لبنان في العالم
انتهاء المهلة الأميركية يضع لبنان أمام اختبار حصر سلاح حزب الله

العرب اللندنية

الإثنين 8 كانون لأول 2025

تعيش الساحة اللبنانية مرحلة سياسية وأمنية معقّدة تتقاطع فيها الضغوط الدولية مع واقع داخلي مأزوم، فيما تبدو ملامح المرحلة المقبلة مرهونة بتوازن دقيق بين الالتزامات التي تعهّد بها لبنان في اتفاقات سابقة وبين التطورات الأمنية المتسارعة على الحدود الجنوبية.
 
وفي ظل اقتراب انتهاء المهلة الأميركية الممنوحة لبيروت للبدء في تنفيذ تعهّدات مرتبطة بحصر السلاح خارج إطار الدولة، وبوجه خاص سلاح حزب الله، تتزايد المخاوف من أنّ البلاد تتجه نحو اختبار سيادة غير مسبوق منذ عقود، في وقت تتشابك فيه الحسابات اللبنانية مع تطورات إقليمية لا تقل حساسية.
 
وتعيش المنطقة المحاذية للحدود الجنوبية منذ أشهر على وقع تصعيد متواصل مع الجيش الإسرائيلي، تصعيد يضع الاتفاق الحدودي بين لبنان وإسرائيل، الذي رعته واشنطن ودعمه الأوروبيون، أمام تحديات وجودية.
 
ويرى الباحثان حنين غدار وأساف أوريون في تقرير نشره معهد واشنطن أن هذا الاتفاق الذي كان يُفترض أن يشكّل مدخلاً لمرحلة استقرار نسبي، بات اليوم مهدداً في جوهره بعدما تحوّلت خطوط التماس إلى ساحة اشتباك مفتوح تتداخل فيه رسائل الردع المتبادلة مع حسابات النفوذ الإقليمي.
 
ومع استمرار المواجهات التي اندلعت عقب هجوم حماس في السابع من أكتوبر 2023، بات من الصعب الحديث عن إمكانية عودة سريعة إلى الالتزامات السابقة، خصوصاً أنّ أي خارطة طريق أمنية جديدة ستتوقف على مستقبل العلاقات بين حزب الله وإسرائيل وعلى مآلات الحرب في غزة.
 
ومع دخول وقف إطلاق النار في القطاع حيّز التنفيذ، واصل الوضع في الضفة الغربية والحدود الشمالية لفلسطين الاشتعال بوتيرة مقلقة، ما أبقى لبنان في دائرة الاهتمام الدولي باعتباره جبهة قابلة للانفجار في أي لحظة.
 
وتتقاطع هذه الصورة الأمنية غير المستقرة مع ضغط أميركي متصاعد على الحكومة اللبنانية للإيفاء بتعهّدات سابقة تتعلق بإعادة بسط سلطة الدولة على الجنوب وتقييد نشاط السلاح غير الشرعي.
 
وفي هذا السياق، يُنظر إلى المهلة الأميركية القريبة من نهايتها كجرس إنذار قد يفتح الباب أمام خيارات أكثر صرامة إذا لم تُظهر بيروت تقدماً ملموساً.
 
لكن الواقع السياسي الداخلي لا يبدو مهيئاً لتعقّب تلك الالتزامات، إذ يعيش لبنان فراغاً رئاسياً ممتداً، وحكومة تصريف أعمال بقدرات محدودة، وبرلماناً منقسماً لا يملك القدرة على إنتاج توافقات وطنية كبرى.
 
وفي ظل هذا العجز البنيوي، تبدو الدولة غير قادرة على الدخول في مسار تفاوضي صعب يتطلب قوة قرار وتوحيداً للخيارات الاستراتيجية.
 
ويعمق هذا التشتت الداخلي الشكوك الدولية حول قدرة لبنان على ضبط الحدود ويزيد من الإحساس بأنّ الملفات السيادية أصبحت خاضعة لقرارات تتخذ خارج مؤسسات الدولة.
 
عجز بنيوي يجعل الدولة اللبنانية غير قادرة على الدخول في مسار تفاوضي يتطلب قوة قرار وتوحيداً للخيارات الاستراتيجية
 
وفي إطار الصورة الإقليمية الأوسع، يتداخل الوضع اللبناني مع حالة القلق المتصاعدة في المنطقة، حيث يراقب الجميع احتمالات توسّع الحرب في غزة إلى مواجهة شاملة على الجبهة الشمالية.
 
ويعترف دبلوماسيون غربيون بأنّ أي تفاهم مستدام بين لبنان وإسرائيل بات مرهوناً بسياق كامل يتجاوز حدودهما، ويشمل مستقبل غزة، ومصير المفاوضات الأميركية-الإيرانية غير المباشرة، وقدرة الأطراف الإقليمية على ضبط حدود الاشتباك.
 
ويجعل هذا الترابط من الصعب على لبنان الفصل بين حساباته الداخلية وبين معادلات النفوذ الإقليمي، ما يضعه تلقائياً ضمن دائرة الضغوط المتبادلة.
 
وفي هذا السياق، يتزايد الشعور بأنّ بيروت أمام مرحلة تتطلب قرارات كبرى، ليس فقط على مستوى ضبط السلاح، بل أيضاً في ما يتعلق بإعادة قراءة علاقتها بالشرعية الدولية، وباتفاقات الأمم المتحدة التي لم تُطبّق بالكامل، ولا تزال تشكّل مرجعية أساسية لأي تفاوض مستقبلي.
 
وتضع هذه المعادلة كل القوى السياسية أمام واقع جديد: إمّا الدخول في إعادة بناء شاملة لمنظومة القرار الأمني، وإمّا مواجهة احتمالات انهيار التفاهمات القائمة، بما في ذلك اتفاق ترسيم الحدود البحرية الذي مثّل إنجازاً للبنان في 2022.
 
ولا ينفصل هذا المسار عن التحولات الأمنية والاقتصادية داخل البلد. فقد أدّت سنوات الحرب وتراجع مؤشرات الاقتصاد وتراجع الاستثمار والسياحة إلى خلق حالة من الإرهاق الاجتماعي، وهو إرهاق يتناقض مع الانتظارات الدولية التي ترى أن لبنان مطالب الآن بأن يتخذ خطوات عملية لاستعادة سيادته الأمنية.
 
وفي المقابل، يطرح المسؤولون اللبنانيون أمام الأميركيين والأوروبيين سؤالاً جوهرياً حول ضمانات حماية المدنيين في الجنوب إذا ما دخل حزب الله في مرحلة تجميد السلاح الثقيلة. كما يشيرون إلى أنّ أي تطبيق صارم للالتزامات ينبغي أن يترافق مع خطة دولية واضحة تضمن استقرار ما بعد الحرب.
 
ومع ذلك، لا يخفي بعض المسؤولين اللبنانيين قلقهم من أنّ الاستحقاقات المقبلة قد تتحوّل إلى فرصة لبعض القوى الإقليمية لتوسيع نفوذها داخل لبنان عبر توظيف الملف الأمني والحدودي في سياق صراع إقليمي أكبر.
 
ويجد هذا التخوّف صداه أيضاً لدى القوى الدولية التي تخشى أن يؤدي الضغط الزائد إلى رد فعل معاكس يعمّق الانقسامات الداخلية ويزيد من احتمال فقدان السيطرة على الجنوب.
 
وبينما تترقّب بيروت مآلات الأسابيع المقبلة، تواصل واشنطن تأكيدها أن الوقت يضيق، وأنّ لبنان مطالب بخطوات ملموسة وليس ببيانات سياسية.
 
وفي خلفية هذه الرسائل، يتعزز الشعور بأنّ مستقبل الاتفاق الحدودي، ومعه مستقبل علاقة لبنان بالمنظومة الدولية، سيتوقفان على قدرة الدولة على اتخاذ قرارات صعبة، وعلى استعداد جميع القوى الداخلية للقبول بتسويات مؤلمة لكنها ضرورية.
 
وبين التزامات متعثّرة وواقع أمني متفجر، تقف بيروت عند مفترق طرق. فإما أن تنجح في إعادة بناء مقاربة وطنية موحّدة لملف السلاح والحدود، وإما أن تجد نفسها أمام سقوط الاتفاقات التي شكّلت لعقود صمام أمان لاستقرارها الهش.
 
وفي كلتا الحالتين، يبدو واضحاً أن المرحلة المقبلة ستكون حاسمة لمسار الدولة اللبنانية، ولشكل حضورها في معادلات المنطقة، ولقدرتها على استعادة سيادتها في لحظة تشتد فيها رياح التحوّلات.