اختبار نيّات... العلاقات اللبنانية السورية تدخل مرحلة جديدة
النشرة
الخميس 16 تشرين الأول 2025
تحمل الزيارتان المتتاليتان لوزيري الخارجية والعدل السوريين أسعد الشيباني ومظهر الويس إلى بيروت، واللتان جاءتا بعد سلسلة من الزيارات التمهيدية التي قام بها وفد قضائي سوري إلى بيروت، مؤشرات على انفتاح متدرّج بين البلدين بعد سنوات من القطيعة، بدأت منذ ما بعد الخروج السوري من لبنان في أعقاب ما سُمّيت بـ"ثورة الأرز" عام 2005، لكنّها في الوقت نفسه تثير أسئلة أكثر مما تقدّم أجوبة.
فصحيح أنّ العلاقات اللبنانية-السورية دخلت مرحلة مختلفة بعد سقوط نظام بشار الأسد، غير أنّ شكل العلاقة المقبلة لا يزال غامضًا، وسط محاولات من النظام السوري الحالي لتقديم نفسه كسلطة منفتحة لا تشبه النظام السابق، في وقتٍ تتعامل فيه بيروت بواقعية حذرة، تُوازن بين اختبار النيات السورية ومقتضيات مصلحتها الداخلية، خصوصًا أنّ التباين يبدو واسعًا بين المكوّنات اللبنانية في التعامل مع هذا النظام.
وعلى الرغم من أنّ لبنان جاء "متأخّرًا" في "أجندة" السلطات السورية الجديدة، مع أنّه الأقرب جغرافيًا إلى دمشق، ولم تخلُ الأشهر الأولى من حكمها دون "مناوشات" مع لبنان، سواء ميدانيًا على الحدود، أو سياسيًا عبر إثارة ملف الموقوفين السوريين والتلويح بعقوبات، إلا أنه بدا واضحًا من خلال زيارة الشيباني الأسبوع الماضي، أن دمشق تحاول إعادة فتح خطوطها مع لبنان بأسلوب جديد، يقوم على المؤسسات الرسمية لا على القنوات السياسية التقليدية.
لكنّ غياب الخطاب العدائي لا يعني بالضرورة تغيّرًا في الجوهر، إذ يرى كثيرون أنّ النظام الذي وُلد من رحم الصراع السوري لا يزال يواجه تحديات داخلية كبيرة، ما يجعله بحاجة إلى شرعية خارجية تعيد وصل ما انقطع عربيًا. ومن هنا يُقرأ انفتاحه على بيروت كخطوة محسوبة لإظهار الاعتدال أكثر مما هي تعبير عن قناعة استراتيجية راسخة. فهل هي كذلك، وأيّ ترجمة لها في السياسة، وهل يمكن القول إن العلاقات دخلت أخيرًا مرحلة جديدة؟!.
لعلّ المؤشّر الأهمّ على ذلك تمّثل في الزيارة الثانية، لوزير العدل السوري مظهر الويس، والتي جاءت لترجمة الانفتاح الذي عبّر عنه الشيباني بخطوة عملية. فبينما تحدّث الشيباني عن "فتح صفحة جديدة"، جاء الويس إلى بيروت ليوقّع ملامحها الأولى عبر اتفاق قضائي يشمل تسليم السجناء والمطلوبين بين البلدين، قد تكون النقطة الأهمّ فيه، أنه يستثني المتورطين في قضايا قتل أو اغتصاب أو عمليات ضد الجيش اللبناني.
لكنّ الأهم في أروقة السياسة اللبنانية هو رمزية التعاون القضائي بوصفه أول شكل من أشكال الشراكة المؤسساتية بعد عقدين من القطيعة. فالتجربة اللبنانية مع النظام السابق كانت قائمة على الهيمنة الأمنية، فيما يحمل التعاون الحالي طابعًا قانونيًا-إداريًا منضبطًا بالأطر الرسمية. لذلك، فإنّ مثل هذا التعاون يُفترض أن يكون مؤشر ثقة، غير أنّه في الواقع اختبارٌ مزدوج للنيات: هل تسعى دمشق إلى معالجة إنسانية وقانونية فعلية، أم إلى استعادة أدوات النفوذ السابقة؟.
سياسيًا، تتعامل الحكومة اللبنانية بواقعية مفرطة مع الانفتاح السوري، فهي تريد أن تستثمر هذا التحول من دون أن تنجرّ إلى أي اصطفاف إقليمي، في ظلّ إدراك متزايد بأن تجاهل دمشق الجديدة لم يعد ممكنًا، لا سياسيًا ولا اقتصاديًا ولا أمنيًا. لكنّ الحذر اللبناني لا يزال حاضرًا، خصوصًا أن جزءًا من النخبة السياسية ينظر إلى أي تقارب مع سوريا بعين الريبة، إما خوفًا من النظام الجديد نفسه، أو ربما من توظيف التعاون في حسابات داخلية.
ولذلك، يبدو أن لبنان الرسمي يميل في رسم علاقاته مع السلطات السورية الجديدة، إلى مقاربة تدريجية، تبدأ من الملفات التقنية والقضائية والإنسانية مثل ملف السجناء والمفقودين، على أن تتوسّع لاحقًا نحو الملفات الاقتصادية والحدودية. بكلام آخر، يعمل لبنان على سياسة "خطوة بخطوة" إن صحّ التعبير، وفق ما يقول العارفون، الذين يلفون إلى أنه يراهن من خلال هذه الاستراتيجية على اختبار النيات قبل الانفتاح الكامل.
وفي هذا السياق، لا يخلو الموقف اللبناني من حسابات دقيقة مرتبطة بالتوازنات الداخلية، إذ يسعى رئيس الحكومة إلى إدارة هذا الملف بطريقة تضمن الغطاء الوطني ولا تثير حساسيات القوى المعارضة للانفتاح السوري، ولا سيما أنّ ذاكرة اللبنانيين لا تمحو بسهولة مرحلة النفوذ الأمني والوصاية التي انتهت عام 2005، وهم لا يريدون أن تعود ولو بأشكال جديدة أو أدوات مختلفة، ولو بالاتجاه المعاكس لذلك الذي كان سائدًا من حيث التحالفات والتوجّهات.
بيد أنّ لكنّ قراءة أوسع تُظهر أن ما يجري بين لبنان سوريا لا يمكن فصله عن التحولات الإقليمية بعد سقوط النظام السابق، والتي يحلو للبعض وصفها بـ"الدراماتيكية"، فسوريا اليوم لم تعد جزءًا من محور الممانعة الذي صاغ علاقتها بلبنان على مدى عقدين، بل أقرب إلى محور وسطي يسعى إلى إعادة وصل ما انقطع مع العالم العربي والغربي في آن واحد، فيما لبنان في واقع لا يُحسَد عليه، وسط ضغوط داخلية وخارجية تبدو متناقضة إلى حدّ بعيد.
في المحصّلة، ما يجري اليوم بين بيروت ودمشق ليس عودة إلى العلاقات القديمة، ولا انطلاقة في علاقة جديدة بالكامل. إنه مسار اختبار متبادل، يتقدّم خطوة ويتراجع أخرى، محكومًا بميزان المصالح لا بالعواطف. فإذا أثبتت دمشق أن انفتاحها جديٌّ ومستدام، فقد يفتح ذلك الباب تدريجيًا أمام علاقة طبيعية. أما إذا تبيّن أن الانفتاح الحالي مجرّد مناورة سياسية لتحسين التموضع الإقليمي، فستبقى العلاقة أسيرة الحذر والشك المتبادل.
وبين الخطابين، اللبناني المتوجّس والسوري الساعي إلى إعادة الاعتراف، تتكوّن مرحلة انتقالية دقيقة، تبتعد عن منطقي القطيعة والتطبيع، لكنها لا ترقى لمستوى العلاقات الندية، بانتظار تجاوز اختبار النيات، الذي يتطلب مراكمة خطوات تترجم فعلًا لا قولًا، أن "لبنان دولة مستقلة تُحترَم سيادتها"، وأنّ "زمن الإملاءات انتهى" كما قال الشيباني، وبالتالي أنّ ما بعد النظام السابق ليس مجرّد تبدّل في الأسماء، بل في النهج أيضًا!.