لبنان في العالم
جوزاف عون بين الدوحة ونيويورك: ثوابت رئاسية لمرحلة جديدة

ندى أندراوس

الإثنين 22 أيلول 2025

في زمن التحولات الكبرى التي يشهدها الشرق الأوسط والعالم، يتحرك لبنان بين خطوط تماس سياسية وعسكرية واقتصادية دقيقة. فالمنطقة لا تزال تعيش على وقع حرب غزة المستمرة منذ أشهر، والاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على لبنان، في وقت تتوزع فيه أولويات المجتمع الدولي بين صراع أوكرانيا وروسيا، تتنافس القوى الكبرى على النفوذ في الشرق الأوسط، والبحث عن تسويات جديدة للملفات الإقليمية. في هذا المشهد المعقد، يطلّ رئيس الجمهورية جوزاف عون ليقدّم قراءة لبنانية مغايرة، تستند إلى ثوابت سيادية واضحة، وإلى محاولة وضع لبنان على خريطة الفعل لا الاكتفاء برد الفعل.
 
من قاعة القمة العربية  الإسلامية في الدوحة إلى منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، يتدرج خطاب عون في مراحله، محمّلاً بالرسائل السياسية التي وجّهها في العلن، وبالمواقف التي صاغها في لقاءاته الثنائية في الدوحة، ولا سيما مع الرئيسين الإيراني مسعود بزشكيان والسوري أحمد الشرع. وهكذا، فإن ما سيقوله في نيويورك ليس بداية جديدة، بل إستكمال لمسار بدأه في الدوحة، يقوم على رسم خطوط سياسة خارجية لبنانية متوازنة، لكنها مشدودة إلى ثوابت وطنية لا لبس فيها.
 
من الدوحة: خطاب الثوابت
 
في خطابه في الدوحة، شدّد عون على أنّ الاكتفاء بالاستنكار لم يعد مقبولاً، وأنّ الدول التي تملك أوراق ضغط بحكم علاقاتها مع إسرائيل مطالَبة بأن تسجّل مواقف عملية. وقد أراد أن يوجّه رسالتين متوازيتين: أولاهما للبنان نفسه بتأكيد التمسك بالثوابت الوطنية، وثانيتهما للعرب بضرورة الانتقال من القول إلى الفعل.
 
ذكّر عون القادة بأنّ غزة تُقصف وتُحاصر وشعبها يباد، وأنّ الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان تتكرر من دون أن يقابلها أي تحرك عملي، معتبراً أنّ قمة الدوحة يجب أن تكون فرصة لتأكيد الثوابت ولإطلاق خطوات واقعية في مواجهة العدوان.
 
 
رسائل إلى طهران ودمشق
 
في موازاة خطابه العربي في الدوحة، التقى الرئيس عون الرئيسين الإيراني والسوري. مع طهران، وضع أربعة مرتكزات واضحة لأي علاقة: الاحترام المتبادل، الصراحة والشفافية، عدم التدخل في الشؤون الداخلية، وتقديم المصالح المشتركة على الخاصة. وقد وافق الجانب الإيراني على هذه المبادئ، ما فتح الباب لرسم إطار تعاون متوازن.
 
أما مع دمشق، فكان عون واضحاً أمام الرئيس السوري أحمد الشرع: لبنان يريد علاقة صداقة وحسن جوار، تقوم على التعاون في حماية الحدود، تسهيل عودة النازحين، وتفعيل القضايا الاقتصادية المشتركة، باعتبار أنّ سوريا تشكل بوابة لبنان إلى الأسواق العربية والخليجية، فيما يشكل لبنان متنفساً حيوياً لسوريا في التصدير والاستيراد وجسراً إقتصادياً، تربوياً، وإجتماعياً.
 
 
ما بعد الدوحة: مقاربة متدرجة
 
كان عون يدرك أنّ قمة الدوحة لن تُنتج قرارات عملية، لذلك عمل على تثبيت اتجاه جديد للسياسة اللبنانية في المرحلة المقبلة، يقوم على ثلاثة ثوابت أساسية:
 
إنهاء الاحتلال الإسرائيلي ووقف الاعتداءات.
 
إستكمال خطة الجيش اللبناني لحصر السلاح وإنتشاره على الحدود الدولية.
 
إطلاق الأسرى عبر قنوات ديبلوماسية وأمنية، وهذه المهمة بحسب معلومات المدن يتولاها حالياً المدير العام للأمن العام.
 
وفي هذا السياق، شدّد الرئيس على أنّ تصميمه على حصر السلاح بيد الدولة ثابت، لكن تنفيذه مرتبط بقدرة الجيش على الانتشار على طول الحدود، وهو أمر يتعثر بفعل استمرار الاحتلال. ومن هنا دعوته المتكررة للعرب والغرب إلى ممارسة الضغط على إسرائيل كي تنسحب وتفسح المجال أمام الجيش لتنفيذ خطته على مراحل، بدءاً من جنوب الليطاني وصولاً إلى الشمال.
 
إلى نيويورك: خطاب الاستمرارية
 
يحمل عون هذه الثوابت إلى نيويورك حيث سيخاطب المجتمع الدولي. هو يريد ترجمة الدعم العربي والإنساني الذي تلقّاه لبنان في الحرب الأخيرة إلى ضغط سياسي حقيقي على إسرائيل، يتيح للجيش اللبناني إستكمال خطته المرحلية للانتشار في الجنوب على الحدود الدولية. وبذلك، تكون كلمته أمام الأمم المتحدة إستمراراً للخط الذي بدأه في الدوحة، لا مجرد خطاب بروتوكولي.
 
تكتسب مشاركة الرئيس جوزاف عون في نيويورك خلال السنة الأولى من ولايته بعداً إستثنائياً، إذ تأتي في ظرف إقليمي مظلم يخيّم على المنطقة: حرب غزة المدمرة، تصاعد الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان، وتهديدات تمسّ جغرافيا المنطقة ومستقبلها السياسي. لبنان نفسه يقف على حافة خطيرة، مع إستمرار الاحتلال الإسرائيلي ورفض تل أبيب تنفيذ التزاماتها بالانسحاب ووقف الاعتداءات، في مقابل رفض حزب الله تسليم سلاحه خارج إطار خطة شاملة لحصر السلاح بيد الدولة.
 
في هذا السياق القاتم، يدرك الرئيس عون أن خطابه أمام الجمعية العامة يجب أن يكون رسالة مزدوجة: أولاً تأكيد التمسك بالثوابت الوطنية التي أعلنها في الدوحة، وثانياً تحميل المجتمع الدولي مسؤولية عجزه عن الحسم في الضغط على إسرائيل للالتزام بالقرارات الدولية. من هنا، يسعى عون إلى وضع المجتمع الدولي أمام استحقاق واضح: إمّا دفع إسرائيل إلى الانسحاب الكامل وتنفيذ وقف الاعتداءات، بما يتيح للجيش اللبناني إستكمال خطته على مراحل، وإمّا إبقاء لبنان عرضةً لدوامة النزاعات.
 
وفي موازاة ذلك، لا يغفل عون عن البعد السوري في المعادلة، إذ يشدد على ضرورة أن تلتزم دمشق تنفيذ الجزء المتعلق بها من ورقة الأهداف التي أقرتها الحكومة اللبنانية، ولا سيما في ما يخصّ حماية الحدود المشتركة، التعاون الاقتصادي، وتأمين الظروف الملائمة لعودة النازحين. بهذه المقاربة، يسعى الرئيس إلى وضع إطار شامل يربط بين الداخل والخارج، بين السيادة والأمن من جهة، والإصلاحات والعلاقات العربية والدولية من جهة أخرى، لتثبيت موقع لبنان في لحظة مفصلية تهدد كيانه وإستقراره.
 
 
البعد الاقتصادي: الإصلاح والدعم
 
إلى جانب البعد السيادي، يعوّل عون على مسار إقتصادي مواكب. فالتحضير لمؤتمر دعم لبنان سيكون جزءاً من تحركه، عبر مسارين متوازيين:
 
•      إستكمال الإصلاحات المالية والتشريعية، بدءاً بالقوانين التي أقرها مجلس النواب وصولاً إلى مشروع قانون الفجوة المالية لمعالجة قضية الودائع.
 
•      جذب استثمارات ومساعدات فعلية تتيح للبنان إستعادة دوره الاقتصادي إذا إستتب الاستقرار، إذ يرى الرئيس أنّ الوضع اللبناني يمكن أن يكون واعداً بمستقبل أفضل متى توافرت بيئة آمنة وجاذبة.
 
على أي حال، من الدوحة إلى نيويورك، يقدّم جوزاف عون نفسه رئيساً يرسم سياسة خارجية لبنانية جديدة، متوازنة ومنفتحة، لكنها مشدودة إلى ثوابت لا مساومة عليها: السيادة، بسط سلطة الدولة، وإنهاء الاحتلال. وإذا ما لقيت هذه المقاربة تجاوباً عربياً ودولياً، فقد تشكّل لحظة تأسيسية لمرحلة مختلفة في تاريخ لبنان، تُعيد إليه القدرة على المبادرة بعدما طال إنتظاره في موقع ردّ الفعل، وتمنحه فرصة لاستعادة دوره الطبيعي في محيطه العربي والدولي.
 
 
المصدر: المدن