الخلاف بين الأهداف اللبنانية والإسرائيلية يعرقل التوصل لتسوية
العرب اللندنية
الجمعة 12 كانون لأول 2025
تتصاعد المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية وسط ضغوط أميركية وأوروبية مكثفة، في محاولة لإيجاد تهدئة مستدامة، لكن الخلافات الجوهرية بين الأهداف اللبنانية والإسرائيلية تظل العقبة الأساسية أمام التوصل إلى أي اتفاق ملموس.
وبينما تسعى إسرائيل إلى إقامة منطقة عازلة في الجنوب اللبناني تحت غطاء اقتصادي، يركز الجانب اللبناني على حماية سيادته، وقف الاعتداءات الإسرائيلية، إعادة الأسرى، وضمان انسحاب كامل للقوات الإسرائيلية من الأراضي المحتلة.
ويجعل هذا التباين في الأولويات المرحلة الحالية من المفاوضات دقيقة ومعقدة، وتستلزم توازنًا حساسًا بين الأبعاد الأمنية والسياسية والاقتصادية، وسط تأثير المعادلات الإقليمية على مسار الاتفاقات المستقبلية.
وتدخل المفاوضات، المنعقدة تحت مظلة لجنة “الميكانيزم”، مرحلة “اختبار النوايا” قبل اجتماعها المقبل في 19 ديسمبر الجاري، للتأكد من مدى تجاوب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مع الضغوط الأميركية الرامية إلى خفض التوتر وتهيئة مناخ مناسب لتفعيل الحوار.
وفي المقابل، يواصل لبنان الاستعداد لاتخاذ خطوات إضافية لاستكمال تطبيق حصرية السلاح، لا سيما جنوب نهر الليطاني، في إطار خطة حكومية تهدف إلى حصر السلاح بيد الدولة بحلول نهاية عام 2025، وهو مسار لا يلقى قبولًا من حزب الله الذي يرفض تسليم سلاحه، مؤكداً على ضرورة إنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي اللبنانية.
ويشير المحللون إلى أن إسرائيل تحاول استثمار هذه المفاوضات لإظهار أن لبنان يشارك في حوار مدني سياسي، ما يمهد الطريق لمشاريع اقتصادية مستقبلية، أبرزها مشروع “الشريط الاقتصادي” على طول الحدود، الذي يهدف إلى إقامة منطقة صناعية غير سكنية.
ورغم أن هذا المشروع قد يفتح أفقًا للتعاون الاقتصادي، إلا أنه يواجه عقبات كبيرة تشمل ملكية آلاف الدونمات التي تعود لأوقاف دينية مسيحية وإسلامية ولبنانية، ما يستلزم موافقات معقدة من المرجعيات الدينية. كما يرتبط أي اتفاق اقتصادي كبير بتدخل أميركي مباشر ودور تركي محتمل، خصوصًا فيما يتعلق بمشاريع الطاقة الإقليمية مثل خط الغاز الإسرائيلي–القبرصي–اليوناني الذي توقف منذ 2018.
وفي الوقت الذي تصر فيه إسرائيل على تحويل الجنوب اللبناني إلى مناطق عازلة تحت غطاء اقتصادي، يرفض لبنان وحزب الله هذا الطرح، مؤكدين أن أي مفاوضات يجب أن تركز على الانسحاب الإسرائيلي، وقف
المرحلة المقبلة ستكون مليئة بالتحديات، إذ أن أي تحرك لبناني لتعزيز سيادة الدولة في جنوب الليطاني قد لا يقابل برد موازٍ من إسرائيل وهو ما يجعل التصعيد العسكري المحتمل جزءًا من المعادلة.
الاعتداءات، إعادة الأسرى، وإعادة الإعمار.
ورغم تشكيل لجنة “الميكانيزم” بمشاركة لبنان وفرنسا وإسرائيل والولايات المتحدة وقوة اليونيفيل، يعتقد محللون أن دورها يقتصر على فتح الباب أمام مفاوضات واسعة، دون ضمان القدرة على لجم الانتهاكات الإسرائيلية، خصوصًا في ضوء الخروقات المتكررة التي شهدتها المناطق الجنوبية منذ توقيع اتفاق وقف النار الأخير في نوفمبر 2024.
وتبقى خطوة تعيين شخصية مدنية لرئاسة الوفد اللبناني في اللجنة الخماسية محل جدل، حيث اعتبر حزب الله هذا القرار مخالفة للتصريحات السابقة للحكومة، ما يعكس التوتر بين الضغوط الدولية ورغبة لبنان في حماية مصالحه الوطنية.
ويشير المحللون إلى أن المرحلة المقبلة ستكون مليئة بالتحديات، إذ أن أي تحرك لبناني لتعزيز سيادة الدولة في جنوب الليطاني قد لا يقابل برد موازٍ من إسرائيل، التي تركز على إقامة المنطقة العازلة، وهو ما يجعل التصعيد العسكري المحتمل جزءًا من المعادلة.
وتظل المعادلات الإقليمية عاملاً حاسماً في رسم ملامح أي اتفاق مستقبلي، إذ أن إيران تمثل الحائل الرئيسي أمام تحول الوضع، فيما تركز الولايات المتحدة وأوروبا على دعم لبنان لضمان تهدئة مؤقتة وإمكانية تفعيل المشاريع الاقتصادية المقترحة.
ويشير المحللون إلى أن أي علاقة اقتصادية أو مسار سلام بين لبنان وإسرائيل لن يكون ممكنًا دون تغيّر المعادلات الإقليمية والداخلية، مع التأكيد على أن تسوية مستقبلية حقيقية تتطلب اتفاقًا جديدًا يحظى بموافقة الأطراف الثلاثة: لبنان، إسرائيل، والولايات المتحدة، مع الأخذ بالاعتبار أن حصر السلاح في جنوب الليطاني خطوة مهمة لكنها غير كافية لحل الإشكالية الكاملة المتعلقة بحزب الله.
ويتابع المحللون أن التباين بين الأهداف اللبنانية والإسرائيلية يظهر في تفاصيل كل ملف: فالأمن، المتمثل في الانسحاب والحدود وضبط الاعتداءات، هو أولوية لبنانية، في حين تستخدم إسرائيل هذه النقطة للترويج لمناطق استثمارية ومشاريع اقتصادية تمثل جزءًا من رؤيتها الاستراتيجية للجنوب اللبناني.
وأما ملف إعادة الأسرى وإعادة الإعمار، فهو عنصر أساسي للجانب اللبناني لإعادة بناء الثقة وضمان سيادة الدولة، لكنه لا يحظى بنفس الوزن في الرؤية الإسرائيلية، التي تركز على الاستقرار الأمني بالدرجة الأولى.
وبالنسبة للشريط الاقتصادي، فإنه يعكس محاولة إسرائيل لتحويل ملف الأمن إلى أداة لتحقيق مكاسب اقتصادية، في حين يضع لبنان شروطًا دقيقة لضمان عدم المساس بسيادته، بما في ذلك موافقات دينية وقانونية معقدة تتعلق بملكية الأراضي الحدودية.
وفي هذا السياق، يرى الخبراء أن أي مشروع اقتصادي لا يمكن أن يمر دون إشراف أميركي مباشر ودور تركي محتمل، خصوصًا في ما يتعلق بخطوط الطاقة الإقليمية التي تربط إسرائيل بأوروبا.
ويشير الخبراء إلى أن أي تسوية مستقبلية لن تكون ممكنة ما لم يتم التوصل إلى تفاهم جديد يحل محل الاتفاقات السابقة، خصوصًا القرار 1701، الذي أصبح عمليًا بلا تأثير مع انتهاء ولاية اليونيفيل في 2026، واستمرار حزب الله في تعزيز قوته بدعم إيراني، وهو ما ترفضه إسرائيل. كما أن أي حصر للسلاح على مستوى جنوب الليطاني لا يعني حصر السلاح على المستوى الوطني، ما يضع لبنان أمام تحدٍ مركب لضمان تطبيق أي اتفاق حقيقي.
وفي المحصلة، يظهر أن الخلافات العميقة بين أهداف لبنان وإسرائيل، سواء على صعيد الأمن أو السياسة أو الاقتصاد، تجعل أي اتفاق شامل أمراً بعيد المنال. فبينما تسعى إسرائيل إلى تحقيق مكاسب استراتيجية واقتصادية من الحدود الجنوبية، يركز لبنان على حماية سيادته وضمان حقوقه الوطنية، وهو ما يفرض معادلات صعبة ومعقدة أمام أي مسار تفاوضي.
ويظل الحل مرتبطًا بشكل رئيسي بتغير المعطيات الإقليمية والداخلية، ونجاح الضغوط الأميركية والأوروبية في فرض أرضية للتسوية، مع استمرار الالتزام اللبناني بحماية مصالحه الأساسية.