الدستور اللبناني وهجانة الممارسة:أزمة رجال دولة لا أزمة نصوص
أنطونيوس أبو كسم
الإثنين 25 أيار 2026
عشيّة مئوية الدستور اللبناني، يضجّ المشهد السياسي بدعوات متكرّرة إمّا لتطبيق وثيقة الوفاق الوطني (اتفاق الطائف) كاملةً، إمّا لتعديل الدستور أو البحث عن عقدٍ اجتماعيّ جديدٍ، تحت ذريعة أن إشكالية توزيع الصلاحيات هي سبب الشَّلَل المؤسّساتي أو النزاعات السياسيّة. إلّا أنّ القراءة المتأنّية للواقع تُثبتُ أنّ المعضلة ليست في هندسة النصّ بل في ذهنية الانقلاب عليه. إنّ أزمة لبنان الدستورية هي أزمة رجال دولة، أزمة سلوكٍ سياسيٍّ يقدّم الولاءات العابرة للحدود والاعتبارات الطائفية على منطق الدولة والقانون، والمكاسب الشخصيّة على المصلحة العامّة.
أولاً: الدستور كضحية للذهنية "الميليشياوية" والطائفية
إنّ الدستور، في أرقى تعريفاته، هو عقد يعبّر عن إرادة الشعب، يلتزم بموجبه الحُكَّام بقيود القانون. في لبنان، يُلاحظ أنَّ رؤساء السلطات والمؤسسات الدستورية غالباً ما يتصرفون بمنطق التفويض الطائفي لا التكليف الوطني، أو بمنطق التفويض الحزبي أو الميليشياوي وليس بصفة المؤتمن على "الأمّة جمعاء" وبذلك يسود نهج رجل الطائفة مقابل رجل الدولة. وبالتالي، حين يتحوّل رئيس سلطة وطنيّة إلى مدافع عن حقوق مذهبه بدلاً من كونه حامياً للدستور، تسقط صفة "رجل الدولة". هذا السلوك يؤدي إلى تحويل الصلاحيات الدستورية إلى خنادق سياسية يُستخدم فيها الفيتو المذهبي لتعطيل المسار القانوني للدولة، ويؤدي إلى ارتفاق رؤساء السلطات على صلاحيات بعضهم البعض، حيث يسعى الجميع إلى أن يكونوا من صنّاع القرار ولو حتّى أنّ الأمر يخرج عن اختصاصهم الدستوري.
وقد دأبت الطبقة السياسيّة الاختباء وراء مفردات ومفاهيم للحؤول دون تطبيق الدستور كالميثاقية والسلم الأهلي ناهيك عن التذرّع بالظروف الاستثنائية لتعليق تطبيق أحكام الدستور. في حين أنّ أغلب الظروف الاستثنائية كانت بسبب فراغ المؤسسات الدستورية نتيجة ديمقراطية التعطيل وديمقراطية الامتناع. وصل الأمر بالمجلس الدستوري أن تماهى معها فلم يُبطِل أي قانون تمديد ولاية بسبب الظروف الاستثنائية ولعدم إحداث فراغ إضافي بالسلطة. فأيّ دستور جديد سيكون معرّضاً للالتفاف حوله. أمّا الأخطر، أنّ أصحاب مغامرات الانقلاب الدستوري تحت ستار الإصلاحات الدستورية، يتناسون وجود الأعراف الدستورية التي لا يمكن إزالتها بمجرد نصّ مكتوب صوّتَت عليه سلطةٌ أصلاً مشكوكٌ بشرعيتها الدستورية.
ثانياً: التبعية الخارجية وضرب السيادة الدستورية
لا يمكن فهم أزمة الدستور بمعزل عن الارتباطات العابرة للحدود. فالدستور اللبناني يفترض أنّ القرار ينبع من المؤسسات الوطنية (رئاسة الجمهورية، مجلس النواب، مجلس الوزراء)، لكن الواقع يثبت أنّ الكثير من القرارات الكبرى تُصنع في عواصم إقليمية ودولية، أو أقلّه تحت تأثيرها، ممّا يؤثّر على استقلاليّة القرار.
إنّ ارتباط رؤساء السلطات بأنظمة خارجية راعية يجعل من الدستور ورقة تفاوض إقليمية. هنا، لا تعود المشكلة في صلاحية المسؤول، بل في كون القرار مرتهناً بأجندات لا تمتّ للمصلحة الوطنية بصلة، مما يفرّغ النص الدستوري من سيادته الفعلية، ونصبح أمام أزمة الولاء المزدوج.
ثالثاً: غُربة النموذج اللبناني في محيطه
يواجه الدستور اللبناني تحدّياً يتمثّل في كونه نموذجاً تعدّدياً ديمقراطياً وسط محيطٍ جغرافيٍ وسياسيٍ سادت فيه، وتسود لفترات طويلة، أنظمة أحادية أو شمولية أو دينيّة، أو أنظمة بدّلت من عقيدتها السياسيّة وخرجت عن شبه الإجماع العربي في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي.
هذا المحيط جعل النموذج اللبناني يبدو غير مألوف ومزعجاً أحياناً، ممّا أدّى إلى تحويل كلّ تسوية سياسية إلى مجرّد "محاصصة مُغلّفة بالدستور". بدلاً من أن تكون التعديلات الدستورية أدوات لتطوير المؤسسات، أصبحت صفقات لتوزيع المغانم والصلاحيات على الطوائف، لضمان استقرار هشّ تفرضه موازين القوى الخارجية، ممّا يؤدي إلى دعم إقليميّ ماليٍّ ومدّ بالسلاح بدلاً من الدعم الإقليمي للإصلاح. حتّى إنّ بسط سلطة الدولة على كافّة أراضيها لا يحصل إلّا بمكتسبات دستورية إضافيّة كمقابلٍ لبديهيّة حصريّة السلاح بيد الدولة. ويصبح الدستور بالتالي يراعي موازين القوى ما بين السلطات الدستورية (على أساس طائفي) وما بين السلاح ذات البُعد الإقليمي.
رابعاً: وهم الإصلاح الدستوري وفخّ توزيع الصلاحيات
تثبت التجربة اللبنانية أن معظم الطروحات التي تُسوّق كإصلاحات دستورية هي في الحقيقة إعادة توزيع نفوذ. إنّ الدستور الحالي، لو طُبقت روحه (خاصة مواد الفصل ما بين السلطات، وموجب احترام الاستحقاقات الدستورية ومبدأ تداور السلطة)، لكان كافياً لبناء دولة عصرية. شهد لبنان تصرّفات بغطاء قانونيّ مسرحيّ مناقض لأبسط مبادئ الديمقراطيّة. فعادات التمديد لولايات رؤساء الجمهورية ورؤساء البرلمان ولأعضاء المجلس النيابي، والتمديد لحكومات تصريف الأعمال، وتعديل الدستور قياساً على أشخاص، كلّها تشكّل نقيضاً للمبادئ الدستوريّة العامّة وتظهر جلياً أنّ المشكلة تكمن في ذهنيّة عبادة السلطة وليس في أحكام الدستور. يُضاف إلى ذلك، أنّ القوى السياسية تتهرّب من تطبيق القوانين النافذة (مثل قانون المحاسبة العمومية، وقوانين مكافحة الفساد) وتدّعي أن المشكلة في الدستور لتبرير عجزها عن إصلاح النظام أو رغبتها في الاستئثار بمزيد من السلطة الفئوية.
الأخطر، هو أنّ البعض يسعى إلى تطييف الدستور عبر فرض النفوذ استناداً إلى نظرية الديمقراطيّة العدديّة، بدلاً من الشروع من ميثاق المناصفة والعيش المشترك وتطويره عبر تعزيز المواطنة وتغليب الهوية الوطنيّة على الهويّة المذهبيّة. إنّ المسّ بميثاق العيش المشترك الذي ارتكز عليه البابا الراحل القديس يوحنّا بولس الثاني في إرشاده الرسولي من أجل لبنان، يشكّل اغتيالاً للدستور اللبناني، والأجدى أن تتحوّل الدولة اللبنانيّة إلى دولة ذات نظام ديني، بدلاً من تحوير نصوص الدستور وتشويهه واغتيال عقده الاجتماعي في جوهره.
خلاصة
إنّ استعادة هيبة الدستور اللبناني في مئويّته لا تمرّ عبر تعديل بعض مواده أو استبدالها بأخرى، بل عبر تحرير الإرادة السياسية. إنّ المطلوب هو تطوّر في الذهنية السياسية لتنتقل بالمسؤول من "مندوب طائفي لدى الدولة" إلى خادم للقانون تحت سقف الدستور. بدون ولاءٍ مُطلَق للوطن، وبدون فكّ الارتباط بالمشاريع الخارجية، سيبقى أيّ دستور – مهما بلغت جودته – مجرّد حِبرٍ على ورق أمام تغوّل الطائفية والارتهان السياسي.
إنّ الإكثار من عمليّات التجميل للدستور اللبناني، سيجعله نَصّاً اصطناعياً ديمومته قائمة فقط على توفّر المستحضرات التجميليّة، وعلى حِقَنِ تكبير الأحجام، حيث لا يستطيع تحمّلها جسم أيّ وطنٍ مريض، ليس باستطاعته بعد تحمّل عمليّات جراحية تؤدّي كما دوماً إلى نزيفٍ دمويٍ لتحقيق شهوات رجال السلطة المنحرفة وطنياً وسيادياً.
جمال سيادة الدستور في لبنان هو في الديمقراطية كجوهر روحه، وفي التعدّدية الطوائفية كأجمل تجسيد لحقوق الإنسان الثقافية. في الواقع تكمن الأهميّة بشخصيّة المسؤول المؤتمن على تطبيق الدستور، فلا فائدة من نصّ جامد غير قابلٍ للتطبيق بل للمساومة. وكما أشار الرئيس الفرنسي الجنرال شارل ديغول: "أما بشأن رئيس الدولة، فمن الواضح أن الكاريزما الشخصية قد لعبت دوراً حاسماً، وأشك كثيراً في أن هذا لم يكن في الحسبان منذ المنطلق." إنّ مئوية الدستور تفرض علينا استذكار "المواد المعطلة" التي لو طُبقت لغيّرت وجه لبنان.
المصدر: المدن