نتنياهو يحشر لبنان بكماشة: حرب في الجنوب وفخ محتمل في واشنطن
المدن
الإثنين 27 نيسان 2026
عملياً، سقط وقف النار بشكل فاقع في الجنوب. ويقف لبنان على مسافة أيام قليلة من استحقاقات كبرى، حيث يطبق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو استراتيجية "الكماشة"، حاشراً الدولة اللبنانية في زاوية ضيقة لا مجال فيها للمناورة. فهو رفع اليوم من حدّة الحرب في الجنوب، وباشر عملية جديدة من التدمير والتهجير تحت غطاء أن "التفاهم" يسمح له بذلك، وفي الموازاة، هو يحاول جرّ الرئاسة اللبنانية إلى فخ سياسي خطر في واشنطن، يترجمه اللقاء الثنائي مع الرئيس اللبناني جوزاف عون، مستفيداً من تشجيع الرئيس الأميركي دونالد ترامب. وهذا الضغط المزدوج يهدف إلى انتزاع تحولات في الموقف اللبناني لم يسبق لأي سلطة في بيروت أن تعرضت لها.
ميدانياً، حوّل نتنياهو الجنوب إلى ساحة لتثبيت الواقع بالنار، مستخدماً "التفاهم"، أو وثيقة الهدنة، غطاء شرعياً لعمليات التدمير والتوسع الجغرافي، من خلال التصعيد العنيف والغارات والتهديدات بالإخلاء، وهو ما ترجم زحمة خانقة لنزوح معاكس على أوتوسترادات النبطية وصور وصيدا- بيروت، ما يفرغ المنطقة الجنوبية التي يهدد نتنياهو بتحويل أجزاء واسعة منها إلى ركام. وفي الواقع، نتنياهو لا ينتظر نتائج المفاوضات ليرسم الحدود، بل يرسمها بالجرافة وتحت مسمى "الضربات الاستباقية"، محولاً بنود اتفاق وقف النار إلى صكّ مفتوح لمواصلة الحرب، ما يضع الدولة اللبنانية في موقف العاجز عن حماية مواطنيها وجغرافيتها، ويراكم ضغطاً اجتماعياً في العمق قد يتسبب بتفجيرات سياسية واجتماعية في الداخل اللبناني.
وفي الموازاة، سياسياً، تكتمل حلقة "حشر" لبنان الرسمي في العاصمة الأميركية، حيث الحديث عن احتمال دعوة ترامب للرئيس جوزيف عون للقاء نتنياهو في 11 أيار المقبل بدا أقرب إلى الفخ السياسي المُحكم. فنتنياهو، وبدعم من ترامب، يسعى إلى انتزاع اعتراف مباشر من الدولة اللبنانية، واضعاً عون أمام خيارين أحلاهما مر: إما تلبية الدعوة والمخاطرة بزلزال داخلي قد يترجم اضطراباً في الشارع، وإما الرفض والمخاطرة بقطيعة مع واشنطن، ما يعني رفع الغطاء الدولي نهائياً وترك لبنان وحيداً أمام آلة التدمير الإسرائيلية التي لن تتوقف عن استكمال مشروع "الخط الأصفر" وتوسيعه إلى حدود غير معروفة.
حزب الله يصعد
وقد رد "حزب الله" اليوم على تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، معتبرًا أنها محاولة لجرّ لبنان إلى اتفاق لم يوافق عليه. وأكد أن عملياته تأتي ردًا على مئات الخروقات الإسرائيلية لوقف إطلاق النار.
كما انتقد الحزب أداء السلطة اللبنانية، متهمًا إياها بالعجز عن وقف الاعتداءات أو فرض الانسحاب الإسرائيلي، وذهب إلى حد اعتبار مشاركتها في لقاءات مع الجانب الإسرائيلي في واشنطن خطوة تمنح إسرائيل غطاءً لعدوانها.
وشدد على أن استمرار الاعتداءات والاحتلال سيُواجَه برد من "المقاومة"، مؤكدًا أن الرد حق مشروع، ورافضًا الرهان على المسار الدبلوماسي أو على أداء السلطة.
سلام: لا دولة إلا بجيش واحد
وفي المقابل، شدد رئيس الحكومة نواف سلام على أن مشروع الحكومة يتمحور حول بناء الدولة، مؤكدًا أنه “لا دولة إلا بجيش واحد وقانون واحد”. وأشار إلى أن لا أحد فوق القانون، في موقف يعكس توجهًا نحو حصر السلاح بيد الدولة وتفعيل سلطة المؤسسات الرسمية على كامل الأراضي اللبنانية.
إنذارات بالإخلاء وحركة نزوح
ميدانياً، وجّه الجيش الإسرائيلي إنذارًا عاجلًا إلى سكّان عدد من البلدات في جنوب لبنان، طالبهم فيه بإخلاء منازلهم فورًا والابتعاد مسافة لا تقل عن ألف متر خارج المناطق المحدّدة.
وشمل الإنذار بلدات ميفدون، شوكين، يحمر، أرنون، زوطر الشرقية، زوطر الغربية، وكفرتبنيت. وبرّر الجيش الإسرائيلي إجراءه بالقول إنه “يضطر إلى العمل بقوة ضد "حزب الله" على خلفية ما اعتبره خرقًا لاتفاق وقف إطلاق النار، مدّعيًا أنه لا يستهدف المدنيين.
ميدانيًا، أفادت معلومات بأن رئيس بلدية أرنون تلقّى اتصالًا يطالبه بإخلاء البلدة، كما جرى التواصل مع الدفاع المدني التابع لـ"جمعية الرسالة للإسعاف الصحي" في زوطر الشرقية لإخلائها أيضًا، ما دفع إلى حركة نزوح في عدد من المناطق المستهدفة.
غارات على زوطر وكفرتبنيت وبرج قلاويه
وتعرّضت بلدة كفرتبنيت لغارة إسرائيلية، ما أدى إلى مجزرة: 8 شهداء كحصيلة أولية، فيما استهدفت ثلاث غارات منطقة برج قلاويه. كما طاولت غارتان من مسيّرات إسرائيلية بلدة زوطر الشرقية، وسط معلومات عن وقوع إصابات.
لاحقًا، شنّ الطيران الحربي الإسرائيلي غارات إضافية على زوطر الشرقية والغربية من دون تسجيل إصابات، وتزامن ذلك مع قصف مدفعي طال البلدتين ومحيطهما، إضافة إلى بلدة يحمر الشقيف، فيما استهدفت مسيّرة منطقة علي الطاهر.
وفي زوطر الغربية، نجا فريق إسعاف تابع لـ"كشافة الرسالة الإسلامية" من شظايا غارة إسرائيلية من دون تسجيل إصابات بين أفراده.
في المقابل، تحدثت وسائل إعلام إسرائيلية عن إصابة أربعة جنود بجروح متفاوتة في حادث أمني جنوب لبنان، مشيرة إلى أن مروحيات عسكرية نقلت المصابين إلى المستشفيات داخل إسرائيل.
شكوك إسرائيلية في جدوى الحرب
ونقلت صحيفة “يسرائيل هيوم” عن مسؤول إسرائيلي رفيع قوله إن “لا حل عسكريًا يمكنه منع حزب الله من قصف إسرائيل”، معتبرًا أن اتفاق وقف إطلاق النار يبقى الخيار الوحيد لوقف إطلاق النار على الشمال.
وأوضح أن الكابينيت الأمني والسياسي لم يكلّف الجيش بمهمة القضاء على القوة العسكرية للحزب، خلافًا لما تم تداوله، مشيرًا إلى أن نزع سلاحه يمثل “الهدف الأعلى” لإسرائيل، من دون أن يكون ذلك بالضرورة عبر الخيار العسكري.
وتعكس هذه المواقف نقاشًا داخل المؤسسة الإسرائيلية حول حدود العمليات العسكرية، إذ أقرّ المسؤول بأن أي خطة للقضاء على “حزب الله” تبدو غير واقعية في ظل ما تتطلبه من حشد بشري كبير، فضلًا عن الكلفة المرتفعة لمواجهة واسعة مقابل نتائج غير مضمونة.
كما أشار إلى شكوك متزايدة بشأن جدوى تجديد الحرب، في ضوء التجارب السابقة والتوازنات القائمة على الجبهة الشمالية.
تقرير هآرتس يطرح خطة مارشال للبنان
في سياق متصل، عرض تقرير نشرته صحيفة "هآرتس" واقع وقف إطلاق النار في لبنان بوصفه هشًا، لا يعكس استقرارًا فعليًا، بل استمرارًا لدورات تصعيد تنتهي بتفاهمات مؤقتة سرعان ما تنهار. كما شكك التقرير في جدوى أي طرح جديد لإقامة "منطقة عازلة" في الجنوب. وأشار التقرير إلى أن لبنان، المثقل بأزماته السياسية والاقتصادية، يعاني من ضعف بنيوي عميق نتيجة تراكم التدخلات الخارجية والصراعات الممتدة منذ سبعينيات القرن الماضي، ما يحدّ من قدرته على التعافي الذاتي.
وانطلاقًا من ذلك، طرح فكرة إطلاق خطة دولية شاملة شبيهة بـ"خطة مارشال"، تقودها الولايات المتحدة، تبدأ بمعالجة الملف الأمني عبر نزع سلاح "حزب الله" تدريجيًا وتعزيز قدرات الدولة، بالتوازي مع ورشة اقتصادية لإعادة بناء البنية التحتية وخلق فرص عمل.
كما اقترح نشر قوات دولية لمواكبة عملية إعادة الإعمار، ضمن تنسيق دولي وإقليمي، معتبرًا أن نجاح هذه المقاربة قد يفتح الباب أمام استقرار داخلي في لبنان، ويؤسس لتهدئة طويلة الأمد على الحدود، وربما لتسويات أوسع في المنطقة.
كسب الوقت انتهى
والحقيقة التي يواجهها لبنان الرسمي اليوم هي أن زمن كسب الوقت قد انتهى. وإذ يدرك نتنياهو أن الدولة مربكة تماماً في تنفيذ شرط نزع سلاح الحزب، فهو يستخدم هذا الإرباك ذريعة لشرعنة بقاء جيشه وتوسيع نطاق سيطرته. وبذلك، يجد لبنان الرسمي نفسه محشوراً بين استحقاق مواجهة حزب الله داخلياً كشرط لاستعادة الأرض، واستحقاق مواجهة نتنياهو في واشنطن كشرط لاستعادة الاعتراف الدولي. إنها لحظة المواجهة الحتمية، حيث لم يعد الرهان على الوقت أو المظلات الخارجية كافياً لإنقاذ المركب اللبناني من الغرق.