الظروف تتلاقى لنزع سلاح حزب الله
العرب اللندنية
الخميس 26 شباط 2026
رغم مظاهر التحدي العلنية، يبدو أن حزب الله أضعف من أي وقت مضى، فيما يتوحد جزء كبير من الداخل اللبناني في معارضة استمرار سلاحه خارج إطار الدولة.
وقد شهد لبنان هذا الشهر زخمًا متصاعدًا حول الجهود الرامية إلى نزع سلاح الحزب، في لحظة يصفها مراقبون بأنها غير مسبوقة من حيث حجم الضغطين الداخلي والدولي.
وأكدت زيارة قائد الجيش اللبناني، رودولف هيكل، إلى واشنطن لبحث سبل تعزيز التعاون العسكري أهمية استمرار الدعم الأميركي للجيش في مساعيه للدفاع عن سيادة الدولة والمضي قدمًا في ملف نزع سلاح الحزب.
كما أن زيارة وزير الخارجية الفرنسي جان-نويل بارو إلى بيروت، تمهيدًا لمؤتمر باريس في مارس لدعم الجيش اللبناني، عكست تنامي الضغط الدولي في هذا الاتجاه.
وتزامن ذلك مع جلسة استماع في الكونغرس الأميركي خُصصت لموضوع نزع سلاح الحزب، إضافة إلى طرح مشروع قانون جديد من قبل النائبين داريل عيسى ودارين لا هود يهدف إلى فرض عقوبات على أي جهة تعرقل العملية الانتخابية في لبنان.
ويرى الباحث راني بلوط في تقرير نشرته مجلة ناشونال أنتريست أن هذا الزخم غير المسبوق يمثل فرصة تاريخية لإعادة تشكيل لبنان. فإضعاف الحزب ونزع سلاحه لا يُعدّان فقط شرطًا لاستعادة سيادة الدولة وازدهارها، بل يشكلان أيضًا عنصرًا أساسيًا في الجهود الأميركية لترسيخ الاستقرار الإقليمي وبناء إطار أمني دائم في الشرق الأوسط.
ومع ذلك، لا يبدو الحزب مستعدًا للتخلي عن سلاحه. فمنذ سنوات، ظل الدعم الأميركي للجيش اللبناني مسألة معقدة، بسبب تغلغل الحزب في مؤسسات الدولة، بما فيها قطاعات أمنية وعسكرية. غير أن الرهان استمر على أن جيشًا قويًا قادر على أن يشكل توازنًا مؤسساتيًا في مواجهة نفوذ الحزب.
واليوم، انتقل ملف نزع السلاح من إدارة أزمة إلى مسار لإعادة رسم مستقبل لبنان.
وفي 16 فبراير، عرض الجيش خلال جلسة لمجلس الوزراء خطته للمرحلة الثانية من نزع سلاح الحزب، طالبًا مهلة أربعة أشهر قابلة للتمديد حتى ثمانية، بحسب الإمكانات المتاحة.
وتشمل هذه المرحلة المنطقة الواقعة بين نهري الليطاني والأولي، جنوب بيروت بنحو 25 ميلًا.
وكانت الخطة الشاملة المؤلفة من خمس مراحل قد بدأت بانتشار الجيش جنوب الليطاني، ثم تتوسع شمالًا بين الليطاني والأولي، فبيروت وضاحيتها الجنوبية، ثم سهل البقاع شرقًا، وصولًا إلى بقية الأراضي اللبنانية.
وأعلن الجيش في يناير استكمال المرحلة الأولى جنوب الليطاني، رغم استمرار شكوك إسرائيل بشأن فعالية التنفيذ.
الحزب يواجه قيودًا كبيرة، من بينها معارضة داخلية لأي صراع جديد، وتراجع معنويات قاعدته الشعبية، وانخفاض قدراته العسكرية، إضافة إلى اضطراب خطوط الإمداد عقب سقوط نظام بشار الأسد في سوريا
وفي المقابل، رفض الأمين العام للحزب نعيم قاسم الإطار الزمني المقترح، واعتبر التركيز على نزع السلاح خدمة لمصالح إسرائيل.
ولم يكن هذا الموقف مفاجئًا، إذ يؤكد الحزب أن وقف إطلاق النار المبرم عام 2024 بوساطة أميركية مع إسرائيل ينطبق فقط على جنوب الليطاني. كما اتهم خصومه الداخليين بالاصطفاف مع مصالح أميركية وإسرائيلية، في وقت كان فيه الرئيس اللبناني جوزيف عون يصف سلاح الحزب بأنه “عبء على لبنان” ويتعارض مع سيادة الدولة.
وعلنيًا، يبرر الحزب احتفاظه بالسلاح بضرورة الدفاع عن لبنان في مواجهة إسرائيل، بينما تشير تقارير إلى أنه يسعى خلف الكواليس للحصول على ضمانات سياسية وأمنية تحافظ على نفوذه داخل مؤسسات الدولة.
كما روّجت أوساط موالية له روايات عن احتمال تنسيق إسرائيلي–سوري لضربه في حال تعرضت إيران لهجوم أميركي.
ورغم لهجته التصعيدية، من غير المرجح أن يبادر الحزب إلى حرب جديدة مع إسرائيل، ما لم يتحول أي هجوم محتمل على إيران إلى مواجهة طويلة الأمد. فالحزب يواجه قيودًا كبيرة، من بينها معارضة داخلية لأي صراع جديد، وتراجع معنويات قاعدته الشعبية، وانخفاض قدراته العسكرية بعد حملة إسرائيل في خريف 2024، إضافة إلى اضطراب خطوط الإمداد عقب سقوط نظام بشار الأسد في سوريا. وتواصل إسرائيل بدورها ضرباتها الاستباقية لمنع إعادة بناء قدراته.
ومن اللافت أن الحزب لم يتدخل خلال الحرب الإسرائيلية–الإيرانية التي استمرت 12 يومًا في يونيو 2025، رغم الضغوط الشديدة على طهران آنذاك.
وتشير بعض الروايات إلى أن القيادة درست التدخل، لكنها تراجعت بسبب الانقسامات الداخلية وحسابات تتعلق بالبيئة الحاضنة.
وأما على الصعيد الداخلي، فيؤكد مسؤولون لبنانيون أن احتمال وقوع مواجهة مباشرة بين الجيش والحزب في المرحلة الثانية يظل مستبعدًا، رغم سوابق احتكاك محدودة.
وقد أظهر الجيش في محطات سابقة، مثل أحداث الكحالة عام 2023 واحتجاجات 2019، قدرة على التحرك بحزم مع الحفاظ على التوازن.
وفي الوقت نفسه، تشير تقديرات إلى أن الحزب أعاد تموضع جزء من سلاحه شمال الليطاني وفي البقاع والضاحية الجنوبية.
وتفيد تقارير بأنه ما زال يمتلك آلاف الصواريخ قصيرة ومتوسطة المدى، وعددًا محدودًا من الصواريخ الدقيقة، إضافة إلى ترسانة متنامية من الطائرات المسيّرة، وقوة مقاتلة قد تصل إلى خمسين ألف عنصر بين ناشط واحتياط.
ويقف لبنان اليوم عند مفترق حاسم، وسط تداخل الضغوط الإقليمية بالاعتبارات الداخلية. فبينما يُحضَّر لمؤتمر باريس في 5 مارس لدعم الجيش في المرحلة الثانية من نزع السلاح، تتصاعد التوترات بين واشنطن وطهران، ما يضع لبنان أمام خطر الانزلاق إلى مواجهة أوسع.
وفي هذا السياق، يجري الرئيس جوزيف عون اتصالات مع أطراف دولية، خصوصًا الولايات المتحدة، في محاولة لإبعاد لبنان عن أي تصعيد، وكذلك مع الحزب لمنعه من الانخراط في حرب محتملة.
ويبقى نزع سلاح الحزب شمال الليطاني المرحلة الأكثر حساسية في مسار استعادة الدولة سيادتها وحصر السلاح بيدها.
ويتوقف نجاحها على استمرار الدعم الدولي، وعلى قدرة القيادة اللبنانية على تحييد البلاد عن صراعات المحاور.
ومع تحديد مهلة زمنية واضحة من أربعة إلى ثمانية أشهر، تكون الحكومة قد أرسلت إشارة واضحة إلى التزامها بتوسيع سلطة الدولة على كامل أراضيها. غير أن الطريق لا يزال محفوفًا بالتحديات، في ظل تعقيدات الداخل اللبناني وتشابك الملفات الإقليمية.