لبنان والمنطقة.. فرص الاستقرار والتحديات الكبرى
صالح حديفه
الثلاثاء 27 أيار 2025
بين ما تُظهره المنطقة من تحوّلات سياسية لافتة، وما تختزنه من إرث توتراتٍ مزمنةٍ، تعود سوريا إلى واجهة التفاعلات وهذه المرة من بوابة إعادة التموضع في موقع الشريك المحتمل بدلاً من الخصم المطلق، خصوصاً بعد اللقاء الذي جمع الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالرئيس السوري أحمد الشرع، والذي أعطى إشارة مفصلية في مسار التعاطي مع الملف السوري، وكانت قد سبقته، وتبعته لاحقاً سلسلة لقاءات وقرارات ومواقف أوروبية، أغلقت الباب على أكثر ردحٍ طويل من الزمن السوري المختلف، وفتحت الطريق نحو سياسة أكثر مرونة تجاه الوقائع التي فرضتها التحوّلات الميدانية في سوريا، لا سيما أنها ساهمت في إضعاف نفوذ الخصوم الإقليميين، وتحديدًا إيران.
ولهذا فإن اللقاء الأميركي-السوري يحمل في طيات نتائجه فرصًا جدية لاحتواء بؤر التوتر وتثبيت مساحات الاستقرار، شرط أن يُستثمر ضمن رؤية شاملة، لا أن يُوظّف في لعبة توازنات ظرفية، تضاف إلى ذلك الضرورة القصوى لإعادة بناء متكامل للواقع السوري الداخلي، سياسيًا واقتصاديًا وأمنياً واجتماعياً، في بلد خرج من أتون حرب كارثية بتوازنات جديدة وهواجس قديمة.
مسؤولية طرح الأسئلة الصعبة
إن هذه التبدلات الجارية في المنطقة لا تعفي أحدًا من مسؤولية طرح الأسئلة الصعبة، بل بالعكس تجعل المسؤولية مضاعفة، وتفرض أيضًا خطابًا جديدًا يقوم على فهم مآلات المرحلة. وإذا كانت واشنطن قد قررت مقاربة سوريا بعين مختلفة ربما بضغط خليجي، فإن العواصم المعنية في الخليج مدعوة لترجمة هذا الانفتاح إلى مبادرات تُنتج حلولًا مستديمة.
وهنا أيضاً، يبرز موقع لبنان في هذه الفسيفساء الإقليمية. إذ في ظل هذا الواقع الجديد تبدو الساحة اللبنانية أمام لحظة انتقالية دقيقة، تتطلّب إدارة ذكية للفرص والتحديات وتقع المسؤولية فيها على إدارة الرئيس جوزف عون لملفات هذه المرحلة، وعلى دور حكومة نواف سلام في إنتاج الحلول الاقتصادية والسياسية والأمنية. فلا حاجة إلى أوهام بأن حلّ الأزمات اللبنانية يكون فقط من الخارج، مثلما لا يمكن إنكار أن الاستفادة من الواقع الدولي يفتح نافذة يمكن من خلالها للبنان أن يتقدّم خطوات نحو التماسك الداخلي والتعافي.
وبوجود الرئيس عون، بما يمثّله من رمز للمؤسسة الوطنية الجامعة، وما يحظى به من ثقة عربية ودولية متزايدة، وبوجود الحكومة التي تحظى بدعم سياسي من شركاء لبنان، فإن الفرصة سانحة والإمكانية موجودة لاستعادة بعض من الدور والدينامية التي افتقدها البلد في السنوات الماضية. والمطلوب إزاء ذلك براغماتية مسؤولة تستثمر التحولات لا لتأجيج صراعٍ محاور داخلي جديد، بل لفرض منطق الدولة في الداخل، وتعزيز مناعة الاستقرار.
الحوار بين القوى السياسية
ولأجل كل ذلك، على اللبنانيين اليوم الشروع في أكثر من مجرد حوار بين القوى السياسية، فتجارب السنوات الماضية أظهرت محدودية الحوار إذا بقي من دون آليات تنفيذ وإرادة فعلية لتحقيق نتائج. من هنا، تبرز الحاجة إلى إطار وطني جامع، بضمانات داخلية ومواكبة عربية، يؤسس لتفاهمات واضحة تُترجم إلى إجراءات تنفيذية ترفع مستوى الثقة، وتُعيد انتظام المؤسسات، وتفتح الطريق أمام معالجة الملفات الخلافية، وخصوصًا ما يتصل بالسلاح والاستراتيجية الدفاعية.
إن الانتقال الضروري والمطلوب بأسرع وقت نحو معالجة كل ذلك، تبدأ بنزع أي فتيل للاحتقان لا بتجاهل وقائع أساسية، ولا باستنساخ صيغ فشلت سابقًا، ثم بتوفير مناخ داخلي يُطمئن الجميع بأن الدولة وحدها هي المظلّة الضامنة للجميع، وتطبيق ذلك قولاً وفعلاً.
المصدر: المدن