لبنان في العالم
ازمة النازحين من المسؤول؟ .

غادة حاطوم

الثلاثاء 7 أيار 2024

النازحون أزمة عاتية تعانيها معظم دول المشرق العربي. هي في الأساس من صنع دول مخطط سايكس- بيكو (بريطانيا وفرنسا) إلاّ أن دولاً اخرى أبرزها الولايات المتحدة  شاركت في صنعها.
 
 
مخطط سايكس-بيكو (1917) انطوى في البدء على محورين سياسي وديموغرافي. المحور السياسي قضى بتقسيم ميراث السلطنة العثمانية المنهزمة في الحرب العالمية الأولى 1914- 1918والمنسحبة من بلاد الشام وبلاد الرافدين والحجاز واليمن الى إقامة دول لبنان وسوريا والعراق والأردن والحجاز، وبإنسحابها من اليمن الساحلي مكّنت اليمن السعيد بإستقلاله من ضمه الى دولته.
 
 
فلسطين احتلها الإستعمار البريطاني الذي انتدب نفسه على العراق والاردن ايضاً . فرنسا انتدبت نفسها على لبنان وسوريا . وكانت بريطانيا قد أعلنت وعد بلفور الذي منح بموجبه اليهود "الحق" بوطن قومي لهم في فلسطين، ثم ما لبثت ان انسحبت من فلسطين سنة 1948 لتمكين اليهود الصهاينة من إقامة دولة لهم فيها.
 
 
المحور الديمغرافي انطوى على سياسات وخطط قضت بتقسيم كلٍّ من لبنان وسوريا والعراق الى مناطق ذات طابع طائفي ومذهبي غالب. 
 
 
المثير والمقلق ان كِلا الحكمين الفرنسي في لبنان وسوريا والبريطاني في العراق والاردن وفلسطين كانا يستخدمان القبائل والعشائر والطوائف والتجمعات المحلية الكائنة في مكان سيطرتهما الواحدة ضد الاخرى كي يوطدا سلطتهما ونفوذهما الأمر الذي عمّق العصبيات المحلية والطائفية والمذهبية وتسبّب في نزوح بعض الأقليات من مناطق الى اخرى كانت الغالبية فيها من طائفة النازحين .
 
 
غير ان الطامة الكبرى حدثت بعد ذلك في كلٍّ من العراق وسوريا. ففي العراق، اعقب الغزو الأميركي لإسقاط نظام صدام حسين سنة 2003 عزفٌ شديد على الأوتار الطائفية والمذهبية ما تسبّب في نزوح جماعات كبيرة من  قبائل ومذاهب متعددة من منطقة الى اخرى، الامر نفسه حدث في سوريا في أعقاب التدخل الاميركي سنة 2011 حيث جرى إستجلاب مجموعات إسلاموية من الخارج متحالفة مع شبيهات لها في الداخل لمحاربة الحكومة المركزية في دمشق، كما لمحاربة مجموعات اخرى ذات طابع سياسي او مذهبي مغاير تسبّب بحرب اهلية دامت اكثر من سبع سنوات الى ان استعادت الحكومة المركزية سيطرتها على معظم المناطق التي كانت مسرحاً لإشتباكات عسكرية طويلة خلّفت أضراراً بشرية ومادية كثيرة وباهظة.
 
 
في لبنان، اندلعت إضطرابات دامية خلفت أضراراً من نوعين: الأول مصدره اصطدامات طائفية سنة 1975 تطورت الى حرب اهلية  لم تتوقف إلاّ بعد إقرار اتفاق الوفاق الوطني في الطائف (السعودية) سنة 1989 . الثاني مصدره نزوح جماعات من المسيحيين والمسلمين من مناطق كانوا يشكّلون فيها أقلية الى اخرى يشكّلون فيها اكثرية.
 
 
زاد الطين بلّة، ان الحرب الأهلية في سوريا تسبّبت بتردي الأوضاع الإقتصادية والبطالة وبالتالي الى هجرة لأقل من ثلاثة ملايين سوري الى لبنان ما تسبّب بتعميق الأزمة الاقتصادية والمعيشية المستشرية اصلاً.
 
 
في فلسطين، لم تتورع "اسرائيل" بدعمٍ من الولايات المتحدة عن تدمير أقسامٍ واسعة من المدن والبلدات في قطاع غزة وتهجير سكانها الى جنوب القطاع والعمل بلا هوادة لتهجيرهم الى صحراء سيناء المصرية ، كما العمل بالوتيرة نفسها لتهجير سكان الضفة الغربية الى الأردن .
 
 
يتضح من مجمل ما تقدّم بيانه ان لبريطانيا وفرنسا، كما للولايات المتحدة، إسهام قديم وواسع وعنيف في أزمة النازحين التي يشكو منها لبنان وفلسطين خصوصاً وسائر دول المشرق العربي عموماً الأمر الذي يستوجب تحميلها مسؤولية الأضرار التي لحقت وتلحق بالنازحين في الدول التي نزحوا منها او اليها.
 
 
من المفارقات المضحكة المبكية ان إحدى دول ساكيس-بيكو ، فرنسا ، أخذت تشكو من مخاطر نزوح النازحين السوريين اليها فتظلّمت اخيراً الى الاتحاد الاوروبي الذي قام بإيفاد رئيسة المفوضية الاوروبية اورسولا فون دورلاين برفقة الرئيس القبرصي نبكوس خريستو دوليسيدس الى لبنان بغية الضغط على حكومته لتشديد تدابيرها الهادفة الى منع النازحين السوريين من التوجه بحراً الى قبرص وفرنسا وسائر الدول الاوروبية المتوسطية. غير ان المسؤولة الأوروبية لم تنسَى ان ما تطلبه من الحكومة اللبنانية لا يمكن أن يؤتي ثماره بلا ثمن، فكان أن أعلنت إعتزام الاتحاد الأوروبي دعم لبنان بمبلغ مليار يورو على 4 سنوات كي توزّع على "دعم الخدمات الأساسية" للفئات الأكثر ضعفاً بمن فيهم اللاجئون والمهجرون داخلياً والمجتمعات المضيفة، والمساندة في الإصلاحات التي يطلبها صندوق النقد الدولي، ودعم ادارة الحدود والهجرة ، وتعزيز الدعم المقدم للجيش اللبناني".
 
 
هذه المساعدات الهزيلة اعتبرتها الدوائر الرسمية كما القوى الوطنية في لبنان مجرد رشوة لضمان السكوت عن سياسة اوروبا  التي تدعمها اميركا والقاضية بالضغط على لبنان لإبقاء النازحين السوريين في ربوعه، والعمل على توطينهم فيها للحؤول دون نزوحهم الى دول اوروبا والتسبّب  بإزدياد منافسة الأيدي العاملة الاوروبية.
 
 
هذا في لبنان وسوريا، اما في فلسطين فقد إنبرت الولايات المتحدة الى "مساعدة" النازحين بإلقاء حِزَم الأغذية من الجو على شاطيء غزة حيث يقع بعضها على رؤوس الفتيان المتنافسين على تلقيها فيقتل بعضهم وتقوم القوات الاسرائيلية بحصد بعضهم الآخر بعدما وجدت في تجمّعهم على الشاطيء لتلقي رزم الغذاء مصيدةً مناسبة لقتل الكثير منهم.
 
 
ان مشكلة النازحين في اي دولة عربية مشرقية اليوم ليست محلية بل هي جزء من مشكلة عربية عامة، وعلى الحكومات العربية المتضررة من عمليات النزوح المتواصلة ان تتفق فيما بينها على سياسة تقوم بموجبها بتحميل دول فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة مسؤولية الأضرار البشرية والمادية الناجمة عنها، وان تقوم تالياً بصرف التعويضات المتوجبة في هذا السبيل. كما يجب الضغط على حكومات اوروبا واميركا كي تضغط بدورها على الأمم المتحدة ومؤسساتها ذات الصلة كي تعدّل شروط المساعدات المالية التي تدفعها للنازحين السوريين في لبنان بحيث يكون تسديدها اليهم مشروطاً بعودتهم الى الإقامة في مناطق سكنهم الاصلية بسوريا. ذلك ان تسديدها في لبنان يشجعهم على البقاء والتوطّن فيه، ويخدم سياسة دول اوروبا واميركا الساعية الى توطينهم في لبنان وإيجاد ميزان ديموغرافي جديد في البلاد من شأنه التسبّب بنزاعات بين قيادات  الطوائف المتصارعة على السلطة والنفوذ من جهة، ومن جهة اخرى بدعم نفوذ بعض القيادات التي تمانع بإعتماد سياسة توطين النازحين السوريين كونهم من غالبية مذهبية معينة.
 
 
الحقيقة ان المنظومات الحاكمة في معظم عالم العرب لا يُرتجي منها مبادرة فاعلة. لذا يجدر بالقوى الوطنية والنهضوية الحيّة المبادرة للضغط عليها كي تتوافق وتتضامن بغية الضغط على دول اوروبا واميركا والأمم المتحدة لتسهيل إعادة النازحين الى ديارهم من جهة، ومن جهة اخرى بغية إقامة صندوق عربي للإغاثة والرعاية الاجتماعية تموّله الدول العربية المتضررة من النزوح تصديراً واستقبالاً والدول النفطية الغنية كي يسهم بدورٍ في عملية إعادة موضعة النازحين في ديارهم.
 
 
نعم ، على دول سايكس-بيكو واميركا ان تعوّض النازحين العرب في ديارهم المشرقية الأضرار التي ألحقتها بهم نتيجة سياستها الإستعمارية البغيضة.