لبنان في العالم
إلى معاليه والسادة المؤتمرين

طنوس فرنسيس

الخميس 8 آذار 2018

إذا وَصَلَتني دعوة – ولا أدري إذا كانت ستصل- ربّما لن أستطيع الحضور، وإذا استطعتُ، فربّما لن أستطيع الكلام، إذن، لابد من الكتابة، لا بأس، فهي وأنا صديقان.


إطّلعتُ على برنامج المؤتمر – مؤتمر الطاقة الإغترابية، أوقيانيا – وهاأنذا أطلع – باختصار- من لم  يطّلع، عليه.


بالإضافة الى الرسميّات والتشريفات والضيافات يتألف المؤتمر من ستة محاور:استعادة الجنسية، فُرص الاستثمار، تقوية العلاقات التجاريّة بين لبنان واستراليا، النظام التعليمي الاسترالي والتبادل الأكاديمي، العناية الصحيّة ودور الأطبّاء الاستراليين – اللبنانيين فيها، وأخيراً الإرث الثقافي والعلاقات الإجتماعيّة بين لبنان وأوقيانيا.


 إذن جنسية وانتماء، استثمار، تجارة، تعليم، صحة وثقافة،


 أمّا الغائب الأكبر فهو المحور السياسي لا سيما الإنتخابات ونحن على بُعد أقل من شهرين من موعد إجرائها.


رُبّ قائل يقول أن القانون الانتخابي قد أُقِرّ وأُعطِيَ المغتربون حق الإنتخاب وعُيِن موعد الانتخابات، والترتيبات العملية على قدم وساق من أجل إجرائها. فلقد انتهى وقت الكلام


نختلف مع القائل لأننا نُشير ليس فقط الى انتخابات الدورة القادمة بل الى كل انتخابات لاحقة ونشير أيضا الى القانون الانتخابي نفسه والى الشأن السياسي ككل


معالي الوزير، السادة المؤتمرون،


إنّ تشديدنا على الشأن السياسي ليس من أجل ذاته بل لأننا نؤمن أن النجاح فيه هو المدخل للنجاح على المحاور الأخرى ونجاح المؤتمر بشكل عام، وبصراحة أكثر نقول ما لم يشعر المغترب أنّ مشاركته السياسية الحقيقية هي موضع ترحيب فسيظل مترددا في المشاركة في المحاور الأخرى، وغياب المحور السياسي عن أعمال المؤتمر لا يعكس ترحيبا بتلك المشاركة لذلك فإننا ندعو ، وعلى وجه السرعة، الى تخصيص المؤتمر محوراً للشأن السياسي يُناقش فيه موضوعين على الأقل، الأول: قانون الانتخاب وانتخاب المغتربين، والثاني: النظام السياسي العام.


أولاً : قانون الانتخاب وانتخاب المغتربين.


       بدايةً، لا بد من كلمة حق تقال، ولكن بصوت منخفض،- فأنا لا استسيغ سماع الكلام الحسن عن المسؤولين اللبنانيين لأنه في الغالب كلام باطل، فكيف الحال بقوله-  وكلمة الحق هي أنّ الوزير باسيل كان له الجهد الأكبر في إقرار حق المغتربين بالانتخاب لا سيما تخصيص مقاعد لهم وتصاريحه في هذا الخصوص كانت تشير الى أنّ طموحه كان أكثر مما تحقق بكثير، لكن يبدو أنه لم يكن بالامكان أكثر مما كان.


من المعروف أنّه لم تتح للمغترب الفرصة في أن يبدي رأياً لدى مناقشة وإقرار قانون الإنتخاب الحالي، فمن أضعف الإيمان أن تتاح له تلك الفرصة في مؤتمر يُعقدُ على أرضه والنقاط التي نقترح نقاشها هي الآتية:


1 أهميّة تخصيص مقاعد للمغتربين
   بخلاف الدورة القادمة، فلقد تم تخصيص مقاعد للمغتربين في الدورة ما بعد القادمة، ومن الغرائب أن الأكثرية الساحقة من اللبنانيين في اوستراليا ما زالت تجهل هذا الأمر وفي تقديرنا إن المؤتمر هو منبر هام لإيصال تلك الرسالة وأن معاليه هو الشخص المؤهل لذلك كونه المؤيد والداعم الأكبر للفكرة، ومن الأغرب أن البعض عندنا ما زال غير مدرك لأهمية ذلك التخصيص مفضّلاً عليه المشاركة في انتخاب مقاعد المقيمين رغم أنّ كل دول العالم التي تمنح مغتربيها حق الانتخاب تخصص لهم مقاعد خاصة بهم، من فرنسا الى إيطاليا الى البرتغال الى كرواتيا الى الجزائر ....) لذلك نقترح على المؤتمر أن يلعب دوراً في هذا الإتجاه وإذا أتيح لنا المجال فعندنا الكثير لقوله في هذاالموضوع ولقد قلناه بالفعل ونشرناه.


2 زيادة عدد مقاعد المغتربين
   بصراحة، إنّ مسألة تخصيص 6 مقاعد للمغتربين، مقعد واحد منها لاوستراليا، تبدو كأنها رشوة أو مزحة أو نكتة أو ديكور للمجلس النيابي أكثر بكثير من كونها ممراً أو وسيلة لمشاركة حقيقية للمغترب في الحياة السياسية اللبنانية. إننا ندعو المؤتمر لمناقشة آلية لتحديد عدد مقاعد المغتربين في الدورات اللاحقة، تأخذ بعين الإعتبار أعداد المسجلين والمعدل الوسطي للحاصل الانتخابي في لبنان على أن نعتبر أن عدد الناخبين المحتملين هو جدا قريب من عدد المسجلّين وإلاّ لما كانوا تسجلوا.


3 مهلة التسجيل
   كلما طالت مهلة التسجيل كلما ازداد عدد المسجلين.


في الإنتخابات الأخيرة أُقر القانون في حزيران ولكن ولم يُفتح مجال التسجيل حتى أيلول وأُغلق في ت2 ،إننا نقترح أن يناقش المؤتمر إمكانية فتح باب التسجيل لإنتخابات ال 2022 فور الإنتهاء من إنتخابات ال 2018 على أن يُغلق في 20 ت2 من العام 2021 .


4 وثائق التسجيل
   كان اصرار في فترة التسجيل الأخيرة على توفر إما تذكرة هوية أو جواز سفر صالح ولم يُعتمد إخراج القيد كوثيقة صالحة للتسجيل إلا في الاسبوعين الأخيرين تقريبا من فترة التسجيل، مما أعاق عملية التسجيل والآن  لقد قرأنا منذ أسابيع أن شرط التمكن من الإنتخاب توفر إما تذكرة هوية أو جواز سفر صالح مع أنّ الحصول على جواز سفر يستغرق ما بين شهر ونصف، وثلاثة أشهر مما يجعل من المستحيل الحصول عليه  قبل الإنتخابات، وأما الحصول على تذكرة هوية فأدهى وأصعبُ إذ يستدعي الحضور الى لبنان ... إننا نقترح على المؤتمر أن يناقش إمكانية إعتماد إخراج القيد  كوثيقة إضافية صالحة لممارسة الحق الإنتخابي حتى ولو تطلب الأمر تعديل القانون، فالمجلس النيابي الذي جدد لنفسه مراّت ثلاث لن يعجز أمام هذا الأمر البسيط إلاّ إذا لم يكن راغباً في ذلك.


5 زيادة عدد أقلام الإقتراع
   نقترح أن يُناقش المؤتمر زيادة عدد أقلام الإقتراع وان يُخفض العدد المطلوب من الناخبين لتخصيص قلم اقتراع من 200 ناخب الى 100 لكيّ نسهّل الأمر على الناخبين ولكي ننشر الأقلام على أكبر مساحة ممكنة لكي يصل خبر حصول الانتخابات الى أكبر شريحة ممكنة تشجيعاً لهم على الإنخراط في العملية الإنتخابية في الدورة ما بعد القادمة.

ثانياً : في النظام السياسي العام
    
ثانياً: النظام السياسي العام (مكافحة الفساد)
      لا نتنطّح هنا لرسم معالم نظام سياسي جديد  للبنان فالأمر متروك "لأربابه"، إذ جُلّ ما نطمح إليه هو أن يناقش المؤتمر نقاطاً، من أمر جلائها، أن ينعكس نجاحاً على المحاور الأخرى للمؤتمر ومدخلُنا إليها واحد ألا وهو مكافحة الفساد.

لسنا ننشر غسيلاً وسخاً فوق سطح أحد، فالأمر كان منشوراً على أعلى سطوح العالم، عنينا المنظمة الدوليّة للشفافية. ففي دراسة أجرتها المنظمة مؤخراً حول انتشار الفساد في العالم، احتلّ لبنان المرتبة 143 من بين 180 بلداً شملتها الدراسة، بينما احتلّت أوستراليا المرتبة 13 ونيوزيلاندا المرتبة الأولى، وإذا كان للبنان أن يستفيد شيئاً من أوقيانيا، والمؤتمر ينعقد فيها، فقبل التكنولوجيا، وقبل الصحة والتربية، وقبل الإستثمار والتجارة، وقبل الثقافة والفنون وقبل أي شيء آخر عليه أن يستفيد من عقليّات وبُنى وأساليب مكافحة الفساد.


 لن نَعِظ  أحداً ولن نعيد اكتشاف المكتَشف فقط نوَدّ الإضاءة على بعض ما يمكن أن نستفيد منه من أوستراليا لمكافحة الفساد:


القدوة والمثال، حكومة ومعارضة ، حرية الصحافة والإعلام، استقلالية القضاء، فصل الدين عن السياسة (أولاطائفية النظام)


1 القدوة والمثال
إنّ بناء الإنسان الصادق النزيه الشفّاف الضامن الأول للنزاهة لا يتم لا  بالوعظ ولا بالإرشاد بل يتم بالقدوة والمثال والمحاسبة. فلطالما هناك شُبهات بالفساد تحوم حول بعض المسؤولين – لا بل أكثرَهم- دون أن يتمكّن القضاء من البتّ فيها إن سلباً وإن إيجاباً فعبثاً نبني جيلاً يستطيع مقاومة إغراآت الفساد وعبثاً نبني دولة.


2 حكومة ومعارضة
 الديمقراطية التوافقية، رغم كل قصائد المديح التي نُظِمت فيها ولها، كانت تتولى، ومنذ عشرات السنين، متوسلة النظام الإنتخابي الأكثري، قطع الطريق على أي معارضة حقيقية جديّة وازنة، من الوصول الى البرلمان وبالتالي قطع الطريق على أي محاسبة جديّة  للأداء السياسي مما سمح للفساد بأن ينبت وينمو. لذلك فإننا نعوّل على تطوير النظام الإنتخابي النسبي الحالي، لجهة شمول كل لبنان في دائرة واحدة متجاوزاً القيد الطائفي، من أجل وصول معارضة حقيقية جدية وازنة تتمكن من محاسبة الحكومة. هذا ما تتمتع به أوسترالىا، فلا "ديمقراطية توافقية" ولا "حكومات وحدة وطنية" بل حكومة تحكم ومعاضة تُراقب وتُحاسب والكل للفساد بالمرصاد إذ الوقوع فيه هو أسرع الطرق للخروج من العمل السياسي.

3 حرية الصحافة والإعلام
من يُراقب الحياة السياسية في أوستراليا يُلاحظ أن أغلب قضايا الفساد قد تمّ فضحُها عبر وسائل الإعلام بجهد صحفيين/ات متمرّسين وملتزمين بمكافحة الفساد، وبدعم من مؤسساتهم الإعلامية بالطبع، وما كان ذلك ممكناً لولا الهامش الكبير من الحريّة التي تتمتع به وسائل الإعلام في أوستراليا، رغم محاولات الحكومات التضييق عليها متى أمكنها ذلك.


ما نتعلّمه أيضا من أوستراليا هو أنّ التضييق على الحريّات الصحفيّة والإعلامية هو الطريق الأسرع لهروب الإستثمارات واستشراء الفساد.ونأمل أن تكون التوقيفات والإستدعاءات التي حصلت مؤخراً  مجرد سحابة صيف وإلا على الدنيا السلام.

4 استقلالية القضاء
فضائح الفساد في اوستراليا ليست مادة لتنشيط مبيعات الوسيلة الإعلامية، إذ حالما تظهر الفضيحة الى العلن يتحرك القضاء للقيام بدوره بكل استقلالية وتجرّد فإذا ثَبُتَ الفساد نال الفاسدُ جزاءه وإن لم يثبُت خرج المتَّهمُ ولا غبار عليه، وقد تنال الوسيلة الإعلاميةُ جزاء إفترائها، ويُقفل الملف.


أماّ سبب استقلالية القضاء وتجرّده هو أنّ ليس للسياسيين عليه أية سلطة لا بالقانون ولا بالأمر الواقع، منذ تعيين القاضي حتى خروجه من الخدمة، وبعض الشواذات تُؤكد صحةَ القاعدة ولا تنفيها. هذا هو التحدي لنا في لبنان : كيف يكون لنا قضاء مستقل.

5 لاطائفية النظام
نحن نعلم أنّ الطائفية حين أدخِلت الى الدستور اللبناني سنة 1920 أدخِلت على أساس مؤقت ( بعد سنتين سنحتفل بمرور مئة عام على تلك المزحة السمجة) كما أنّ اتفاق الطائف دعا الى انتخاب مجلس نيابي خارج القيد الطائفي، وعلى افتراض حسن النوايا في البدايات إلا أن الطائفية قد استُعملت في غالب الأحيان  كواجهة لتحاصص الفساد. وإذا كان أمر إلغاء الطائفية يعود الى اللبنانيين ككل فإننا نقترح أن يُناقش المؤتمر خطوة صغيرة في هذا الإتجاه يقوم بها المغتربون ألا وهي أن تكون مقاعد المغتربين خارج القيد الطائفي ولدينا الكثير من الحجج في دعم هذا التوجه لا سيما تواجد المغتربين – بالإجمال – في ظل أنظمة مدنية ديمقراطية وولادة ونشؤء أجيال لهم لا تعرف معنى الطائفية.


6 طائفية مخففة
   إذا قرر المؤتمرون عدم تأييد تلك الخطوة  فإننا نقترح أن يُطالب المؤتمرُ مجلسَ الوزراء بأن لا يُحدد هو طائفية كل مقعد بل أن يترك ذلك للناخبين المغتربين، بمعنى أن الذين ينالون، من المرشحين، العدد الأكبر من الأصوات يحصلون على مقعد لطائفتهم بصرف النظر عن القارة التي يقيمون فيها شرط أن تحصل كل طائفة وكل دائرة على مقعد واحد فقط.


ليس اختصاصنا السياسة، ولكن كما قال أحدُهم : "ما اجتمع لبنانيان إلا وكانت السياسة ثالثهما" ونترك أمر إبداء الرأي في المحاور الأخرى لأهل الإختصاص.

أخيرا، نأمل – وهذه نقطة لا نعتقد أنها غائبة عن اهتمام المؤتمرين- أن تنبثق عن كل محور لجنة متابعة لحين انعقاد المؤتمر القادم حتى لايذهب الجهد سدىً ، وكل مؤتمر وأنتم بخير.