لبنان في العالم
بارولين والزرع بين الشوك:أي رئيس أفضل من خسارة الموقع!

دنيز عطالله

السبت 22 حزيران 2024

يترقّب كثيرون زيارة أمين سر دولة الفاتيكان بيترو بارولين إلى لبنان، التي تبدأ يوم الأحد المقبل. على المحك ملفات شديدة التعقيد والخطورة، تبدأ من انتخاب رئيس ماروني للجمهورية، وتمر على واقع النزوح السوري وهجرة المسيحيين، ولا تنتهي بالخطر المتزايد للحرب على لبنان. وفي كل تلك الملفات لدى الفاتيكان ما تقوله.
 
 
بالأمس، كرر بارولين في لقاء عُقد في مقر مجلس الشيوخ الإيطالي تحت عنوان "محادثات من أجل السلام" أن زيارته إلى لبنان "لن تكون زيارة دبلوماسية ولا مهمة من أجل السلام في الأرض المقدسة، في ضوء التطورات الأمنية في المنطقة".
 
أزمة 360 درجة
 
 
لم يفت بارولين أن يشير إلى أن "البلاد تعاني من أزمة على مختلف الأصعدة 360 درجة، وسنحاول العمل قليلاً للمساعدة كما فعلتْ، وتفعل دائماً، ديبلوماسية الكرسي الرسولي للإسهام في التوصل إلى حل مؤسساتيّ".
 
وتؤكد مصادر متقاطعة، أنه وعلى الرغم من "كثافة الملفات وأولوياتها المتوازية، إلاّ أن ملف انتخاب رئيس للجمهورية يتصدر الاهتمام الفاتيكاني. وهو ما سيكون محور اللقاء بين بارولين ورئيس حكومة تصريف الأعمال، نجيب ميقاتي، ورئيس مجلس النواب، نبيه برّي".
 
لكن أي مقاربة يحملها معه بارولين وهل تتضمن طرحاً جديداً؟
 
لا يملك أحدٌ إجابة يقينية على السؤال، ولا حتى في السفارة البابوية، التي اعتذرت عن تحديد أي موعد لبارولين سوى ما تم تحضيره مسبقاً.
 
ومعروف أن الديبلوماسية الفاتيكانية لا تعقد اجتماعات معلنة من دون تحديد إطارها، مع أرجحية الخروج بتوافق، أقله، حول بعض نقاطها.
 
فإضافة إلى الاحتفال الذي ينظمه "فرسان مالطا"، ولقاء ميقاتي وبرّي، سيزور بارولين بكركي، حيث سيلتقي البطريرك بشارة الراعي وجميع المطارنة الموارنة، ومنهم كثر من لم يعودوا إلى أبرشياتهم في الخارج بعد اجتماع السينودس السنوي، من أجل هذا اللقاء. كذلك سيجتمع بارولين بمجلس الأساقفة الكاثوليك مستمعاً وناصحاً.
 
صحيح أن الديبلوماسية الفاتيكانية متكتمة على مضمون زيارة بارولين ومقترحاته، إلاّ أن القراءة الفاتيكانية لكيفية معالجة واقع الأزمة اللبنانية بدأت تتغير مع استمرار الشغور في رئاسة الجمهورية لنحو سنتين.
 
أي رئيس ماروني!
 
 
الفاتيكان المقتنع و"المنحاز" إلى طروحات "السياديين" في لبنان، و"تحفظه" على نشاط ودور حزب الله وسلاحه، بلغ مستوى من الخوف على لبنان والحضور المسيحي فيه حدّاً "وجب معه إيجاد حلول بالحد الأدنى الممكن، في انتظار تغيير الظروف"، على ما تتقاطع عنده المعلومات.
 
في هذا السياق، يتصدر انتخاب رئيس للجمهورية اهتمام الفاتيكان. فهي تتخوف من أن يطول الفراغ فيزداد تحلل الدولة والمؤسسات، حصن المسيحيين الأول والأخير، فيجدون أنفسهم يقدمون التنازلات، أو يُجبرون عليها، سواء في المناصب العامة أو في موقع الرئاسة نفسه. وبالتالي، يدور الهمس بإمكانية أن تقبل الفاتيكان بـ"أي رئيس ماروني"، ولو لم يكن ينطبق على معاييرها وطموحات "السياديين"، خوفاً من ضياع الرئاسة والبلد، وبانتظار.. أيام وظروف أفضل.
 
فقلق الفاتيكان من هجرة المسيحيين من لبنان، لاسيما الشباب منهم، معطوفاً على الانتقادات الكبيرة التي تطال الكنيسة، خصوصاً على المستوى الاجتماعي (المدارس والمستشفيات وإدارة الأراضي..) جعلت الخوف من "الانهيار الذي لا عودة منه" هاجساً مقيماً، تسهل معه التضحيات.  
 
بكركي والزرع بين الأشواك
 
 
بكركي، التي لا تعرف عن محتوى زيارة بارولين أكثر مما هو متداول، تريد أن "تستفيد وتُفيد" منها. لذا يتم التداول في أكثر من فكرة ومبادرة للقاءات واجتماعات تعقد تحت عباءتها، إلاّ أن شيئاً لم ينضج بعد.
 
 
وإذا كانت بكركي ملزمة عن اختيار وقناعة، وحسب القوانين الكنسية، بـ"طاعة" الفاتيكان، فانها تعرف جيداً أن لا "سلطة فعلية" للأخيرة على المسؤولين السياسيين المسيحيين خارج البعد الإيماني الكنسي. وبالتالي، سيقدم الزعماء المسيحيون كل تقدير واحترام للزائر من دون أن يقدموا أي طرح، خصوصاً انهم جميعاً يفترضون "أن عليه هو أن يكون مبادراً". أما التلميح الضمني بالقبول بـ"أي رئيس" خوفاً من استمرار الفراغ وصولاً إلى الانهيار، فجوابهم حاضر عن "تجربة الرئيس ميشال عون و.. جهنم".  
 
يعرف هؤلاء أن "علاقات الفاتيكان الدولية هي أقوى أسلحتها التي يحتاجونها، لكنهم بالتجربة يعرفون كذلك أن أجندة الفاتيكان وحساباتها، لا تتطابق غالباً مع مشاغلهم وحساباتهم وصراعاتهم الداخلية".
 
صحيح أن لدى دولة الفاتيكان الكثير مما تريد قوله حول الأزمات اللبنانية؛ لكن الصحيح أيضاً أنها كمثل الزارع  في إنجيل متى الذي "خرج ليزرع، فسقط بعضٌ على الطريق، وسقط آخر على الشوك، فطلع الشوك وخنقه"؛ وبالتالي، ستنتظر الفاتيكان "الأرض الجيدة لتعطي ثمراً" ولن تلقي زرعها بين أشواك الاستعصاء المسيحي والعجز الوطني. وسيؤكد بارولين مجدداً: "هي زيارة رعوية".
 
 
المصدر: المدن