لبنان في العالم
لبنان في لحظة المقايضة الكبرى

جورج سولاج

الإثنين 1 حزيران 2026

لم تعد الحرب في لبنان تُقرأ من الجنوب وحده. ما يجري اليوم يتجاوز حدود الليطاني والزهراني إلى هندسة إقليمية أوسع، تُرسم خطوطها بين واشنطن وطهران، وتُختبر نتائجها على الجبهة اللبنانية. فالتصعيد الإسرائيلي الأخير ليس مجرد ردّ عسكري على «حزب الله»، ولا المفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية في واشنطن مجرد آلية تقنية لوقف النار. إننا أمام لحظة انتقالية قد تحدد ما إذا كان لبنان سيبقى ساحة ملحقة بموازين القوى الخارجية، أم يبدأ، ولو بصعوبة، استعادة موقعه كدولة تفاوض باسم سيادتها ومصلحتها.
 
المعادلة الجديدة تقوم على تزامن بالغ الحساسية: من جهة، مسار أميركي ـ إيراني نحو مذكرة تفاهم مؤقتة قد تمدد وقف النار 60 يوماً، وتعيد فتح مضيق هرمز، وتستأنف البحث في الملف النووي وترتيبات عدم تكرار الحرب. ومن جهة ثانية، مسار لبناني ـ إسرائيلي منفصل، بدأ أمنياً في البنتاغون، وينتقل سياسياً إلى وزارة الخارجية الأميركية يومي الثلاثاء والأربعاء المقبلين. هذا التزامن ليس صدفة. واشنطن تحاول أن تمنع انهيار الجبهات دفعة واحدة، وأن تفصل المسارات كي لا تتحول كل جبهة إلى رهينة كاملة للأخرى.
 
لكنّ الفصل بين المسارات لا يعني الفصل بين الأزمات. هنا تقع العقدة الاستراتيجية. كيف تستطيع طهران أن تطلب من واشنطن مذكرة تفاهم تنهي حالة الحرب وتمنع تكرارها، بينما يبقى سلاح حليفها اللبناني موجهاً إلى إسرائيل كجبهة احتياط دائمة؟ وكيف يمكن لإسرائيل أن تقبل بوقف قتال مستقر مع «حزب الله» إذا بقيت تعتبر أنّ الهدوء ليس نهاية الحرب، بل فرصة لإعادة التموضع والتسلح؟ هذه ليست أسئلة دعائية. إنها جوهر المعضلة التي ستواجه أي تفاهم أميركي ـ إيراني: لا يمكن تسويق استقرار إقليمي إذا ظل لبنان منصة قابلة للاشتعال عند كل اختبار بين واشنطن وطهران.
 
من هنا يجب قراءة التصعيد الإسرائيلي الأخير. إسرائيل لا تبدو ذاهبة حتماً إلى حرب شاملة، لكنها تسعى إلى رفع كلفة الستاتيكو. إعلان مناطق جنوب الزهراني منطقة قتال، والتوغلات شمال الليطاني، وتوسيع الغارات على مدن الجنوب، كلها مؤشرات إلى محاولة إسرائيلية لنقل الضغط من معادلة حدودية ضيقة إلى معادلة أمنية أعمق. غير أنّ هذا التصعيد، المتزامن مع المحادثات في واشنطن، يبقى مضبوطاً بسقف سياسي واضح: توسيع النار جنوباً، وإبقاء الضربات على ضاحية بيروت انتقائية، من دون قدرة مؤكدة على تغيير الميزان الاستراتيجي جذرياً.
 
هذا هو جوهر المرحلة: إسرائيل لا تبحث فقط عن أمن حدودي، بل عن تعديل قواعد ما بعد الحرب. تريد أن تقول إن أي اتفاق إقليمي لا يقيّد ذراع إيران اللبنانية سيبقى ناقصاً. وفي المقابل، إيران قد ترغب في هدنة مع الولايات المتحدة تحفظ نظامها وتخفف الحصار وتعيد فتح الممرات البحرية، لكنها لا تريد دفع الثمن الكامل في ساحات النفوذ. أما «حزب الله»، فيجد نفسه بين ضغطين: ضغط ميداني إسرائيلي متصاعد، وضغط سياسي لبناني ودولي يطال وظيفة السلاح نفسه لا مجرد انتشاره الجغرافي.
 
هنا تبرز أهمية خيار رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون. ما يحاول فعله ليس مناورة شكلية، بل مبادرة لإحداث خرق استراتيجي في حرب استنزاف أثبتت أن أدواتها العسكرية لم تنتج سوى القتل والتدمير والتهجير والاحتلال. وبالتالي، فإن الرهان الرئاسي على السياسة ليس تنازلاً عن السيادة، بل محاولة لاستعادتها من منطق الساحات. فالدولة التي لا تفاوض تُفاوض عنها الجبهات. والدولة التي لا تمتلك القرار تدفع ثمن قرارات لا تصنعها.
 
إنّ الواقعية تفرض الاعتراف بأن المسار طويل وشاق. إسرائيل ستواصل الضغط كي تنتزع ضمانات أمنية. واشنطن ستستخدم المسار اللبناني لاختبار جدية أي تفاهم أوسع مع إيران. طهران ستسعى إلى فصل ملفها النووي والبحري عن ملف أذرعها، أو على الأقل إلى تأجيل الربط بينهما. و«حزب الله» سيحاول حماية ما تبقى من موقعه العسكري والسياسي. لكنّ لبنان، لأول مرة منذ زمن طويل، يملك فرصة محدودة كي يقدّم نفسه لا كساحة، بل كطرف صاحب رؤية ومصلحة مستقلة: وقف النار، انسحاب الاحتلال، نشر الجيش، ضبط الحدود، واستعادة القرار الأمني تحت سقف المؤسسات.
 
الأسابيع المقبلة ستكون اختباراً قاسياً. إذا نجحت مذكرة واشنطن–طهران في تمديد الهدنة من دون معالجة وظيفة الجبهات الرديفة، فقد نحصل على هدوء إقليمي هش وحرب لبنانية مؤجلة. وإذا نجح المسار اللبناني ـ الإسرائيلي في تثبيت وقف نار أكثر صلابة وربطه بانتشار الدولة لا بترتيبات أمر واقع، فقد يدخل لبنان أول مرة في مسار خفض تدريجي لكلفة ازدواجية السلاح. أما إذا فشل المساران معاً، فسيعود الجنوب إلى كونه صندوق بريد النار بين إيران وإسرائيل، وستتحول الدولة اللبنانية مرة أخرى إلى شاهد على حروب تُخاض فوق أرضها.
 
الخلاصة أن لبنان يقف أمام لحظة نادرة: إما أن يبقى ورقة في مفاوضات الآخرين، أو أن يستخدم تقاطع المصالح الدولية لانتزاع مساحة دولة. السياسة هنا ليست ضعفاً، بل آخر أداة عاقلة قبل أن يتكرس القصف لغة وحيدة. وما يفعله رئيس الجمهورية، قد يكون أول محاولة جدية لكسر حلقة قاتلة: سلاح يستدعي حرباً، وحرب تبرر سلاحاً، وشعب يدفع الثمن بينهما.
 
 
المصدر: الجمهورية