بيروت الرابع من آب: حضرت الذكرى وغابت المشهديّة
بتول يزبك
الإثنين 5 آب 2024
أربع سنواتٍ انقضت على التفجير الذي شطر العاصمة. وكما هو أي عبء أخلاقيّ، نزل اللّبنانيون إلى الشارع العامّ، إحياءً للذكرى الرابعة لتفجير مرفأ بيروت في الرابع من آب، إحياءً للذكرى الموضبة، المنسيّة في "سوق القضايا اللّبنانيّة" العتيق والموحش. نزلوا لإحياء ذكرى حضرت، وغابت مشهديتها في فضاءٍ عمرانيّ تبدلت ملامحه ورُقعت على غرار الأسطورة اللّبنانيّة: بانتصار الحياة على الموت، وبترقيع التشوه بجمالياتٍ مشوّهة وملوثة أكثر منه. نزل اللبنانيون، لاستذكار جرح المدينة المُندمل، وفي صدورهم وبيوتهم وذاكرتهم جرح الواقعة الدمويّة الذي لم يندمل.
في هذا العامّ، تضاءلت مجدّدًا أعداد المتظاهرين والسّائرين في ركب العدالة لضحايا التفجير، وضحايا الجريمة المفتعلة، وأُقيم على غرار السّنة الفائتة، البرنامج نفسه الذي تحول إلى حلقةٍ مفرغة من المطالبات المُحقّة فعلًا وغير المسموعة أبدًا.
مسيرتان نحو المرفأ
حوالى السّاعة الثالثة بعد الظهر، بدأ أهالي ضحايا التفجير والجرحى والمتضرّرون بالتجمهر في محيط ساحة الشهداء، ومقرّ فوج الإطفاء في محلة الكرنتينا المحاذية للمرفأ، وشاركهم مئات من المتظاهرين من المجتمع المدنيّ والأهليّ، وانطلقوا عند السّاعة الخامسة إلًا قليلًا في مسيرتين ومن مركزيّ التجمع باتجاه موقع التفجير، مقابل الإهراءات. وعند الخامسة والنصف وعلى وقع الأغاني والأهازيج وصلت المسيرتان في التوقيت نفسه، يتقدمها أهالي الضحايا المتشحين بالسواد ومن حملة صور ذويهم الذين سقطوا في التفجير، كما ورُفع علم لبنانيّ ضخم مُلطخ بالدماء، فوق آلية فوج الإطفاء. وتقدم موكب أهالي الضحايا سيارات الإسعاف وشاحنات الإطفاء، بمشهديّة كئيبة مهيبة. واصطف على جنبهم الجمهور، وصدح دوي الأغاني الوطنيّة في مكبرات الصوت، وتُليت أسماء الضحايا من المدنيين والعسكر وفوج الدفاع المدني.
وفيما لم تحظَ التظاهرة السّنوية بالجماهريّة نفسها، بيّد أن طريق الجميزة - مار مخايل بقيّ سالكًا للسيارات العابرة، وكذلك الجهة المقابلة للأوتستراد العامّ، أما المُعتاد فكان إقفال المحال التجاريّة والمطاعم طيلة النهار، حدادًا. أما في محيط المرفأ فتكثفت الإجراءات الأمنيّة، وحضرت قوات مكافحة الشغب، إلا أن الحاضرين لم يكونوا بالعدد والكثافة المتوقعة، فالتظاهرة النصف المليونيّة التّي أعقبت الذكرى الأولى وتزامنت معها، كانت خجولة اليوم، بالبرنامج نفسه والمطالبات نفسها بالعدالة والحقيقة. وهذا هو الأمر الطبيعيّ والبديهيّ بظلّ بقاء الملف على حاله منذ الذكرى الأولى للآن، من دون أي حلحلة.
وتُليت البيانات والخطابات باللغتين العربيّة والانجليزيّة، بداية من تجمع أهالي الضحايا وصولاً للمحامين، المُطالبين بتشكيل لجنة دوليّة لتقصي حقيقة ما حصل، ووقف العرقلة الحاصلة في القضاء. وحضرت الحرب على غزّة والجنوب اللّبنانيّ في الذكرى، وسط توجيه اللوم لحزب الله في مسؤوليته المباشرة في الواقعتين، التفجير، والنكبة الملمة بالجنوب حاليًّا، مع تلميحاتٍ حول اعتبار التفجير هو ضربة إسرائيليّة حاول الحزب التنصل من مسؤوليته ودوره فيها. وأشار الأهالي لكون قضيتهم ورغم كل المحاولات لن تسقط بالتقادم، مؤكدين على سعيهم الدؤوب لمعرفة حقيقة ما جرى ولو بعد حين.
المصدر: المدن