لبنان في العالم
تصريحات برّاك وما خلفها... أين تكمن الخطورة على لبنان؟

النشرة

الخميس 25 أيلول 2025

خلافًا للتنويه الذي كان قد وجّهه في وقتٍ سابقٍ للحكومة اللبنانية، بعد إقرارها خطة الجيش لسحب السلاح، بل خلافًا لكلّ الإيجابية التي أظهرها خلال زياراته المتكرّرة إلى بيروت أثناء المفاوضات، خرج المبعوث الأميركي توم براك بتصريحات مفاجئة، صُنّفت "خطيرة"، قال فيها إن هناك "مجموعة جيدة في السلطة، لكن ما يفعله لبنان بشأن نزع سلاح "​حزب الله​" هو الكلام فقط"، مشيرًا إلى أنّ لن يقم بأيّ شيء فعليّ حتى الآن.
 
لم يكتفِ براك بذلك، إذ جزم أنّ ​إسرائيل​ لن تنسحب من الأراضي التي تحتلها في لبنان، رامياً في المقابل المسؤولية في ملعب ​الحكومة اللبنانية​، حتى إنّ سهامه طالت ​الجيش اللبناني​ الذي وصفه بأنه "منظّمة جيدة، ولكنه ليس مجهزًا بشكل جيّد"، مشدّدًا في الوقت نفسه على أنّ "حزب الله عدوّنا وإيران عدوّتنا، ونحن بحاجة إلى قطع رؤوس هذه الأفاعي، ومنع تمويلها"، ما يشكّل خروجًا كاملاً عن مبادئ الوساطة ومفاهيمها.
 
برأي كثيرين، فإنّ هذه المواقف تنطوي على انتقال نوعي في مقاربة واشنطن لملف لبنان، من خطاب "تيسير" التسويات إلى خطاب يُقرأ كضغط مباشر يلتقي بوضوح مع السردية الإسرائيلية. ولعلّ أخطر ما فيها أنها تحوّل المسألة اللبنانية من مسار تفاوضي متدرّج إلى مسار إملائي يضع الحكومة والجيش تحت مساءلة علنية، بما يفتح الباب أمام إجراءات سياسية وأمنية أشدّ قسوة، وذلك في لحظة إقليمية شديدة السيولة، وسياق ميداني على الحدود يُحضّر لاحتمالات أوسع...
 
قد لا يكون خافيًا على أحد أنّ أول عناصر الخطورة في كلام المبعوث الأميركي يتمثّل في "تسييس" دور الوسيط. فحين يتهم برّاك الحكومة اللبنانية بالتقصير في نزع سلاح "حزب الله"، ويقول إنّها تكتفي بالأقوال، ثمّ يصف "حزب الله" بـ"العدو"، فهو لا يعود وسيطًا، وإنما يصبح طرفا، ، حتى إنّ هناك من توجّس من أن تكون تصريحاته مقدّمة لتوسعة ​الحرب على لبنان​.
 
العنصر الثاني يتعلّق بالتوقيت، فقد جاء كلام برّاك تزامنًا مع وجود الرئيس جوزيف عون في نيويورك للمشاركة في أعمال الجمعية العامة، ومع اندفاعة دبلوماسية داعمة لحلّ الدولتين ومؤتمر دولي ترعاه الرياض وباريس. بهذا المعنى، يَظهر الخطاب كضغط استباقي على بيروت قبيل عرض تقرير الجيش المرحلي حول خطوات "حصرية السلاح" جنوب الليطاني، بما يُقيّد هامش المناورة اللبنانية ويضعها في خانة "المتلكّئ" قبل اكتمال آليات التقييم.
 
العنصر الثالث هو الالتحام شبه الكامل مع السردية الإسرائيلية، بدءًا من تبنّي مقولة أنّ "الحزب" يعيد بناء قوته، وأن الدولة "لا تريد" نزع سلاحه خشية حرب أهلية، مع التشديد على تضييق الخناق المالي. وتُخرِج هذه الثلاثية النقاش من كونه خلافًا على تسلسل التنفيذ أو على ضمانات متبادلة، إلى كونه "فشلًا بنيويًا" للدولة يقتضي علاجًا صادمًا. وهي صياغة تمنح إسرائيل مساحة أوسع لفرض أمر واقع أمني تحت شعار "لا شريك لبنانيًا".
 
أكثر من ذلك، يتبدّى في خطاب برّاك انقسامٌ في المقاربة بين الساحتين اللبنانية والسورية. ففي حين يَعرض نفسه "مرتاحًا" لمسار ترتيب تفاهمات أمنية مع دمشق، بل ويقدّم نفسه كراعٍ لمسار "احتضان" القيادة السورية الجديدة وإطلاق ترتيبات قد تُوقَّع قريبًا، يبدو أنّه فقد صبره في لبنان بعد قرارات حكومية لم تُرضِ شروط التسريع الإسرائيلي. ويشي ذلك بأنّ لبنان قد يُعامَل كساحة الضغط الأسهل لتعويض التعثّر في ملفات أخرى، مع مخاطر "نقل" كلفة المواجهة إلى حدوده الجنوبية.
 
ولعلّ الأخطر من كلّ ذلك يبقى "أثر" هذه اللغة المباشر على الجبهة الجنوبية، إذ يمكن قراءة التصريحات كضوءٍ أخضر سياسي، وبالتالي فإنّ أي تعديل ميداني على خطوط التماس أو وتيرة الضربات سيُقدَّم باعتباره ردًا "مشروعًا" على امتناع بيروت عن تنفيذ "حصرية السلاح". هنا يتآكل "الخط الأحمر" غير المعلن الذي ضبط وتيرة التصعيد خلال الأشهر الماضية، وتتراجع قدرة الوسطاء على كبح منزلقات الحرب، إن صحّ التعبير.
 
ويقود ذلك أيضًا إلى الحديث عن انعكاسات داخلية غير مرئية مباشرة. فالخطاب الذي يضع الحكومة والجيش في قفص الاتهام يُضعف ثقة الجمهور بمؤسساته ويؤجّج السجالات حول أدوارها، ويُربك العلاقة بين الجيش و"يونيفيل" جنوبًا في لحظة تحتاج فيها آليات ​القرار 1701​ إلى ترميم الثقة. كما أنّه يوجّه رسائل ضاغطة إلى أصدقاء لبنان الغربيين والعرب، بما يهدّد بتحويل "مجموعة أصدقاء لبنان" من مظلة دعم إلى نادي ضاغط يُعيد ترتيب الأولويات على نحو يُقلّص هامش بيروت التفاوضي.
 
هذه القراءة تظهر في تقارير وتحليلات حرصت على التحذير من أن كلام برّاك يستبق التقييم الدولي لخطّة الجيش ويضيّق خيارات الحكومة، وهو ما لا يمن فصله أيضًا عن محاولة إسرائيلية مستمرة لإطالة أمد الحرب وإعادة تعريف ساحاتها. فوفق قراءات متقاطعة، ثمّة رهان في تل أبيب على توسيع رقعة الضغط لكسر مسار الاعتراف بالدولة الفلسطينية وقطع الطريق على أي مسعى لوقف شامل لإطلاق النار.
 
عمليًا، تكمن الاستجابة الأنجع في تثبيت "سردية مضادّة" لا تنزلق إلى سجال شخصي، بل تعيد النقاش إلى مربّعه المؤسسي: التزام متدرّج بخطة حصرية السلاح ضمن جداول واضحة ومعلنة، وربط أي التزامات جديدة بضمانات تنفيذية متبادلة تشمل الانسحاب من النقاط المحتلة وتخفيف الخروقات، بحيث يصبح تحييد "دور الوسيط" عن النزاع ضرورة، عبر تفعيل قنوات مع العواصم المؤثّرة للتأكيد أن التسييس ينسف قدرة الآليات الدولية على العمل.
 
خلاصة القول: خطورة تصريحات برّاك لا تُقاس بحدّتها اللفظية، بل بوظيفتها السياسية المحتملة: تحويل "التقييم" إلى "تجريم"، و"الوساطة" إلى "اصطفاف"، و"الضغط" إلى "ذريعة". في مناخ كهذا، تصبح الدقّة في إدارة الخطاب، والصرامة في تثبيت المسارات المؤسسية، شرطًا للحؤول دون انزلاق لبنان من حافة الردع الهشّ إلى حافّة حرب أوسع يريدها بعضهم حلًا لكل المآزق العالقة.