أحداث الجنوب "تقسّم" اللبنانيين... ماذا لو وقعت الحرب؟!
النشرة
الإثنين 16 تشرين الأول 2023
لا يزال سيناريو اندلاع الحرب بين لبنان وإسرائيل، مُستبعَدًا بمعنى المواجهة المفتوحة، أي غير المحدودة ولا المضبوطة، ولو أنّ أسهمه ارتفعت نسبيًا بفعل الاعتداءات الإسرائيلية شبه اليومية على السيادة اللبنانية، والعمليات المتسلسلة التي ينفذها "حزب الله" في المقابل، خصوصًا في أعقاب القصف الإسرائيلي الذي استهدف الصحافيين الميدانيين بشكل مباشر قبل أيام، وما أعقبه من استهداف مباشر أيضًا للمدنيين، بلا أيّ رادع.
وإذا كان اللبنانيون اتفقوا على "إدانة" جريمة "اغتيال" المصوّر عصام عبد الله، التي جاءت لتعبّر مرّة أخرى عن تجاهل الإسرائيليّين لكل القوانين والمواثيق الدولية، والتي تجمع على ضرورة حماية الصحافيين الذين يقومون بواجبهم المهني في تغطية بؤر الصراع والتوتر، فإنّهم لم يتّفقوا حتى الآن، على ما يبدو، على مقاربة "موحّدة" للأحداث المتسارعة في الجنوب، تمامًا كما يختلفون على قراءة أبعاد عملية "طوفان الأقصى" وانعكاساتها المفترضة داخليًا.
فبين اللبنانيين من يعتبر أنّ التوتر القائم في الجنوب هو جزء من معركة "طوفان الأقصى"، وأنّ لبنان لا يستطيع أن يقف "على الحياد" في الصراع القائم "بين الحق والباطل"، بل إنّ بين هؤلاء من يدعو صراحة لتطبيق نظرية "وحدة الساحات" من البوابة اللبنانية، لكن بين اللبنانيين في المقابل، من يحذّر ممّا يسمّيه "توريط" لبنان في حروب لا ناقة له فيها ولا جمل، محمّلين "حزب الله" مسؤولية أيّ "مغامرة غير محسوبة" قد يجرّ البلاد إليها.
وعلى وقع هذا الانقسام العموديّ الذي أعاد جدليّة "قرار الحرب والسلم" في البلاد إلى صلب النقاش السياسي الدائر، تزامنًا مع "اشتعال" جبهة الجنوب بعمليات المقاومة والقصف الإسرائيليّ المضاد، يصبح السؤال أكثر من مشروع، فماذا لو افترضنا أنّ الحرب وقعت اليوم؟ كيف يمكن للبنانيين مواجهتها والتصدّي لها؟ هل يضعون خلافاتهم جانبًا، ويختارون تحصين "وحدتهم الوطنية"، بوصفها السلاح "الأمتن" لمواجهة الحروب والكوارث؟.
في المبدأ، يقول العارفون إنّ كلّ المؤشرات لا تَشي بأنّ سيناريو الحرب بات "واقعًا"، كما يحلو للبعض الإيحاء، ولو صحّ الافتراض أنّه أضحى "أقرب من أيّ وقت مضى"، وتحديدًا منذ انتهاء حرب تموز 2006 إلى اليوم، خصوصًا أنّ أيّ يوم لا يكاد يمرّ من دون أن يحمل معه تطورًا ما على الجبهة الجنوبية، أو بالحدّ الأدنى "شبهات" حول حدث أمني ما، تعكس في جانب منها الاستنفار الإسرائيلي، بل لعلّه الإرباك غير المسبوق منذ سنوات طويلة.
صحيح أنّ كثيرين يعتبرون هذا الأمر دليلاً كافيًا على أنّ "الحرب واقعة"، بل يستغربون السؤال عمّا إذا كانت الجبهة الجنوبية "قابلة للاشتعال"، إذ إنّها برأيهم "اشتعلت"، ولم يعد الأمر عبارة عن "تكهّنات وتقديرات"، إلا إذا كان القصف الإسرائيلي اليوميّ للأراضي اللبنانية بسبب ومن دون سبب، وصولاً لحدّ استهداف الإعلاميين والمدنيين بشكل مباشر، وليس مقاتلي "حزب الله" فحسب، جزءًا من "قواعد الاشتباك" المعمول بها منذ العام 2006.
لكنّ الصحيح أيضًا أنّ سيناريو "الحرب المفتوحة"، على طريقة "حرب تموز 2006" مثلاً، أو حتى الحرب الدائرة حاليًا في غزة، لا يزال مُستبعَدًا وفق العارفين، أقلّه لغاية تاريخه، إن لم تطرأ مستجدّات تفرضه، وذلك للعديد من الأسباب والاعتبارات، أولها أنّ ما يحصل حاليًا، وإن خرج عن الضوابط المرسومة، لا يزال "مضبوطًا" في المقابل بعدم الرغبة بتوسيع إطار الاشتباك، خصوصًا لجهة توسيع "الأفق الجغرافي" للمعركة.
يقول العارفون إنّ الطرفين، أيّ الجيش الإسرائيلي و"حزب الله"، ليسا متحمّسَين للحرب في الظرف الحالي، ولو أكدا أنّهما "جاهزان لخوضها في أيّ وقت"، فالإسرائيليون لا يزالون عاجزين عن "استيعاب الصدمة" التي خلّفتها عملية "طوفان الأقصى"، وآخر ما يسعون إليه هو فتح "جبهة ثانية" مع "حزب الله" المتفوّق بنظرهم على "كتائب القسام"، ولعلّ رسائل "الردع" التي يحاولون إيصالها للحزب دليل كافٍ على سعيهم لتجنّب الحرب.
في المقابل، يبدو "حزب الله" محكومًا بالعديد من المعطيات، بينها الواقع اللبناني المتأزّم، وبيئته الحاضنة في صلبها، بما يمنعه من المبادرة إلى الحرب، ولا سيما أنّ دوره حتى الآن يقتصر على "المساندة المعنوية" للفلسطينيين، مع "إلهاء" الإسرائيلي بين الفينة والأخرى، بعيدًا عن "خوض الحرب" بالوكالة أو الأصالة عنهم، خصوصًا أنّ فصائل المقاومة التي باغتت العدو وفاجأته لا تزال حتى الآن تمسك بزمام المبادرة.
مع ذلك، ثمّة من يقول إنّ سيناريو الحرب قد يصبح "أمرًا واقعًا" ولو رفضه الجميع، فالأمور قد تخرج عن السيطرة في أيّ لحظة، إذا ما استمرّت وتيرة العمليات في الجنوب على حالها، كما أنّ هناك من يعتقد أنّ "حزب الله" لن يقف مكتوف الأيدي، إذا ما اجتاحت القوات الإسرائيلية قطاع غزة، ووصلت لحدّ ارتكاب "الإبادة" بحق سكانه، فهل من يمتلك الإجابة على السؤال الكبير: ماذا لو توسّعت رقعة الحرب، ووصلت فعليًا إلى لبنان؟!.
قد تكون الإجابة صعبة، أو ربما مُرّة، في ظلّ الانقسام "العمودي" للبنانيين، والذي يتجلّى بوضوح في السجالات "الدونكيشوتية" التي شهدها الأسبوع الماضي بعيدًا عن أيّ منطق، ففي وقت كان الدم يسيل ليس في غزة فحسب، بل في جنوب لبنان أيضًا، كان هناك من يجد الظرف مثاليًا لتصفية الحسابات، بما يربك "الجبهة الداخلية" بدل أن يقوّيها، بالتزامن مع فتح النقاش الجوهري القديم الجديد حول "مركزية قرار الحرب والسلم".
ولعلّ هذه الفكرة بالتحديد من شأنها أن تفتح النقاش حول "نقطة الضعف" الأكبر في مواجهة لبنان لاحتمال الحرب، بلا رأس للدولة، وبحكومة مستقيلة منذ أشهر طويلة، ففي حين سارع الإسرائيليون مثلاً للقفز فوق خلافاتهم لتشكيل حكومة وحدة وطنية، أو "حكومة حرب" كما يجوز وصفها، كان استحقاق الرئاسة المؤجَّل في لبنان يُجمَّد، بل إنّ هناك من قرّر التفكير علنًا بـ"تقريش" نتائج الحرب في غزة لصالح مرشحه للرئاسة.
قد لا تقع الحرب اليوم، ولا غدًا. هذا ما يتمنّاه معظم اللبنانيين، وهذا ما توحي به الوقائع "الحربيّة"، على دقّتها، حتى الساعة، ولو أنّ التطورات الدراماتيكية التي شهدها الأسبوع الماضي، لا تقلّ خطرًا، في العمق. لكن، وسط هذه المعمعة، يبقى الثابت الوحيد، أنّه إذا كان "حزب الله" جاهزًا بالعديد والعتاد للحرب كما يؤكد دومًا، فإنّ اللبنانيين ليسوا جاهزين، بالحدّ الأدنى من "الحصانة الوطنية"، وهنا الطامة الكبرى!.