العام 2025 لبنانياً: رسالة سلام من البابا وصراعات مفتوحة
ماهر الخطيب
الثلاثاء 30 كانون لأول 2025
إنطلاقاً من التطورات التي فرضت نفسها، بعد العدوان الإسرائيلي على لبنان والتحولات الكبرى على مستوى المنطقة، يمكن إعتبار العام 2025 عاماً مفصلياً على المستوى المحلي، من المفترض أن يؤسس لمجموعة من الأحداث المنتظرة في العام المقبل، خصوصاً أنه من المقرر أن يشهد إنتخابات نيابية توصف بـ"المصيرية"، بالإضافة إلى إستكمال العمل على خطة حصر السلاح، على ضوء إستمرار الإعتداءات الإسرائيلية والضغوط الدبلوماسية التي تقودها الولايات المتحدة.
إنتخاب عون وتكليف سلام
على المستوى السياسي، كان التطور الأبرز في العام 2025 إنتخاب قائد الجيش السابق جوزاف عون رئيساً للجمهورية، بالإضافة إلى تكليف القاضي السابق نواف سلام تشكيل الحكومة الحالية، على ضوء توازنات جديدة باتت هي الحاكمة، إنطلاقاً من دخول العديد من الجهات الدولية والإقليمية على خط الإستحقاقات الهامة في البلاد، بناء على نتائج ما أفرزته التحولات التي شهدها لبنان والمنطقة في السنوات الماضية.
وفي حين كانت البلاد قد شهدت العديد من التوترات الداخلية، في الأشهر الماضية، يبقى السؤال الأساسي حول مصير الإنتخابات النيابية، في ظل إستمرار الخلافات حول آلية تصويت المغتربين، الأمر الذي بات يهدد حصولها، بالرغم من أن غالبية الأفرقاء تؤكد الحرص على إجرائها في موعدها الدستوري، بعد أن كانت البلاد قد شهدت إجراء الإنتخابات البلدية والإختيارية.
النقطة المفصلية في الإنتخابات النيابية المنتظرة، تكمن بالرهانات الموضوعة عليها من قبل العديد من الجهات، الخارجية والمحلية، من أجل إفراز توازنات جديدة على مستوى المجلس النيابي، تكون صورة عن التحولات التي كانت قد شهدتها في البلاد في الفترة الماضية، في حين كان الحديث قد بدأ عن إحتمال تأجيلها، إنطلاقاً من الخلافات الدائرة حول قانون الإنتخاب، لا سيما أن العديد من الجهات الدولية ترى أن الأولوية هي لملف السلاح.
زيارة البابا رسالة سلام
من ناحية أخرى، مثلت زيارة البابا لاوون الرابع عشر للبنان محطة تاريخية إستثنائية في العام الحالي، خصوصاً أنها الرحلة الخارجية الأولى له منذ انتخابه في شهر أيار من العام 2025، خلفاً للبابا الراحل فرنسيس، إلا أن الأهم يبقى أنها جاءت في توقيت حساس جداً على المستوى الداخلي، حيث كانت التهديدات الإسرائيلية بشن عدوان شامل على لبنان في أعلى مستوياتها.
بالإضافة إلى الطابع الروحي لهذه الزيارة، حيث كانت المحطة الأبرز عند ضريح مار شربل في عنايا، مثلت رسالة دعم دولية للبنان كنموذج للعيش المشترك، فهي حملت شعاراً بالغ الأهمية في ظل التحولات القائمة على مستوى المنطقة، أي "طوبى لصانعي السلام"، بينما دعا البابا، في مواقفه، المجتمع الدولي إلى ضمان حياد لبنان عن صراعات المحاور.
كما أكد البابا أن "استقرار لبنان هو شرط لسلام الشرق الأوسط"، محذراً من استخدام الدين كأداة في الصراعات السياسية، واصفاً العيش المشترك في لبنان بأنه "كنز يجب على العالم بأجمعه أن يتعلم منه".
إعتداءات إسرائيل وقرار حصر السلاح
بالتزامن، لا يزال إستمرار الإعتداءات الإسرائيلية على لبنان، بناء على رفض إسرائيل إلتزام قرار وقف إطلاق النار، هو العنوان الأبرز على الساحة المحلية، خصوصاً أن هذا الأمر ترافق مع صدور قرار حصر السلاح عن مجلس الوزراء، الذي أعلن "حزب الله" رفضه له، بعد الخلافات التي كان من الممكن أن تقود إلى صدامات داخلية كبرى.
في هذا السياق، تستمر تل أبيب بالتهديد في الذهاب إلى عدوان عسكري موسع على لبنان، بالرغم من أن لبنان كان قد بادر إلى تعيين السفير السابق سيمون كرم ضمن لجنة "المياكينزم"، في حين تراهن بيروت على المفاوضات والإتصالات الدبلوماسية، من أجل إبعاد شبح الحرب عن البلاد.
من حيث المبدأ، العنوان الأبرز الذي سيكون حاضراً في العام 2026 هو كيف سيتعامل لبنان مع هذا الواقع، لا سيما مع إنطلاق الحديث عن المرحلة الثانية من خطة حصر السلاح، في وقت لا تزال فيه إسرائيل ترفض الإلتزام بإتفاق وقف إطلاق النار، خصوصاً أن "حزب الله" أعلن، على نحو رسمي، رفضه الذهاب إلى أي خطوة على هذا الصعيد، قبل إلزام تل أبيب بالإتفاق، بينما من المتوقع أن ترتفع الضغوط، العسكرية والدبلوماسية، على بيروت في المرحلة المقبلة.
ضمن هذا الإطار، لا يمكن تجاهل معضلة أساسية أخرى، تكمن بإنتهاء ولاية قوات الطوارئ الدولية العاملة في جنوب لبنان، مع نهاية العام 2026، بحسب ما نص عليه قرار تمديد ولايتها الصادر عن مجلس الأمن الدولي، في وقت كانت قد بدأت فيه العديد من الدول الأوروبية بالإعلان عن رغبتها في البقاء عسكرياً في جنوب لبنان، بعد إنسحاب هذه القوات، ما يفتح الباب أمام طرح الكثير من الأسئلة حول آلية التي ستعتمد.
السلاح الفلسطيني والعلاقات مع سوريا
على صعيد متصل بقرار حصر السلاح، شهد لبنان، في العام 2025، عمليات تسليم سلاح من داخل المخيمات الفلسطينية، طرحت حولها الكثير من علامات الإستفهام، خصوصاً أنها لم تشمل جميع الفصائل، لا بل فتحت حادثة مقتل الشاب إيليو أبو حنا الباب أمام طرح الكثير من الأسئلة حول جدية ما حصل، خصوصاً أنه قتل على حاجز فلسطيني في مخيم شاتيلا.
بالإضافة إلى ما تقدم، لا يمكن تجاهل التحذير الذي وجهته الحكومة اللبنانية إلى حركة "حماس"، بعد تورط عناصر من الحركة في حادثة إطلاق صواريخ بإتجاه إسرائيل من جنوب لبنان، خصوصاً أن هذا الأمر إستدعى رداً عسكرياً إسرائيلياً طال الضاحية الجنوبية، مع العلم أن "حماس" ليست من الفصائل التي بادرت إلى تسليم سلاحها داخل المخيمات.
من جهة ثانية، لا يزال ملف النازحين السوريين في لبنان عالقاً، بالرغم من التقدم الذي حصل على مستوى تنظيم رحلات العودة الطوعية، حيث أعادت التحركات في الذكرى الأولى لرحيل النظام السابق، في العديد من المناطق، المخاوف من حصول توترات أمنية بسبب هذا الملف، لا سيما بعد أن طال ذلك مقتل أحد المعارضين للسلطة الإنتقالية الحالية في كسروان، إلى جانب المطالبة بإعتقال ضباط وعناصر من النظام السابق متواجدين في لبنان، بينما كانت العديد من المناطق الحدودية لجهة البقاع، خصوصاً في الأشهر الأولى من العام، قد شهدت مواجهات عسكرية.
في هذا المجال، لا يمكن تجاهل أن العلاقات بين البلدين، بالرغم من الجهود المبذولة على هذا الصعيد، لم تعد إلى طبيعتها بشكل تام، خصوصاً أن ملف السجناء السوريين في لبنان لم يشهد تقدماً ملموساً، بسبب الشروط الموضوعة من قبل دمشق.
تخبط مالي واقتصادي
على الرغم من كل هذه التحولات، على المستويين السياسي والعسكري، يبقى أن البلاد لم تخرج، في العام 2025، من حالة التخبط المالي والاقتصادي المستمرة منذ سنوات، لا بل سجلت، على هذا الصعيد، العديد من المؤشرات السلبية، التي لا تتوقف عند غياب المحاسبة، خصوصاً بعد إطلاق سراح حاكم مصرف لبنان السابق رياض سلامة مجدداً، بل تشمل أيضاً مشروع قانون الإنتظام المالي وإستعادة الودائع، الذي أقر في الأيام الأخيرة من العام، على وقع موجة واسعة من الإعتراضات عليه.
علاوة على ذلك، يستمر إرتفاع أسعار السلع والخدمات، في حين تبقى الرواتب والأجور، لا سيما في القطاع العام، دون أي معالجة، الأمر الذي فتح الأبواب أمام عودة التحركات الإعتراضية والإضرابات، التي من الممكن أن تتصاعد أكثر في العام المقبل.
في المحصلة، يودع لبنان العام 2025 وهو يقف على حافة تحولات بنيوية لم تكتمل بعد، ما يعني أن العام 2026 سيكون على موعد مع مجموعة من التحديات البارزة، التي تبدأ من ملف الإعتداءات الإسرائيلية وقرار حصر السلاح، ولا تنتهي عند عدم وضوح مصير الإنتخابات النيابية، بل تشمل أيضاً التحديات المالية والإقتصادية، التي ترتبط بشكل وثيق بالأوضاع السياسية والأمنية.
المصدر: النشرة