لبنان في العالم
كل خياراته صعبة.. ماذا يفعل لبنان إذا تعطلت المفاوضات؟

غادة حلاوي

الإثنين 10 آب 2026

لم تعلق إسرائيل على تلويح لبنان بتعليق المفاوضات المباشرة معها. اكتفت وسائل إعلامها بنقل الخبر، بينما استمر عدوانها في الجنوب بوتيرة متصاعدة، مركزة على علي الطاهر التي تريد السيطرة عليه بشتى السبل، وتمهد لعملياتها بتسريب أخبار مختلفة بين فترة وأخرى. عدوان من نوع ثانٍ أقدمت عليه إسرائيل، له رمزيته الخطيرة، عندما نشرت وزارة الخارجية الإسرائيلية خريطة تضم جنوب لبنان إليها وتزيله عن الخريطة نهائياً.
 
يوماً بعد يوم، تكرّس إسرائيل احتلالها لجنوب لبنان. ووفق المتداول في الأروقة الدبلوماسية، فإن هذا الاحتلال سيطول، وإن إسرائيل لن تنسحب ما لم يُسحب سلاح حزب الله، وأن المفاوضات هي بمثابة تقطيع للوقت حتى الانتخابات الإسرائيلية.
 
لم يكن اختصار السفير السابق سيمون كرم وجوده في روما تفصيلاً بروتوكولياً. الرسالة اللبنانية كانت أن الاستمرار في المفاوضات المباشرة من دون مقابل إسرائيلي على الأرض بات بلا جدوى.
 
بعد سبع جولات، بدأ السؤال داخل الجانب اللبناني يتغير: لم يعد ماذا يمكن أن نحقق في الجولة المقبلة؟ بل هل هناك جدوى من جولة مقبلة بالشروط نفسها؟
 
رغم الحديث عن التقدم في التفاصيل التقنية المتعلقة بآلية التحقق، بقيت العقدة سياسية: إسرائيل تريد تقدماً في ملف السلاح قبل الانسحاب، ولبنان يريد أن يرى انسحاباً ووقفاً للاعتداءات مقابل ما يقوم به. وهنا مكمن الخلل: قام الاتفاق أساساً على الالتزام بالتزامن والتبادلية، بينما تحاول إسرائيل، وفق القراءة اللبنانية، تحويله تدريجياً إلى معادلة أخرى: لبنان ينفذ أولاً، وإسرائيل تقرر لاحقاً متى وكيف تنسحب. لذلك لم تعد المشكلة في اختيار بنت جبيل أو الخيام منطقة تجريبية ثانية، بل أصبحت في فلسفة تنفيذ الاتفاق نفسه.
 
مصادر لبنانية تقول إن بيروت لا تريد إسقاط المفاوضات، ولا تستطيع ذلك، لكنها في المقابل لا تريد أن تتحول الجولات إلى غطاء سياسي لاستمرار العمليات الإسرائيلية. هنا يبدأ البحث عن الخطة "ب":
 
الخيار الأول هو الاستمرار في التفاوض. وهذا يعني عملياً شراء الوقت من دون ضمان أن يكون لمصلحة لبنان، خصوصاً مع استمرار إسرائيل في فرض وقائع ميدانية وتدمير منشآت ومنازل وبساتين.
 
الخيار الثاني؛ أي الانسحاب من المفاوضات نهائياً، قد يكون أكثر خطورة، لأنه يعيد الحسم إلى الميدان.
 
ولا تبدو العودة إلى الحرب خياراً واقعياً للدولة اللبنانية، ولا يريدها معظم الداخل اللبناني، فيما ستكون كلفتها على الجنوب ولبنان باهظة.
 
لذلك يظهر خيار ثالث يجري التفكير فيه: تعليق الجولات من دون إسقاط المسار التفاوضي، وربط العودة إليها بالحصول على خطوة إسرائيلية ملموسة.
 
بمعنىً آخر: لا جولة ثامنة لمجرد أن تكون هناك جولة ثامنة. ويمكن أن يطلب لبنان من الأميركيين الانتقال من سياسة الضغط لعقد الاجتماعات إلى سياسة الضغط لتنفيذ الاتفاق.
 
ماذا عن دور واشنطن؟
 
هكذا يصبح السؤال الأميركي أساسياً: هل واشنطن هي وسيط بين اتفاقين مختلفين يقرأهما كل طرف بطريقته، أم ضامن لاتفاق واحد يفترض أن ينفذه الطرفان؟
 
لبنان يستطيع أن يضع معادلة أكثر وضوحاً: كل خطوة لبنانية تقابلها خطوة إسرائيلية محددة: انتشار مقابل انسحاب، وتحقق مقابل وقف اعتداءات، وإجراءات في ملف السلاح مقابل إنهاء الاحتلال تدريجياً.
 
وأن يطلب لبنان إعادة النظر في مفهوم "آلية التحقق". فإذا كانت هناك دول ستراقب تنفيذ لبنان التزاماته، فمن يراقب تنفيذ إسرائيل؟
 
المطلوب، وفق هذه المقاربة، ضمان دولي متبادل، لا آلية تفتيش على لبنان وحده.
 
كما يمكن للبنان أن يصر على توسيع دائرة الضمانات: الولايات المتحدة وفرنسا والأمم المتحدة، إضافة إلى غطاء عربي، بحيث لا تبقى العلاقة محصورة بمفاوض لبناني ومفاوض إسرائيلي أمام وسيط أميركي.
 
في المقابل، لا يستطيع لبنان استعمال التعنت الإسرائيلي ذريعة للتراجع عن مشروع حصرية السلاح؛ لأن المشكلة اللبنانية مع السلاح لم تولد مع المفاوضات، ولن تنتهي بانتهائها. حصرية السلاح مصلحة لبنانية قبل أن تكون مطلباً إسرائيلياً أو أميركياً، ولا يجوز لإسرائيل استخدام ملف سلاح حزب الله ذريعة لاحتلال مفتوح الأجل.
 
أمام حزب الله أيضاً سؤال جديد: إذا كان يقول إن سلاحه مرتبط بالاحتلال والاعتداءات، فهل يصبح الانسحاب الإسرائيلي الكامل مدخلاً إلى اتفاق داخلي حقيقي حول السلاح؟
 
وهل يستطيع لبنان تحويل الأزمة الحالية إلى فرصة لفتح حوار داخلي حول استراتيجية دفاعية، بدل انتظار أن تحدد إسرائيل أو الولايات المتحدة شكل العلاقة بين الدولة والحزب؟
 
ثمة خيار آخر غير معلن هو الانتظار: انتظار تطورات الداخل الإسرائيلي والانتخابات والحسابات الأميركية والإقليمية.
 
خياران أمام لبنان
 
لكن الانتظار يصبح خطيراً إذا استمرت إسرائيل خلاله في تغيير الواقع الميداني. لذلك لا يستطيع لبنان تحمل "انتظار سلبي".
 
لبنان أمام خيارين: أن يواصل التفاوض من دون أوراق، أو أن يغادر التفاوض إلى مواجهة لا يملك شروطها. وبينهما خيار ثالث: إعادة بناء ميزان تفاوضي سياسي ودبلوماسي وداخلي.
 
أي أن يقول إنه ملتزم حصرية السلاح، لكنه ملتزم بالقدر نفسه إنهاء الاحتلال؛ ملتزم تنفيذ الاتفاق، لكنه يرفض التنفيذ من طرف واحد؛ يريد الضمانات الدولية، لكنه يريدها ضمانات للبنان أيضاً، وليس ضمانات لإسرائيل فقط.
 
ما انتهى في روما قد لا يكون التفاوض، بل المرحلة التي كان فيها لبنان يذهب إلى الطاولة حاملاً التزاماته، فيما تحتفظ إسرائيل بالتزاماتها إلى موعد غير معلوم.
 
وإذا كانت الجولة الثامنة ستنعقد، فإن معركة لبنان الحقيقية قبل انعقادها هي أن يغيّر شروطها، لا أن يغيّر مكانها...
 
 
المصدر: المدن