لبنان في العالم
انطلاق فعاليات المؤتمر الأفريقي لتعزيز السلم في ملتقاه السنوي السادس بنواكشوط

الجمعي قاسمي

الأربعاء 11 شباط 2026

انطلقت امس الثلاثاء، في العاصمة الموريتانية نواكشوط، فعاليات الملتقى السنوي السادس للمؤتمر الأفريقي لتعزيز السلم تحت شعار " "إفريقيا وصناعة الأمل: لا يأس من رحمة الله"، وذلك تحت رعاية الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني.
 
ويهدف هذا المؤتمر الذي يُعقد برئاسة الشيخ العلامة عبدالله بن بيه، رئيس منتدى تعزيز السلم، إلى بلورة رؤية عملية لاستعادة السلم في القارة الافريقية عبر مقاربات تستند إلى مرجعيات علمية وتربوية، وتعزيز الشراكات بين الحكومات والمؤسسات الدينية والمدنية.
 
وعرفت فعاليات هذه الدورة الجديدة للمؤتمر الافريقي لتعزيز السلم، حضورا عربيا واسلاميا ودوليا لافتا ، حيث حضر جلستها الافتتاحية نحو ألف شخصية بينها عدد من الوزراء منهم وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية المغربي، أحمد توفيق، ووزير الشؤون الدينية التونسي، أحمد البوهالي، إلى جانب أكثر من 400 ضيف، وحوالي 40 شخصية مرموقة من أميركا وروسيا والصين وأوروبا. 
 
وافتتح هذا الملتقى السنوي للمؤتمر الذي ستتواصل أعماله على مدى ثلاثة أيام، الوزير الأول الموريتاني، المختار ولد انجاي، بكلمة أشار فيها إلى أن بعض المجتمعات الإفريقية تواجه تحديات متنامية، منها العنف والإرهاب والنزاعات المسلحة.
 
 
واعتبر أن هذه التحديات أدى إلى إضعاف الأنسجة الاجتماعية للمجتمعات الافريقية، وأثرت سلبا على مسارات التنمية، مما جعل مساحات الأمل تتحول إلى بؤر للخوف والتوتر وعدم الاستقرار.
 
وأكد أن قيم الدين الإسلامي القائمة على التسامح والإخاء والتعاون، إلى جانب تراث إفريقيا العريق في ثقافة الحوار وبناء الحلول التوافقية، تُبقي الأمل حيا، وتُتيح استعادة الاستقرار والسلم الدائم.
 
وشدد على أن تحديات الغلو والتعصب والعنف والإرهاب لن تُرفع بنحو حاسم ومستديم إلا بالاعتماد، في المقام الأول، على الفكر والقيم، وهو ما أدركته موريتانيا التي جعلت منه ركنا أساسا في استراتيجيتها الأمنية المُندمجة.
 
وأوضح أن هذه الاستراتيجية تقوم على الربط بين التنمية والأمن، والتأكيد على ضرورة تعزيز العدالة الاجتماعية، وتكريس دولة القانون، وضمان المساواة في الحقوق والواجبات، كما تتضمن بعدا فكريا يعنى بنشر قيم الوسطية والاعتدال، وترسيخ قيم الإخاء والاحترام المتبادل والتعاون والتعاضد.
 
وتحدث خلال الجلسة الافتتاحية لهذا الملتقى السنوي السادس للمؤتمر الافريقي لتعزيز السلم، الشيخ العلامة، عبد الله بن بيه، الذي ألقى كلمة أكد فيها أن إفريقيا تمر بمرحلة دقيقة تتجاذبها تحديات داخلية وصراعات إقليمية ودولية، تمس الأمن والتنمية والهوية، ما يجعل صناعة الأمل ضرورة مُلحة وليست خيارا مؤجلا.
 
وأشار إلى أن شعار الدورة الحالية للمؤتمر الافريقي لتعزيز السلم، أي "إفريقيا وصناعة الأمل: لا يأس من رحمة الله"، ينطلق من رؤية تعتبر الأمل طاقة أخلاقية تدفع المجتمعات إلى العمل والبناء، لا مجرد حالة نفسية أو خطاب معنوي.
 
وشدد في هذا السياق، على أن اليأس يشكل بيئة خصبة للتطرف والعنف حين تنسد آفاق الرجاء وتغيب الثقة في المستقبل، وبالتالي، فإن صناعة الأمل في إفريقيا هو واجب وشرعي لمواجهة اليأس والتطرف.
 
ولفت إلى أن الأمل المقصود هو أمل فاعل، يتحول إلى سياسات ومبادرات ومؤسسات، تستند إلى قيم الرحمة والعدل، وتسهم في إصلاح الخلل وبناء الثقة وتحقيق التنمية، مؤكدا في هذا الصدد، على أن صناعة هذا الأمل تتطلب تكامل أدوار العلماء والقادة وطاقة الشباب.
 
إلى ذلك، استحضر الشيخ بن بيه التجارب الإيجابية التي عرفتها القارة الإفريقية، منها إعلان مراكش لحقوق الأقليات في العالم الإسلامي بوصفه نموذجا للتعاون المثمر بين المؤسسات الدينية والفكرية، ومثالا على المعالجة الشرعية الرصينة لقضايا العيش المشترك، والتعايش.
 
وثمن في هذا السياق، جهود المغرب في مسار ترسيخ قيم الوسطية والاعتدال، لافتا في نفس الوقت إلى أن إعلان مراكش حُظي بإشادة إقليمية ودولية باعتباره مرجعا في حماية الكرامة الإنسانية وتعزيز التعايش.
 
وأكد أن الهدف من هذا اللقاء السنوي هو الانتقال من تبادل الأفكار إلى صناعة السياسات، والخروج بمبادرات عملية تخاطب الإنسان بلغة الأمل والعمل، بعيدا عن مسارات الهجرة الخطرة، ومزالق الغلو والعنف التي يغديها اليأس وغياب الأفق.
 
ودعا في ختام كلمته، دعا العلماء والحكماء والقادة إلى تحمل مسؤوليتهم الأخلاقية في الدعوة إلى السلم، وتغليب صوت الحكمة، والتحذير من الفتن وخطاب التحريض، مؤكدا أن السلم هو مفتاح الرجاء، وبه تُصان الأرواح وتُبنى الأوطان.
 
ويرى مراقبون أن هذا الملتقى السادس للمؤتمر الافريقي للتعزيز السلم، يأتي في توقيت بالغ الدقة والحساسية، بالظر إلى ما تعيشه إفريقيا من تحديات أمنية واقتصادية متراكمة، وحروب ونزاعات مفتوحة في أكثر من منطقة، وما رافق ذلك من تمدد للعنف والتطرف وتراجع في مسارات التعليم والتنمية.
 
وفي خضم هذا المشهد الخطير، يسعى المؤتمر الافريقي لتعزيز السلم إلى البحث عن صناعة الأمل من خلف هذه التحديات، وإعادة الاعتبار لقيم السلم والتعايش، وسط تطلعات وآمال مشروعة بتكريس صناعة الأمل في القارة الافريقية، لاسيما في هذه المرحلة التي يشهد فيها العالم مُتغيرات سريعة على مستوى الخارطة الجيوسياسية للعالم.
 
ويُقر منظمو هذا الملتقى، بأن هذه الدورة السنوية السادسة "تأتي في توقيت مفصلي دقيق تمر به القارة الإفريقية، حيث تتجاذب المشهد ثنائية التحدي والرجاء".
 
ويؤكدون في هذا الصدد، أنه في الوقت الذي "تواجه فيه بعض المناطق الافريقية اضطرابات تُلقي بظلالها على الاستقرار، تبرز إرادة الحياة وعزائم الخيرين من قادة وعلماء وحكماء، لتضيء دروب السلام والتنمية".
 
ومن هنا، يُضيف منظمو هذا الملتقى، أن الملتقى السنوي السادس "يطمح ليكون منارة لاستعادة الثقة، وجسرا لتمتين أواصر القربى بين شعوب القارة، مُحولا التحديات الراهنة إلى ورش عمل لبناء المستقبل".
 
ويبعث هذا الطموح برسائل مُتعددة تحمل بين ثناياها رغبة صادقة في صناعة مُستقبل أفضل للقارة الافريقية التي تُكافح من أجل توفير كل مُقومات الكريمة لشعوبها التي تتطلع إلى الرفاهية والرخاء في مناخ يسوده السلم والاستقرار.
 
وسيبحث المشاركون في هذه الدورة السنوية السادسة للمؤتمر الأفريقي لتعزيز السلم سلسلة من الملفات والقضايا الهامة التي هم مُستقبل القارة الإفريقية، يُنتظر أن يتم   توزيعها على عدد من المحاور لمناقشتها بعمق.
 
وينتظر أن تصدر عن المؤتمر توصيات عديدة لتشخيص الواقع الراهن والاستحقاقات الواجب مُعالجتها على ضوء التحديات الماثلة، بما يُساعد على بناء افريقيا المُستقبل على قاعدة تضمن الاستدامة.
 
يُشار إلى أنه تم خلال هذه الدورة الجديدة تتويج رئيس جمهورية تشاد، المشير محمد إدريس ديبي بجائزة جائزة إفريقيا للسلم للعام 2026، وذلك تقديرا لسياساته الرائدة في ترسيخ السلم الأهلي، وتعزيز الاستقرار والتضامن الإنساني.
 
وكان المؤتمر الإفريقي لتعزيز السلم قد أعلن في وقت سابق، أن لجنة جائزة إفريقيا للسلم قررت منح جائزتها لعام 2026 لرئيس جمهورية تشاد، بناء على توصية لجنة الجائزة التي اختتمت اجتماعا رفيع المستوى في مقر الأمم المتحدة بمدينة جنيف بسويسرا، باستضافة جامعة السلام العالمية.
 
ويعتبر الملتقى الدولي السنوي للمؤتمر الأفريقي للسلم، إحدى ثمار التعاون البناء بين دولة الإمارات والجمهورية الموريتانية في مجال العمل على ترسيخ ثقافة التسامح والاعتدال ومواجهة خطابات الغلو والتطرف في القارة الأفريقية.
 
وتم الإعلان عن هذا الملتقى الدولي السنوي في شهر يناير سنة 2020 بالعاصمة الموريتانية نواكشوط، ليُصبح منذ ذلك الوقت أبرز حدث فكري وثقافي في أفريقيا يجمع صناع القرار من رؤساء وممثلي الحكومات ورؤساء مجالس الإفتاء والمجالس الشرعية وكبار العلماء والدعاة وقادة الشأن الديني مع أبرز القيادات الشبابية والنسوية للخروج بمقاربات علمية وفكرية تنفع الناس وتمكث في الأرض.
 
ورسم المؤتمر الأفريقي لتعزيز السلم عدة أهداف له، منها "تأكيد أولية السلم باعتباره الضامن الحقيقي لسائر الحقوق"، و"السعي إلى إيجاد فضاء رحب للحوار والتسامح، وتعزيز دور العلماء في نشر الفهم الصحيح للإسلام، والمنهجية السليمة للتدين"، "بلورة خطة عمل إستراتيجية لعلماء القارة من أجل التصدي للتطرف والعنف".
 
 
 
المصدر: العرب اللندنية