"الخيار الثالث" متعذّر... كلّ فريق يفهمه "على هواه"!
النشرة
الجمعة 13 تشرين الأول 2023
صحيح أنّ ملف الانتخابات الرئاسية تراجع في "سلّم الاهتمام" خلال الأسبوع الماضي، ليتقدّم عليه ملف النزوح السوري غير المستجدّ، ولو أنّ البعض استفاق فجأة لـ"حساسيّة" مرتبطة به لم يكن مدركًا لها في السابق، قبل أن تتقدّم على الإثنين التطورات الدراماتيكية وغير المسبوقة في الأراضي الفلسطينية، على وقع عملية "طوفان الأقصى" المفاجئة شكلاً ومضمونًا، وسط تساؤلات عن إمكانية دخول لبنان في قلب "المواجهة"، بشكل أو بآخر.
لكنّ الصحيح أيضًا أنّ الاتصالات السياسية حول الملف الرئاسي لم تتوقف خلف الكواليس، وإن لم تُفرِز حتى الآن "نضوجًا" في المعطيات، يفتح الأفق أمام خرق ما، أو بالحدّ الأدنى حركة منتظرة من الوسطاء الإقليميين والدوليين. فعلى الرغم من أنّ الموفد الرئاسي الفرنسي جان إيف لودريان غادر لبنان على "وعدٍ بالعودة القريبة"، وعلى الرغم من أنّ الجانب القطري الذي استلم "زمام المبادرة" من الفرنسيين، ولو من دون إعلان رسمي، باشر اتصالاته، التي لم ترقَ بعد لمستوى "المبادرة"، إلا أنّ أيّ زيارة لا تبدو "مجدولة" للطرفين في القريب العاجل.
وفي حين "يتقاطع" الجانبان على "الخيار الثالث" الذي يبدو أنّه سيكون "شعار المرحلة" لبنانيًا، قد يكون مثيرًا للانتباه أنّ هذا "الخيار الثالث" يجد صداه في أدبيّات العديد من القوى السياسية، إن لم يكن معظمها، ولو أنّ المفارقة التي قد تكون "نافرة" هي أنّ كلّ فريق يقرأ هذا "الخيار الثالث" على هواه، فالمعارضة تعتبر أنّ مرشحها هو "الخيار الثالث"، فيما يختلف "التيار الوطني الحر" مع الآخرين في تحديد "الخيارين الأولين"، قبل الغوص في "الخيار الثالث".
أما "حزب الله" وحلفاؤه، فيبدو أنّهم عادوا إلى "التصلّب" الذي طبع مقاربتهم في الأشهر الأولى للاستحقاق، ليتمسّكوا بخيارٍ وحيد، "لا أول ولا ثانٍ ولا ثالث"، كما يقول المحسوبون عليهم، فمرشحهم هو "سليمان فرنجية، ثمّ سليمان فرنجية، ثمّ سليمان فرنجية"، ما يضع البلاد أمام المزيد من "التخبّط" على وقع "استقطاب عمودي" ينذر بأنّ الاستحقاق الرئاسي سيراوح نفسه، بل إنّ الأزمة ماضية إلى المزيد من التفاقم في المرحلة المقبلة.
لعلّ نظرة بسيطة إلى السجالات، أو ربما "المهاترات"، التي طبعت الأيام القليلة الماضية، تكفي للدلالة على "عمق" هذه الأزمة، ولو بدت بمجملها عبارة عن "ملهاة" في أحسن الأحوال لتضييع الوقت، بانتظار نضوج المعطيات، أو ربما وصول "كلمة السرّ" من الخارج، بعدما تبيّن أنّ "الرهان" الوحيد هو على الوساطات الإقليمية والدولية، "العاجزة" هي الأخرى، أمام "تصلّب" اللبنانيين، وتغليبهم منطق "النكايات المتبادلة" على مصلحة البلد.
في هذا السياق، تندرج الأزمة التي قد يصحّ وصفها بـ"المفتعلة" التي عاشتها البلاد، على خلفية كلمة عضو المجلس المركزي في "حزب الله" الشيخ نبيل قاووق حين انتقد من وصفهم بـ"جماعة التحدي والمواجهة"، قائلاً إنّهم أصبحوا "عبئًا ثقيلاً" على البلد، فتصدّى له المعارضون بالجملة، كاشفين عن مخطّط لدى "حزب الله" بـ"التخلّص منهم"، استنادًا إلى المنطق القائل بأنّ المرء عندما "يشخّص" عبئًا ثقيلاً، فيكون ذلك تمهيدًا للتخلّص منه.
وبسبب هذا التصريح الذي قد يكون "مجتزأ" فعلاً كما يقول أنصار "حزب الله"، ولا سيما أنّ الشيخ قاووق أكد في الكلمة نفسها سعي "الثنائي الشيعي" الدؤوب إلى حلّ الأزمة بالحوار والتفاهم، وقد لا يكون "بريئًا بالمُطلَق"، كما يقول خصوم "حزب الله"، دارت معركة "افتراضية" بكل ما للكلمة من معنى، "استُحضِر" معها شبح الاغتيالات، مع إيحاء خصوم الحزب بأنّ التصريح لم يكن سوى "تهديد صريح" بالعودة إلى مرحلة ما بعد 14 آذار 2005.
وعلى "شاكلة" هذا السجال "الدونكيشوتي" إن جاز التعبير، شهدت البلاد على "سجالات رئاسية" من نوع آخر، فخطاب الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصر الله أعطي تفسيرات قال البعض إنّها وقعت في فخّ "المبالغة"، ورئيس حزب "القوات اللبنانية" سمير جعجع رمى "كرة التعطيل" مجدّدًا في ملعب "حزب الله"، الرافض لمنطق "الخيار الثالث"، فيما اختار رئيس "التيار الوطني الحر" جبران باسيل "تصعيد" الهجوم على قائد الجيش، من بوابة ملف اللاجئين.
وسط كلّ هذه السجالات، كان "الخيار الثالث" يجد طريقه إلى الصالونات السياسية، بوصفه "المَدخَل المفترض" للحلّ، ولا سيما أنّ توافقًا ضمنيًا لاح في أفقه، بعد اجتماع "الخماسية الدولية" حول لبنان، وتصريحات الموفد الفرنسي المُعلنة والقطري المُضمَرة، وهو التوافق الذي اعتقد كثيرون أنّ "ترجمته" اللبنانية ستكون ميسّرة، وهو ما برز في الأقوال، قبل أن تفضح "التفاصيل" أنّ "الشياطين" لا تزال فعلاً كامنة خلفها.
فـ"الخيار الثالث" بالنسبة إلى المعارضة ليس سوى "جهاد أزعور"، كما تقول أوساط هذه القوى، التي تلفت إلى أنّ خيارها الأول كان ميشال معوض، وهو مرشحها الجدّي والفعليّ، في حين أنّ جهاد أزعور جاء بعد "تنازل" قدّمته هذه القوى من أجل الوصول إلى "تسوية" مع الفريق الآخر، علمًا أنّ بعض مكوّنات هذه المعارضة يذهب لحدّ القول إنّ معوض نفسه ليس خيارًا أول، في ظلّ وجود "أقطاب" داخل هذا الفريق كسمير جعجع وسامي الجميل.
ومع أنّ بعض هذه القوى أبدى "انفتاحًا" على البحث بخيار ثالث آخر، رغم هذه القناعة، وإن بدا ذلك "متناقضًا" مع رفضها المطلق للتحاور والتفاهم مع الخصوم، فإنّ "انفتاحها" اصطدم بتفسير الآخرين لـ"الخيار الثالث" كما فعل "التيار الوطني الحر"، الذي اعتبرت أوساطه أنّ الخيار الثالث ليس بين فرنجية ومعوض أو حتى أزعور، بل بين فرنجية وقائد الجيش جوزيف عون، الذي يعتقد كثيرون أنّه "الخيار الثالث" الجدّي المضمر.
وسط ذلك، لا تزال علامات استفهام تُطرَح حول موقف "حزب الله" الذي تشير بعض المعطيات إلى أنّه طوى صفحة "المرونة مع الليونة" مع طيّ صفحة المبادرة الرئاسية لرئيس مجلس النواب نبيه بري، وأصبح متمسّكًا بمرشحه سليمان فرنجية أكثر من أيّ وقت مضى، ولو أنّ رسائل وصلت إلى البعض بأنّ "الحزب" جاهز للسير بـ"التسوية" إن حصل على "ضمانات"، ولو اقترع لسليمان فرنجية في نهاية المطاف.
هكذا، يبدو "الخيار الثالث" متعذّرًا للكثير من الأسباب، بعضها ما هو مُعلَن، كـ"تصلّب" كلّ فريق عند رأيه، وتمسّكه بمرشحه، وطلبه "التنازلات" من الطرف الآخر، لكن أغلبها غير مُعلَن، قوامه انتظار "كلمة السرّ" من الخارج، في "عادة" لا يبدو أنّ اللبنانيين في وارد تغييرها، ولو أنّهم يدركون أنّ الخارج غير مكترث ولا مهتمّ، وأنّ الوساطات التي يقودها "لرفع العتب" مرهونة بمبادرة داخلية، لا تزال تصطدم بـ"فيتو" هذا الفريق وذاك!.