لبنان في العالم
نواف سلام والعفو العام: التحولات وتغيير المعادلات

منير الربيع

الخميس 13 آب 2026

نواف سلام ينجح بإقرار العفو العام. بشار الأسد يُحكم بالإعدام. العفو في معظمه، خصّص لمن عارضوا الأسد أو خاصموه، أو حتى قاتلوه. إنها الصورة الأوضح لطي صفحة سياسية بكل ما حملته من موازينها، إلى صفحة جديدة. هي صفحة كان وصول نواف سلام إلى رئاسة الحكومة أحد أبرز معالمها، مع ما تعنيه من تغيير موازين القوى ومعايير إدارة السلطة السياسية في لبنان. هنا يبدو نواف سلام كأنه يأتي من مكان بعيد، بعيد جداً بالنسبة إلى كثيرين. ينظرون إليه بأنه غريب عن التسويات، ونابذ (لِـ) أو منبوذ (من) كل ما تضج به أروقة السياسة المحلية. يعرف سلام قراءة اللحظة وتحولاتها، ينظر إلى طرق كثيرة تُشق وتفتح بين شرق وغرب، ومشرق وخليج، وهو يريد لها أن تعرج على لبنان. بدا غريباً، وحاول كثر نبذه، عندما أعلن رفضه لإدلاء وزير الدفاع بكلمة تمثل المؤسسة العسكرية تعليقاً على قانون العفو العام. اعتبر سلام أن هدف الكلمة هو تعطيل إقرار القانون. كثر توجهوا إليه بأن يسمح للوزير بإلقاء الكلمة، مقابل تمرير القانون، لكنه رفض، وردّ على طريقته بشكل واضح: "نحن حكومة متضامنة من 24 وزيراً، ولسنا 24 حكومة". 
 
رجل يسعى إلى التغيير
 
هذه العبارة وحدها مع تمسكه بموقفه، تكفي لتشير إلى مدى البعد عما اعتاده اللبنانيون من مراس سياسي. ما أراد أن ينظر إليه هو تأسيس للبعيد أيضاً، فالرجل ومنذ وصوله يسعى إلى تغيير قواعد كثيرة، من تكراره للازمة "رفض تكريس الترويكا"، إلى كلامه الواضح حول الجيش الذي يفترض أن يلتزم قرار السلطة السياسية ويطبقه، بما يعنيه رفض جعل الجيش سلطة مستقلة بذاتها. وهذا ما تكرر في محطات كثيرة، منذ القرارين الشهيرين في 5 و7 آب 2025، إلى توجيهاته برفض إضاءة صخرة الروشة، مروراً بسجالات واختلافات عديدة حصلت بينه وبين قائد الجيش، حول كيفية تطبيق خطة حصر السلاح، وصولاً إلى ما بعد قرار 2 آذار الذي صنفت فيه الحكومة حزب الله بالخارج على القانون ومطالبة الجيش بالتصرف على هذا الأساس، ولا تزال الالتباسات قائمة، بين من يتهم سلام بأنه يريد من الجيش الدخول في صدام مع حزب الله، وما يقوله هو بوضوح أنه لا يريد من الجيش الصدام مع الحزب، لكنه يريد أن يبرز هيبة واضحة في التعامل مع الاستحقاقات الداهمة لبسط سيطرته وسلطته على الأراضي اللبنانية. 
 
لا يرضخ
 
قد تختلف التفسيرات كثيراً وتتضارب، لكن المعنى واحد، وهو المختلف عليه بالتحديد. خلال جلسات مجلس النواب، وعلى وقع التوتر والانقسام، كان نواف سلام ينظر بطريقة مختلفة، لا سيما عندما بدأت التسريبات تتوالى ولغة التصعيد تتكاثر بأن الجيش يتمسك بضرورة إلقاء وزير الدفاع لكلمته، والتجمع من قبل بعض الكتل النيابية التي أرادت فرض إرادتها عليه ودفعه إلى تغيير موقفه وإعطاء الكلام لوزير الدفاع. هنا أيضاً عاد نواف سلام إلى البعيد، ربما إلى أشهر أو سنوات مضت اعتبر فيها أنها يتعرض لتطويق من مجموعة تكتلات سياسية، لم يكن بإمكانه أن يهضمها أو يرضخ لها، خصوصاً أن دمشق كانت تصدح بأهازيج الحكم بالإعدام على بشار الأسد، وبالنسبة إليه لا يمكن لما يناقض ذلك أن يحدث في بيروت، وربما على هذا "الأكس" السياسي، جرى نسج الكثير من المواقف التي أخذت بعداً مذهبياً أو سياسياً. 
 
العفو والمتغيرات
 
بمعنىً أوضح، فإن إقرار العفو العام وكل ما جرى على هوامشه، هو تعبير عن تغيير في موازين القوى، وغالباً ما تأتي هذه الأحداث انسجاماً مع متغيرات كبرى على مستوى المنطقة، فتنعكس في لبنان. فالعفو العام الأول بعد الحرب الأهلية جاء في العام 1991، ذلكَ للملمة تداعيات الحرب والعفو عن مسؤولين وزعماء الميليشيات، بينما دفع الآخرون الثمن إما نفياً كأمين الجميل وميشال عون، أو سجناً كسمير جعجع. أما العفو الثاني فكان في العام 2005 بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري، وبموجبه عاد ميشال عون إلى لبنان وخرج سمير جعجع من السجن. والعفو الحالي هو إشارة على تغيير موازين القوى هذه على المستويين الدولي والإقليمي، فيستفيد منه معارضو حزب الله أو الذين أنزلت بحقهم أشد العقوبات من سلطة كان يسيطر عليها الحزب، إضافة إلى استفادة اللبنانيين الموجودين في إسرائيل، وهم عائلات المتعاملين مع جيش الاحتلال الإسرائيلي، وفي ذلك أيضاً مؤشر على المتغيرات التي تشهدها المنطقة ولبنان. 
 
المحكمة العسكرية وأمور أخرى
 
لا يمكن لهذا العفو أن يكون منفصلاً عن تطورات كثيرة، أبرزها إعادة طرح مهام المحكمة العسكرية وتطويق صلاحياتها تجاه المدنيين، كما لا ينفصل عن "إنهاء معادلة" جيش وشعب ومقاومة، أو حالة التوأمة بين الجيش وحزب الله، في مقابل أن يفضي ذلك إلى تغيير عقيدة الجيش على مستويات عديدة، ليس فقط بشأن الشروط الأميركية والإسرائيلية حول التخلي عن استخدام مصطلحات العداء، ولا الضغط لإلغاء القوانين التي تجرم التعامل مع إسرائيل، بل أيضاً إزالة رواسب كثيرة بين الجيش و"الطائفة المستهدفة" كما وصفها نواب كثر في المجلس النيابي، وهو ما يعود إلى أحداث كفرحبو في الضنية، مروراً بنهر البارد وصولاً إلى أحداث السنوات الماضية بعد اندلاع الثورة السورية. ولكن لبنان كعادته، سيعود إلى انقساماته، التي تجلت في المجلس النيابي، وستستمر بين من لن يكون لديه مشكلة في تغيير العقائد تجاه إسرائيل، ومن يريد تغيير العقيدة تجاه سوريا. وللمفارقة أنه بالتزامن مع إقرار قانون العفو، كان قائد الجيش رودولف هيكل يشرف على تنفيذ الجيش اللبناني لمناورة عسكرية نفذها الجيش اللبناني في جرود بريتال، تلكَ المنطقة التي شهدت مواجهات عسكرية بين حزب الله والجيش اللبناني من جهة، والفصائل السورية التي كانت معارضة لبشار الأسد من جهة أخرى. 
 
 
المصدر: المدن