بالتزامن مع اجتماعات الربيع، التي تم اختتامها في أواخر الأسبوع الماضي، نشر صندوق النقد الدولي تقرير آفاق الاقتصاد العالمي، الذي يُعد المرجع الأساسي لتلك النقاشات، والإطار الذي يسمح بفهم وتوقّع وضعيّة اقتصادات العالم المختلفة. وبطبيعة الحال، تضمّن ذلك عرضًا للمؤشّرات المرتبطة بلبنان، بحسب تقديرات الصندوق، وإن كان التقرير قد تحفّظ عن تقديم توقّعات واضحة بالنسبة لأرقام السنوات المقبلة.
وشملت تلك الأرقام معطيات مُحدّثة مرتبطة بحجم الدين العام ونسبة النمو وإجمالي الناتج المحلّي، فضلًا عن أرقام إيرادات ونفقات وفائض الموازنة العامّة. وهذا ما يسمح بفهم واقع الاقتصاد اللبناني، لغاية الفترة التي سبقت اندلاع الحرب الراهنة.
النمو الاقتصادي والناتج المحلّي
وفقاً للتقرير، سجّل لبنان العام الماضي (2025) نموًا اقتصاديًا بنسبة 4 بالمئة، ما يُعد تحسّنًا مقارنةً بالعام السابق (2024)، الذي شهد انكماشًا بنسبة 7.5 بالمئة، بفعل الحرب الموسّعة التي شهدها لبنان في تلك الفترة. مع الإشارة إلى أنّ البلاد كانت قد عرفت خلال السنوات السابقة نموًا متواضعًا بنسبة 1 بالمئة عام 2022، وقبلها بنسبة 2.1 بالمئة عام 2021. أمّا العام الأكثر استنزافًا على مستوى النشاط الاقتصادي، فكان 2020، الذي شهد انكماشًا بنسبة 26.8 بالمئة، بعد أن تلقّت البلاد أولى الصدمات الناتجة عن الانهيار المالي. وتشير أرقام صندوق النقد إلى أنّ لبنان عايش نسب نمو متواضعة، بمتوسّط 1.23 بالمئة، على امتداد الفترة الممتدة بين 2010 و2019.
في نتيجة هذه المعدّلات، بات حجم الناتج المحلّي الإجمالي في أواخر 2025 يقترب من 34.5 مليار دولار أميركي، بعدما بلغ 29.3 مليار دولار أميركي في العام السابق 2024، و24.5 مليار دولار أميركي عام 2023، وقبلها 25.7 مليار دولار أميركي في العام 2022، و20.5 مليار دولار أميركي في العام 2021.
وبالرغم من التحسّن المحدود العام الماضي، ما زال حجم الناتج اليوم ضئيلًا للغاية قياسًا بمستويات ما قبل الأزمة، حين بلغ حجم الناتج قرابة 55.29 مليار دولار أميركي في العام 2018. واستنادًا لهذا الرقم، يمكن القول إن حجم الناتج حاليًا يقتصر على نحو 62.4 بالمئة من حجمه السابق قبل الأزمة، ما يعني أن لبنان خسر 37.6 بالمئة من حجم ناتجه المحلّي بفعل الأزمة الماليّة التي يعيشها منذ أواخر العام 2019.
من ناحية أخرى، تكشف هذه الأرقام أنّ حصّة الفرد في لبنان من الناتج المحلّي اقتربت في نهاية 2025 من 6,443.2 دولار أميركي، مقارنة بـِ 5,480 دولار أميركي خلال العام السابق 2024. وللمقارنة، تتراوح حصّة الفرد من الناتج في الشريحة الأعلى من الدول المتوسّطة الدخل بين 4,466 و13,845 دولار أميركي، وهذا ما يعني أن لبنان عاد إلى هذا النطاق مؤخرًا.
على مستوى المنطقة ككل، بلغت نسبة النمو في دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا 3.2 بالمئة العام الماضي 2025، مقارنة بـِ 4.4 بالمئة بالنسبة للأسواق الناشئة والدول النامية، و3.4 بالمئة على مستوى العالم ككل. وبدا واضحًا أن دول المنطقة عانت خلال العام الماضي من تداعيات التوتّرات الإقليميّة، قبيل بدء الحرب هذا العام، بالرغم من تسجيل بعض الدول العربيّة معدلات نمو لافتة مثل ليبيا (15.9 بالمئة) والإمارات العربيّة المتحدة (5.8 بالمئة) والمغرب (4.9 بالمئة) والمملكة العربيّة السعوديّة (4.5 بالمئة) ومصر (4.4 بالمئة).
أرقام الماليّة العامّة والتضخّم
على صعيد الماليّة العامّة، وجد صندوق النقد أنّ حجم إيرادات الخزينة ارتفع في العام 2025 إلى 6.5 مليار دولار أميركي، وهذا ما شكّل قفزة كبيرة مقارنة بحجم الإيرادات العامّة سنة 2024، الذي اقتصر على 4.6 مليار دولار أميركي. أمّا الإنفاق العام فبلغ 5.4 مليار دولار أميركي العام الماضي 2025، بزيادة نسبتها 19 بالمئة مقارنة بالعام السابق 2024، حين بلغ نحو 4.5 مليار دولار أميركي.
وبهذا الشكل، يكون حجم الإيرادات العامّة قد بلغ نسبة 18.8 بالمئة من الناتج المحلّي سنة 2025، مقارنة بـِ 15.7 بالمئة عام 2024. كما يكون حجم النفقات العامّة قد بلغ 15.5 بالمئة من الناتج المحلّي عام 2025، مقارنة بـِ 15.3 بالمئة عام 2024. كما تكون الميزانيّة العامّة قد سجّلت فائضًا قيمته 1.12 مليار دولار أميركي سنة 2025، ما يشكّل 3.25 بالمئة من الناتج المحلّي، بعدما اقتصرت نسبة هذا الفائض على 0.4 بالمئة فقط من الناتج المحلّي خلال العام 2024.
أمّا على مستوى الدين العام، فيرى صندوق النقد أن هذه الأرقام تدل على أنّ نسبة الدين للناتج باتت تقارب 139.4 بالمئة، وهي نسبة يفترض أن تتقلّص لاحقًا بعد التفاوض مع حملة سندات اليوروبوند على عمليّة إعادة هيكلة الديون. وبطبيعة الحال، كانت هذه النسبة تتذبذب طوال السنوات الماضية، على وقع تقلّص حجم الناتج المحلّي نفسه، في مقابل تقلّص حجم الديون بالليرة اللبنانيّة بفعل تدهور سعر الصرف. وفي حال تعرّض لبنان لمزيد من الانكماش الاقتصادي خلال العام الحالي، فستحتاج الدولة إلى مفاوضات أقسى مع حملة سندات اليوربوند، لخفض قيمة الدين إلى مستويات أدنى، بما يتناسب مع حجم الناتج المحلّي بعد الانكماش المُستجد.
أخيرًا، امتنع صندوق النقد عن توقّع أي نسب أو أرقام للعام 2026، بخصوص حجم الناتج المحلّي والماليّة العامّة والحساب الجاري والتضخّم. ويبدو أن الصندوق فضّل عدم وضع أي توقّعات، في ظل حالة عدم اليقين، المرتبطة بمستقبل الحرب الدائرة، ووتيرة تنفيذ الإصلاحات الماليّة المطلوبة لإعادة الانتظام المالي.
المصدر: المدن