لبنان في العالم
التدخل السوري يصطدم بالتوازنات الإقليمية والداخلية

فراس الشوفي

الجمعة 19 حزيران 2026

لا يكفّ الرئيس الأميركي دونالد ترامب، خصوصاً في الأيام الأخيرة، عن الإشارة إلى رغبته في أن يتولّى النظام السوري الجديد مهمة الضغط على لبنان لنزع سلاح حزب الله، من دون أن يصدر أي تعليق رسمي لبناني على هذه التصريحات. وفي حين تبدو مواقف ترامب أقرب إلى الرسائل الإعلامية منها إلى الخطوات العملية (وهو ما لا يبرّر الصمت الرسمي تجاهها بأي حال)، ولا سيما أن الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع ألمح مراراً إلى رفضه «التدخل في الشأن اللبناني»، فإن ما كشفه دبلوماسي عربي مقيم في بيروت يقدّم تفسيراً آخر لإصرار الرئيس الأميركي على هذا النوع من الطروحات.
 
وأكد الدبلوماسي أمام مجموعة من ضيوفه قبل أيام أن ما يردّده ترامب بشأن «التدخل» السوري في لبنان لم يأتِ من فراغ، بل يستند إلى معلومات غير مكتملة ومغلوطة لدى بعض المحيطين به حول الواقع في لبنان وسوريا. وأوضح أن جذور هذه الفكرة تعود إلى اقتراح قدّمه النظام السوري الجديد، قبل مدة، إلى الأميركيين، أبدى فيه استعداده للدخول إلى لبنان تحت ذريعة قتال حزب الله. وأكد الدبلوماسي أن بلاده تمتلك تقارير ومعلومات حول هذا العرض، وأن نظام الشرع كان يسعى إلى استخدام مقاتلين أجانب ومجموعات من الإسلاميين المتشددين لتنفيذ هذه المهمة.
 
وبعد يومين على الجلسة، تأكيد ترامب، للمرة الأولى وبشكل صريح، أن الشرع هو من يرغب في دخول لبنان لقتال حزب الله، من دون أن يصدر أي نفي جديد عن الرئيس السوري.
 
وبمعزلٍ عن مدى صدق ترامب أو الشرع، وعن طبيعة فهم كلٍّ منهما لحقيقة الواقع، وما إذا كان ترامب يسعى إلى توريط الشرع والمنطقة في حربٍ مفتوحة، أو ما إذا كان الشرع مستعداً فعلاً للقيام بهذه المهمة في إطار محاولة للتقرّب من إسرائيل وترامب، أو للبحث عن دورٍ إقليمي بعد تعثره الداخلي، فإن جملة من المعطيات والتوازنات القائمة تنسف عملياً قدرة دمشق على تنفيذ مهمة من هذا النوع.
وتظهر بوضوح المعوّقات «التقنية» الداخلية التي تقوّض قدرة الشرع على تنفيذ هذه المهمة، وهي كثيرة ومتعددة (راجع«الأخبار الجمعة 20 آذار 2026)، لا سيما أن الأوضاع الأمنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية في سوريا لا تزال شديدة الهشاشة، بل تزداد هشاشة مع مرور الوقت.
 
فعلى سبيل المثال، لم يعد الشرع قادراً على التعويل على ولاء المقاتلين الأجانب الذين يشعرون بأنهم تعرضوا للخيانة من قبل النظام الجديد، وبسعيه إلى التخلص منهم أو زجّهم في معارك جانبية لا تخدم سوى إسرائيل. كما لا يمكنه الركون إلى الثقل البشري لأبناء المنطقة الشرقية، ولا سيما محافظة دير الزور، الذين شكّلوا لمدة طويلة القاعدة القتالية الأساسية في معارك «هيئة تحرير الشام». وهؤلاء عملياً هم الكتلة المقاتلة الفعلية الوحيدة والمجرّبة في قوات الشرع، عدا عن القوات التابعة مباشرة للمخابرات التركية في ما يسمى «الفيلق الثاني» في شمال سورية، (راجع «الأخبار» الأربعاء 25 شباط 2026).
 
ولعل أبرز العثرات أمام الشرع، في حال كان فعلاً يفكر في هذا الخيار، تتمثّل في موقف الدول العربية والإقليمية المحيطة بسوريا ولبنان، إضافة إلى مواقف الدول الكبرى، بما فيها روسيا والصين والاتحاد الأوروبي، بغضّ النظر عن الموقف الأميركي.
 
فالموقف التركي، وما رافقه من مخاوف متزايدة من تداعيات الصراع الإقليمي على الداخل التركي، تبلور بشكل أوضح خلال الحرب الأخيرة على إيران والعدوان المستمر على لبنان، إلى درجة باتت فيها إسرائيل، وبعض الأصوات داخل الولايات المتحدة، تلمّح إلى وجود أشكال من الدعم التركي لإيران وحلفائها. وقد شكّل ذلك عاملاً أساسياً في دفع النظام السوري نحو تبريد العلاقات مع حزب الله وإيران، وهو ما انعكس في عدد من تصريحات الشرع.
 
بدوره الموقف العربي حاسم بمنع أي احتكاك بين لبنان وسوريا، ويؤدي السعوديون دوراً واضحاً في بناء قنوات تنسيق عسكري بين لبنان وقوات النظام السوري الموجودة على الحدود اللبنانية. فضلاً عن أن الموقفين المصري والإماراتي شديدا الوضوح بالحذر من الخلفية المتطرفة التي ينطلق منها نظام الشرع، مع خشية مصرية خاصة من تداعيات هذا المسار على الوضع الداخلي والتوازنات الطائفية في لبنان.
 
ورغم العلاقات التي توصف بأنها مقبولة حالياً بين بغداد ودمشق، فإن المواقف التي صدرت مؤخراً، والتي لوّح بعضها بإمكانية تدخل عسكري مباشر من قبل «الحشد الشعبي» في حال أقدم الشرع على التدخل ضد حزب الله، ترفع سقف التهديد إلى مستويات عالية، وتُشير إلى احتمال انزلاق الإقليم مجدداً نحو فوضى واسعة.
 
أما إسرائيل، فإلى جانب هجماتها المستمرة على الأراضي السورية وتهربها من توقيع أي اتفاق مع الشرع، فإن ما نُقل عن ترامب بشأن رفض إسرائيلي مباشر لأي تدخل سوري في لبنان، ولو في سياق مواجهة حزب الله، يكشف رفض تل أبيب منح «شرعية» لأي دور للنظام السوري الجديد، ولو كان مدعوماً أميركياً.
 
ومما لا شك فيه أن أي تدخّل سوري في لبنان، ولو تحت ذريعة قتال حزب الله، من شأنه أن يعيد خلط الأوراق داخل الساحة اللبنانية، ويضع الجيش اللبناني، إلى جانب حزب الله، في طليعة المدافعين عن البلاد، كما يدفع غالبية اللبنانيين إلى الاصطفاف في مواجهة هذا التدخل، بما لا ينسجم مع التوجهات الأميركية والإسرائيلية.
 
ومن بين القوى السياسية الحالية، قد يكون «القوات اللبنانية» الحزب الوحيد الذي قد لا يمانع مثل هذا التدخل من قبل قوات الشرع، إلى جانب بعض الشخصيات في الشمال والبقاع ذات التأثير المحدود. في المقابل، يُتوقّع أن تتكتل غالبية القوى النيابية والأحزاب الفاعلة خلف موقف رافض لهذا التدخل، رغم محاولات الشرع بناء شبكة علاقات جديدة مع أطراف سياسية لبنانية.
 
فعلى سبيل المثال، ما يُظهره الشرع من ودّ تجاه حزب الكتائب اللبنانية لا يعني بالضرورة أن الحزب مستعد لتأييد هذا النوع من الأدوار، وتكرار ما فعلته الجبهة اللبنانية مع الرئيس حافظ الأسد. علماً أن الموقف الفعلي للكتائب، وما يرافقه من خشية من طبيعة النظام السوري الجديد، برز في مواقف وزير العدل عادل نصار، الذي تعرّض لضغوط داخلية لتليين موقفه في ملف الإفراج عن بعض الموقوفين السوريين الذين يطالب بهم النظام الجديد، قبل أن يميل رئيس الحكومة نواف سلام إلى موقف نائب رئيس الحكومة طارق متري، الذي يُبدي مقاربة أكثر إيجابية تجاه دمشق.
 
وفي حين تدخّل النظام السوري في لبنان في سبعينيات القرن الماضي تحت عنوان وقف الحرب الأهلية ومنع تهجير المسيحيين، في ظل امتلاكه آنذاك شرعية داخلية وقوة عسكرية نظامية وازنة خاض بها حرب تشرين عام 1973، لا يمتلك النظام الجديد أيّاً من تلك القدرات أو القدرات، ما يجعل أي تدخل محتمل مدخلاً لصراع لبناني – سوري مفتوح، قد يتسع سريعاً ليأخذ طابعاً إقليمياً يلهب المنطقة بأسرها.
 
 
المصدر: الأخبار