لبنان في العالم
"هبج" الرئاسة في حمأة التوتّر الإقليمي

وليد شقير

الأربعاء 9 آب 2023

هل تحوّل المأزق اللبناني والفراغ الرئاسي إلى جزء يستحيل فصله عن تصاعد التجاذب الإقليمي وعن الصراع الدولي الذي تشهده المنطقة، منذ أسابيع، بحيث يتشاءم معظم الأوساط السياسية بإمكان إحداث خرق في الانسداد السياسي في القريب المنظور؟
 
لم يعد خافياً بأنّ ما يشهده لبنان بعد سلسلة التطورات السلبية يعكس تبدلاً في منحى التهدئة ومناخ الاسترخاء اللذين نجما عن اتفاق بكين بين إيران والمملكة العربية السعودية في 10 آذار الماضي، الذي شكل صدمة إيجابية للبعض وسلبية للبعض الآخر. التشنجات الداخلية اللبنانية بقيت على حالها إثر اتفاق بكين، رغم دعوة بعض قوى الممانعة إلى الإفادة من أجواء التهدئة والميل نحو التسويات الذي أطلق اتفاق بكين التكهنات حولها.
 
وبعد ما يسميه البعض «انتهاء شهر العسل الإيراني السعودي» عادت التشنجات فتصاعدت أكثر. أحداث عين الحلوة الدموية نفسها هي وليدة التراجع في آمال انعكاسات التهدئة الإيرانية السعودية في الإقليم. هكذا يمكن فهم المغزى العميق الذي أراد عضو اللجنة المركزية لحركة «فتح» المكلف من الرئيس محمود عباس بأوضاع مخيمات لبنان عزام الأحمد، قوله في أحد تصريحاته بأنّ جهات إقليمية تقف خلف أحداث عين الحلوة.
 
إذا كانت مستجدات الصراع الإقليمي الدولي فرضت الانفجار الأمني في عين الحلوة، فليس مجافياً للحقيقة القول إن الاستحقاق الرئاسي اللبناني سيخضع أكثر فأكثر لتعقيدات هذا الصراع، من باب ترسيخ موقع لبنان كساحة لتبادل الضغوط والرسائل واللكمات بين معسكرين، ولا سيما بين إيران والولايات المتحدة الأميركية، وبين الأولى ودول الخليج. كان لبنان كذلك وسيبقى حتى إشعار آخر. فلا إيران ستقف متفرجة على سعي الولايات المتحدة إلى انتزاع الورقة الفلسطينية منها عبر مشروعها لتحقيق سلام سعودي إسرائيلي، رغم الصعوبات التي يواجهها بفعل الإصرار السعودي على نيل الفلسطينيين حقوقهم السياسية، ولا أميركا ستسمح بمحاولات طهران تقويض مشروعها، بانتزاع الاعتراف بما حصده تمددها، ولا السعودية ستترك طهران تستحوذ على المزيد من الأوراق وصولاً إلى نوع من السيطرة على مخيمات لبنان بانتزاع مرجعيتها عن طريق مجموعات إسلامية مشتتة، في إطار مشروعها توحيد الساحات، وصولاً إلى الإمساك مجدداً بالموقع الدستوري الأول في البلد، رئاسة الجمهورية...
 
قد يتساءل البعض ما العلاقة بين دفع أميركا بقواتها في الخليج العربي وبحر عُمان من طرادات وحاملات طائرات مقاتلة، وإصرار طهران على أنّ أمن المجال البحري يقع على دول الجوار من دون تدخل الولايات المتحدة... وبين اختيار هذا المرشح أو ذاك للرئاسة في لبنان. إلا أنّ القوى المتصارعة تعرف أكثر من غيرها أنّ مبدأ توحيد الساحات يشمل الإمساك بالقرار السياسي في قمة السلطة فيها بعد استثمار على مدى عقود في تغيير موازين القوى بالحديد والنار، جعلت رموز «الممانعة يعتبرون أنّ الوضع في الإقليم «لصالحنا». وهذا ما يقحم لبنان ورئاسته في حمأة النسخة الجديدة من الصراع إلى ذروة مقبلة، ويضعه في صلب مخاطر انزلاق نحو مواجهة مع «وكيل» أميركا، إسرائيل، مجدداً...
 
في هذا الخضم هناك من فهم حاجة «حزب الله» القصوى إلى الإمساك بالقرار اللبناني على أنّها فرصته من أجل انتزاع مكاسب ومنافع منه على القياس اللبناني الصغير والطائفي، مثلما فعل في العهد الرئاسي السابق، مقابل التسليم له بقمة السلطة. وهذا ما يفعله رئيس «التيار الوطني الحر» النائب جبران باسيل عبر طرحه على «الحزب» المقايضة بين تجيير أصوات كتلته النيابية لمصلحة مرشحع رئيس تيار «المردة» سليمان فرنجية وبين أهداف معلنة مثل اللامركزية الإدارية الموسعة والصندوق الإئتماني (المشروع المطروح في صدده قدمته كتلة حزب «القوات اللبنانية»)، وأخرى غير معلنة تحت غطاء «بناء الدولة» التي ساهم الحليفان شر مساهمة في هدمها وتحطيم بقاياها. فالمقصود ببنائها حصد تعيينات في مناصب عليا للإمساك بمفاصل رئيسة فيها...
 
جمهور «التيار الحر» لن يسائله حول تراجعه عن التقاطع مع المعارضة على مرشح غير فرنجية، بعد التعبئة الإعلامية بأنه سيحصل على مطلبين مهمَّين لفريقه. وكتلته النيابية لن تتوقف عند اضطرار بعضها إلى ممارسة تعاكس الحملات ضد فرنجية.
 
بينما يعتقد البعض أنّ هذه المقايضة لن تنجح، لأنّها تقحم البلد في الصراع الإقليمي والدولي الكبير في شكل لا يحتمله، هناك من لا يستبعد أن يحفّز هذا الصراع الحليفين على محاولة «هبج» الرئاسة والمكاسب من وراء التنازل العوني، طالما يؤدي اتفاق «الحزب» مع «التيار» إلى ضمان 65 صوتاً لمصلحة فرنجية في الدورة الثانية من الاقتراع، لأنّ أياً من فرقاء المعارضة لن يتمكن من إسقاط النصاب للحؤول دون ذلك...
 
ينتظر «حزب الله» ورقة خطية من «التيار الحر» تشرح تفاصيل المقابل الذي اقترحه باسيل. وهو يفضل نصاً مكتوباً للاتفاق المحتمل الذي عرضه باسيل، لم ينجزها «التيار» بعد، ليتسلمها قادة «الحزب» ويبنوا على الشيء مقتضاه.
 
 
 
المصدر: نداء الوطن