زيارة أورتاغوس "الإيجابية" لا تبدد هواجس لبنان من تجدد الحرب
العرب اللندنية
الخميس 30 تشرين الأول 2025
تشهد كلٌّ من سوريا ولبنان مرحلة دقيقة من التحديات الاقتصادية، حيث تقف عمليتهما المنهارتان بسبب تراكم المشاكل الاقتصادية أمام اختبار صعب في ظل تفاقم أزمات النقد وتراجع الثقة بالقطاع المالي.
وبين مساعٍ حكومية لضبط أسعار الصرف وإجراءات نقدية متباينة، تحاول سلطات البلدين الحدّ من الانكماش الاقتصادي والضغوط المعيشية المتزايدة التي أثقلت كاهل المواطنين.
ويقول الخبراء إنه مع استمرار العجز في الموارد وقلة الدعم الخارجي المطلوب، يبدو الطريق نحو تحقيق الاستقرار النقدي الحقيقي طويلًا وشاقًا.
ولخص الخبير الاقتصادي بول كوكرين انطباعه عن تلك الحالة قائلا إن “خطط دمشق وبيروت لعملتيهما لن تشكل حلاً شاملاً للمشاكل المالية والاقتصادية الشاملة التي تواجهها الدولتان.”
وفي حين تساوي أكبر ورقة نقدية متداولة في سوريا فئة 5 آلاف ليرة، 0.38 دولار أميركي، تبلغ قيمة ورقة المئة ألف ليرة 1.11 دولار.
وتمتلئ الجيوب بالنقود، ويتجول السوريون حاملين حقائب صغيرة مليئة بالعملة لدفع ثمن حتى أصغر المشتريات. بينما تُستخدم الآلات الحاسبة على نطاق واسع لتحويل عشرات الآلاف إلى ملايين، أو لتقسيم الدفع بالعملة المحلية وبالدولار.
وقبل 14 عاما، عندما اندلعت الحرب، كان من الممكن أن تصل قيمة ورقة الخمسة آلاف ليرة إلى مبلغ كبير، عندما كان سعر الصرف 50 ليرة للدولار.
ولكن مع اتساع رقعة الصراع، وسحب البنك المركزي من احتياطياته الأجنبية وتراكم العقوبات على سوريا، بدأت الليرة في الانحدار التدريجي، حيث انخفضت بنسبة 99 في المئة، لتصل قيمتها اليوم إلى 13 ألف ليرة للدولار الواحد.
وفي لبنان، كانت الليرة مربوطة بالدولار الأميركي عند 1507.5 ليرة منذ عام 1997، حيث تعادل ورقة المئة ألف ليرة 66 دولار. وفي أعقاب الأزمة المالية في أكتوبر 2019، انخفضت قيمتها بنسبة 98 في المئة، ليصل سعر الدولار نحو 90 ألف ليرة.
وأدى هذا الانخفاض إلى حرمان اقتصادي شديد لغالبية اللبنانيين، حيث قضى على مدخراتهم ومعاشاتهم التقاعدية، وجعل رواتب القطاع العام شبه معدومة.
وارتفعت نسبة اللبنانيين الذين يعيشون تحت خط الفقر من 40 في المئة قبل الأزمة إلى أكثر من 70 في المئة، بينما يعيش أكثر من 90 في المئة من السوريين في فقر.
وأعلنت الدولتان مؤخرًا عن تدابير لمعالجة أزمة العملات التي تكاد تكون معدومة. فقد طرحت بيروت فكرة إصدار أوراق نقدية أكبر، تصل قيمتها إلى مليون ليرة وهناك شائعات عن إمكانية إصدارها بقيمة تصل إلى 5 ملايين ليرة.
في المقابل سيقوم البنك المركزي السوري بحذف صفرين من عملتها في الثامن من ديسمبر المقبل، تزامنًا مع ذكرى الإطاحة ببشار الأسد.
ومع ذلك، لا يُتوقع بول كوكرين وهو صحفي مستقل يُغطي شؤون الشرق الأوسط وأفريقيا في تقرير نشرته منصة “عرب دايجست” وتقلت “العرب” نسخة منه أن تُسهم هذه الخطوات في حل أزمة العملة.
وقال كوكرين في مقاله “هذه الخطوات قد تزيد الطلب على العملات الأجنبية، وخاصة الدولار واليورو، في ظل حالة عدم اليقين الاقتصادي والأزمات المصرفية.”
وفي الواقع، كان الاقتصاد اللبناني مُدولرًا قبل الأزمة المصرفية، حيث تراوحت نسبة القروض المقومة بالدولار للقطاع الخاص بين 68 و89 في المئة من إجمالي القروض بين عامي 1997 و2019، بينما شكّلت الودائع بالدولار ما بين 61 و77 في المئة.
وكان الدولار يُستخدم على نطاق واسع، وكانت أجهزة الصراف الآلي تُقدّم الليرة والدولار معًا. واليوم، لا تسمح البنوك للمودعين إلا بسحب 400 دولار شهريًا من الحسابات المجمدة خلال الأزمة أو من حسابات “الدولار الجديد”، وهي التحويلات الواردة بعد الأزمة.
ومع ذلك، لاحظ كوكرين ازدياد الدولرة على المستوى التجاري، حيث تُسعّر السلع والخدمات عادةً بالعملة الأميركية بسبب التقلبات الهائلة وانخفاض قيمة الليرة، بالإضافة إلى التضخم المفرط.
وقال “إذا تحققت خطة إصدار أوراق نقدية أكبر من الليرة، فلن يكون لها تأثير كبير نظرًا للاستخدام الواسع للدولار، في حين يرغب الناس في الحصول على رواتبهم والادخار بالدولار نظرًا للمخاطر المستمرة لانخفاض قيمته.”
وتُستخدم الليرة اليوم بشكل رئيسي كعملات فكة صغيرة – العملات المعدنية الأميركية غير مقبولة – وبخلاف النفقات اليومية، سيرغب اللبنانيون في استبدال الليرة بالدولار أو اليورو أو الذهب – أي شيء ذي قيمة.
وقد يكون من الأنسب حذف أصفار متعددة وإعادة تقييم العملة، كما تنوي سوريا، لكن بيروت ليست في وضع يسمح لها بذلك، فهناك قضايا أكبر مطروحة، وهي إصلاح القطاع المصرفي الذي تسبب في انخفاض قيمة العملة في المقام الأول.
وفي حين أُقرّ قانون إصلاح وإعادة تنظيم القطاع المصرفي في أغسطس، والذي يوفر إطارًا لإعادة هيكلة و/أو تصفية البنوك، فإن القانون يعتمد على سنّ “قانون التسوية المالية واسترداد الودائع” (المعروف بقانون الفجوة).
ويهدف من وراء ذلك توزيع الخسائر وتعويض المودعين عن الأزمة المالية، والأهم من ذلك، التنفيذ الكامل لعملية إعادة الهيكلة.
ومع ذلك، فإن السياسيين، تحت ضغط من المصرفيين والحرس القديم، يؤجلون سنّ قانون الفجوة، الذي قد لا يُقرّ قبل الانتخابات العامة في مايو 2026، مما من شأنه أن يُؤجّل الإصلاح الجاد إلى مرحلة لاحقة.
ولذلك، “قد يُنظر إلى إصدار أوراق نقدية أكبر على أنه خطوة تجميلية إلى حد كبير في ظلّ وضع اقتصادي صعب،” بحسب كوكرين الذي يكتب في “نشرة غسيل الأموال.”
وإلى جانب الأزمة المالية والديون الضخمة، وُضع لبنان على القائمة الرمادية لمجموعة العمل المالي (فاتف)، الجهة العالمية المسؤولة عن وضع معايير مكافحة غسل الأموال في عام 2024، وفي يوليو على القائمة السوداء للاتحاد الأوروبي كدولة عالية المخاطر.
ويعتقد الصحفي الاقتصادي الإيطالي أن تطبيق الإصلاحات سيكون أمرًا أساسيًا لخروج لبنان من القوائم الرمادية، بالإضافة إلى إظهار جديته في سيادة القانون، ومحاسبة أصحاب السلطة.
واستند في موقفه إلى إن إطلاق سراح رياض سلامة، حاكم البنك المركزي السابق، الذي اتُهم بالفساد واختلاس 42 مليون دولار في عام 2024.
وقال يوحي إطلاقه بكفالة قدرها 14 مليون دولار في سبتمبر الماضي، والتي ورد أنها دُفعت في أكياس نقدية بأن “الإفلات من العقاب بدلاً من المساءلة هو أسلوب عمل لبنان.”
وتواجه سوريا قضايا مماثلة للبنان. رغم تخفيف العقوبات المفروضة على سوريا، لا تزال على القائمة الرمادية لفاتف، وتواجه عقبات كبيرة أمام عودتها إلى النظام المالي الدولي واستعادة اقتصادها كامل طاقته.
وقدّر البنك الدولي مؤخرًا تكلفة إعادة الإعمار بنحو 216 مليار دولار، بينما قدّرت الأمم المتحدة أنه بمستويات النمو الحالية، لن يستعيد الاقتصاد مستوى الناتج المحلي الإجمالي الذي كان عليه قبل الصراع قبل عام 2080.
وقد يُفاقم رفع قيمة العملة من وطأة الأزمة المالية، نظرًا لارتفاع تكلفتها على المستوى الكلي، مع ما يصاحبها من آثار سلبية، مثل ارتفاع أسعار الفائدة وارتفاع التضخم، كما حدث في مصر عندما خفضت قيمة الجنيه في 2023 – 2024.
كما سيؤدي ارتفاع التضخم إلى ارتفاع تكاليف الاستيراد، وهو مصدر قلق كبير نظرًا لاعتماد سوريا على الاستيراد بسبب الدمار الواسع النطاق الذي لحق بقاعدة التصنيع.
وقد يلجأ السوريون أيضًا إلى استخدام العملات الأجنبية بشكل متزايد إذا لم يسر خفض قيمة العملة كما هو مخطط له ولم تستقر الليرة، سواءً بالليرة التركية في الشمال، أو باليورو والدولار عمومًا، أو حتى بالشيكل في الجنوب المحتل من إسرائيل.
وتشكل التكلفة المرتفعة لإعادة تقييم العملة عيباً رئيسياً في خطة دمشق، التي ربما كان من الأفضل لها أن تصدر أوراقاً نقدية من فئات أكبر وتؤخر إعادة تقييم العملة حتى يستقر الاقتصاد وينعش القطاع المصرفي.
ويبدو أن إزالة صورة الأسد، الأب والابن، من الأوراق النقدية ضرورية للغاية. كما أن تحسين الرقابة على العملة المتداولة، والتي تُقدر بنحو 40 تريليون ليرة (3.07 مليار دولار) خارج النظام المالي الرسمي، يُعدّ عنصرًا أساسيًا في خطة العملة.
غيرت المبعوثة الأميركية مورغان أورتاغوس، خلال زيارتها الحالية إلى بيروت، من طريقة تعاطيها التي كانت صدامية خلال زيارات سابقة إلى لبنان. وحرصت أورتاغوس على تجنب الحديث إلى وسائل الإعلام المحلية، مكتفية بالتقاط الصور خلال جولاتها على المسؤولين اللبنانيين، حيث التقت كلا من رئيس الجمهورية جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام، ورئيس مجلس النواب نبيه بري.
وشاركت أورتاغوس الأربعاء في اجتماع لجنة “ميكانيزم” المعنية بالإشراف على وقف الأعمال العدائية في لبنان، حيث قدم الجيش اللبناني تقريرا مفصلا بالعمليات التي قام بها منذ دخول اتفاق وقف إطلاق النار مع إسرائيل حيز التنفيذ في 27 نوفمبر الماضي، خصوصا على صعيد تفكيك مخازن أسلحة حزب الله.
وأكد الجيش خلال الاجتماع مضيه في مهامه، وعزمه على جعل جنوب نهر الليطاني خاليا ومنزوعا بشكل كامل من السلاح في نهاية العام الجاري. وذكرت أوساط سياسية أن زيارة أورتاغوس، التي بدأتها الاثنين إلى لبنان، واللقاءات التي عقدتها مع المسؤولين هناك، كانت إيجابية، وأظهرت رغبة أميركية في منح لبنان فرصة لتنفيذ التزاماته لناحية حصر السلاح بيد الدولة.
وأشارت الأوساط إلى أن المبعوثة الأميركية أوضحت أن الولايات المتحدة مستعدة لتقديم ما يلزم لمساعدة لبنان على تنفيذ التزاماته، شريطة أن تكون لديه الإرادة للمضي في مسار استعادة الدولة لحضورها، وإنهاء السلاح غير الشرعي.
وقد شكلت زيارة أورتاغوس إلى وزارة الشؤون الاجتماعية حيث التقت بالوزيرة حنين السيد، رسالة عن رغبة واشنطن في مد يد المساعدة للدولة اللبنانية في جهودها على الصعيد الاجتماعي، لاسيما في جنوب لبنان.
وأكّدت السيّد في حديث لموقع “أم.تي.في” المحلي أنّ “اللقاء مع أورتاغوس كان جيّدا وفعالا وقد أثنت الأخيرة على عمل الوزارة وما تفعله في الجنوب والمناطق المتضرّرة والتشبيك مع الجنوبيين عبر إشراكهم بوظائف”.
ورغم الإيجابية التي طبعت زيارة أورتاغوس إلى لبنان وتفعيل عمل لجنة ميكانيزم، لكن محللين لبنانيين لا يخفون هواجسهم حيال عودة الحرب، خصوصا وأن حزب الله لا يزال يرفض النقاش بشأن نزع سلاحه بشكل كامل، في المقابل تبرز تحركات إسرائيلية مريبة تشي بأنها تتحضر لعمل ما في لبنان. ويذهب البعض حد التحذير من أن تكون زيارة المبعوثة الأميركية للتمويه، وللإبقاء على عنصر المفاجأة.
وقال المحلل العسكري هشام جابر إن “إمكانية اندلاع حرب واسعة تبقى احتمالا واقعيا، لكن من دون مؤشرات حاسمة بعد”. وأضاف العميد المتقاعد أن “التهويل الجاري يدخل في إطار الحرب النفسية التي تسبق أي مواجهة”.
ورأى أن “التصعيد الحالي لن يصل إلى مستوى استهداف المرافق الحيوية مثل المطار أو الكهرباء، لكنه قد يتطور إلى عمليات انتقائية لأهداف محددة بعد تحذير مسبق”. واعتبر جابر أن “إسرائيل استنفدت معظم بنك أهدافها العسكرية، وباتت تلجأ إلى ضرب أي موقع تشتبه بوجود عناصر لحزب الله فيه لبعث رسائل سياسية”.
ولمواجهة ذلك، دعا جابر إلى “تحرك لبناني دبلوماسي واسع يوازي التطورات الميدانية، لأن الاكتفاء بإرسال رسائل عبر الوسطاء الدوليين غير كافٍ في ظل حجم المخاطر الإقليمية”.
أما المحلل السياسي طوني بولس، فقال إن “المؤشرات الميدانية والدبلوماسية توحي بأن الحرب وشيكة”. وأشار إلى أن “الدوائر الرسمية اللبنانية تبلّغت من قنوات غربية (لم يسمها) بأن إسرائيل أنهت استعداداتها العسكرية لتنفيذ عمليات ضد حزب الله”. كما رأى أن “تكثيف تحليق الطائرات المسيّرة الإسرائيلية في الأجواء اللبنانية هدفه تحديث المعلومات ورصد مواقع جديدة لحزب الله”.
فيما يشير التحليق الإسرائيلي فوق القصرين الجمهوري والحكومي، وفق بولس، إلى “رسائل موجهة مباشرة للدولة اللبنانية”. ومتحدثا عن احتمال تجدد الحرب، قال إن “إسرائيل تلوّح بتوسيع نطاق الحرب لتشمل البنى التحتية الرسمية، وليس فقط أهدافا تابعة لحزب الله كما حدث في المواجهة السابقة”.
وحذر من أن “لبنان يواجه خطرا وجوديا في حال توسعت العمليات لتشمل مؤسسات الدولة”. وبحسب بولس، فإن “رئاسة الجمهورية طرحت فكرة مفاوضات قد تساهم في تجنب الحرب، لكن الانقسام الداخلي حول طبيعة هذه المفاوضات مباشرة أم غير مباشرة يعقّد الموقف”.
♦ القاهرة مستعدة للعب دور في المفاوضات بين بيروت وتل أبيب، في ظل إدراك مصر بخطورة الموقف
وعن موقف الولايات المتحدة والدول الغربية، قال بولس إنها “غير مقتنعة بقدرة الدولة اللبنانية على تنفيذ أي اتفاق جديد لوقف إطلاق النار، سواء في ما يتعلق بسحب سلاح حزب الله، أو ببسط سيادة الدولة على كامل أراضيها، ما يجعل الموقف اللبناني أكثر هشاشة في مواجهة التهديدات المقبلة”.
والأسبوع الماضي، قال الرئيس اللبناني “لا بد من التفاوض مع إسرائيل لحل المشاكل العالقة” بين الطرفين، بالتزامن مع بدء تطبيق خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لإنهاء الحرب على غزة.
وبالتوازي مع زيارة المبعوثة الأميركية، قام رئيس المخابرات المصرية اللواء حسن رشاد بزيارة إلى بيروت التقى خلالها بالرئيس عون إلى جانب عدد من المسؤولين، في إشارة إلى دخول القاهرة على خط الوساطة بين بيروت وتل أبيب. وتريد القاهرة استغلال زخم مساهمتها في اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، للتوصل إلى تسوية بين لبنان وإسرائيل، وسط اعتقاد بأن التحرك المصري ما كان ليجري لولا دعم من إدارة ترامب.
وأبدى رشاد خلال لقائه عون استعداد مصر للمساعدة في إرساء الاستقرار في لبنان. كما جدد التأكيد على دعم القاهرة لبيروت. ويعتقد مراقبون أن زيارة رشاد إلى بيروت لا تحمل معها مبادرة تفصيلية، لكنها تهدف إلى إيصال رسالة بأن القاهرة مستعدة للعب دور في المفاوضات بين بيروت وتل أبيب، في ظل إدراكها خطورة الموقف، وأن أي حرب قد تنشب قد تعيد خلط الأوراق في المنطقة، وهو ما تريد مصر تجنبه.