انتظار تفاهم شامل مع إيران، أم أن أي اتصال من هذا النوع سيبقى جزءًا من مساومة أوسع لا يمكن فصلها عن العلاقة الأميركية–الإيرانية؟
 
الفارق بين الاحتمالين كبير. ففي الحالة الأولى، تكون واشنطن قد اختارت تفكيك الملفات والتعامل مع كل ساحة على حدة، بما يسمح لها بمحاولة دفع تسوية لبنانية حتى في ظل تعثر التفاوض مع طهران. أما في الحالة الثانية، فيبقى لبنان واحدًا من ملفات الضغط والمساومة، وتصبح القناة مع الحزب وسيلة إضافية لإدارة العلاقة مع إيران لا بديلًا عنها. وفي الحالتين، قد يجد الحزب نفسه أمام مصلحة مشابهة: معرفة ما تريده واشنطن مباشرة بدل الاكتفاء برسائل تمر عبر أكثر من وسيط.
 
ما ظهر خلال الأيام الماضية لا يكفي للقول إن مسارًا أميركيًا-حزبيًا قد بدأ، ولا إن واشنطن غيّرت موقع الحكومة اللبنانية بوصفها مخاطبها الرسمي. الأوضح أن الأطراف كلها اصطدمت بالمفارقة نفسها: الدولة تملك الشرعية للتفاوض، لكن القدرة على التنفيذ لا تزال موزعة بين أكثر من لاعب. لذلك لن تكون أهمية أي قناة محتملة في مجرد فتحها، بل في المكان الذي ستقود إليه: هل تعيد ما يُبحث فيها إلى الدولة لتتحول إلى قرار رسمي، أم تنشئ إلى جانبها مسارًا آخر يفاوض على لبنان من خارج مؤسساته؟