البابا يستقبل عون: سأزور لبنان بوقت قريب
المدن
الثلاثاء 22 آذار 2022
أكد البابا فرنسيس خلال استقباله رئيس الجمهورية، ميشال عون، قبل ظهر اليوم في حاضرة الفاتيكان، أن للبنان مكانة خاصة في صلاته وهو في صلب اهتماماته، على الرغم من الوضع الدولي المتأزم على أكثر من صعيد. كما أنه لا يغيب عن اهتمامات الكرسي الرسولي. وإذ اشار إلى أنّه مطلع بأسى على ما آلت إليه الأوضاع الافتصادية والاجتماعية الصعبة فيه، فإنّه شدد على أن لبنان، بجميع أبنائه، المسيحيين والمسلمين، لا يجب أن يتخلى عن قيم الأصالة القائمة على الاحترام. ويعتبر أنه من الواجب الحفاظ على الحضور المسيحي في الشرق، كما من الواجب الحفاظ على العيش معاً في لبنان، وهي صيغة جعلت منه رسالة.
وأكد البابا أيضاً أنه يسعى مع الجميع في العالم من أجل الحفاظ على هذا الوطن، الذي لطالما اعتبره الكرسي الرسولي رسالة ونموذجاً. وأبلغ البابا الرئيس عون إصراره أكثر من أي وقت مضى، كما عبّر عن ذلك تكراراً، على أن يزور لبنان لإعادة إحياء الرجاء فيه وقال: "في وقت قريب سأزور لبنان. هذا قرار اتخذته، ذلك أن لبنان يبقى على الرغم من أي شيء نموذجا للعالم".
وبعد اللقاء صدر عن لقاء قداسة البابا بعون بيانٌ رسمي من الفاتيكان, جاء فيه, "التركيز على أهمية العلاقات الدبلوماسية الجيدة بين لبنان والفاتيكان، وبحث المشاكل التي يعاني منها لبنان". وأضاف, "نأمل أن تساهم المساعدات الدولية، إضافة إلى الانتخابات النيابية المقبلة والإصلاحات الضرورية، في تمتين علاقات العيش المشترك السلمية بين مختلف المكونات الطائفية في بلاد الأرز".
طلب الدعم
من جهته، شكر الرئيس عون البابا على استقباله، لا سيما في هذا الظرف الدقيق على المستوى الدولي عموماً والأوروبي خصوصاً، نتيجة تداعيات الحرب في أوكرانيا. كما شكره على محبته الكبيرة للبنان، والتي أظهرها في أكثر من مناسبة، لا سيما من خلال تخصيص يوم كامل للصلاة والتفكير من أجل لبنان في الكرسي الرسولي، يوم الأول من تموز الماضي، وإيفاده كلا من أمين سر الدولة الكاردينال بييترو بارولين، وأمين سر العلاقات بين الدول المونسنيور بول-ريتشارد غالاغير في أقل من سنة إلى لبنان، للوقوف إلى جانب شعبه في الظروف الصعبة التي يمر بها. وقال إن اللبنانيين يحفظون لقداستكم بأطيب عبارات العرفان والتقدير مواكبتكم أحوال لبنان، وتضامنكم مع شعبه خلال سلسلة الأزمات غير المسبوقة التي يمر بها. وهم لا ينسون المساعدات العينية والنقدية التي قدمها الكرسي الرسولي مباشرة أو عبر المؤسسات والجمعيات الكنسية لهم، ولا سيما إلى فئة الطلاب منهم.
وإذ شدد عون على أهمية الاهتمام الذي يوليه قداسته في متابعته والكرسي الرسولي لكل ما يساعد على تعزيز الاستقرار في لبنان، وتمكينه من استعادة لعب دوره في محيطه والعالم، فإنّه اعتبر أنّ لبنان يعاني كثيراً، وهو بأمس الحاجة إلى استمرار قداستكم في دعمه. وهو يجتاز مرحلة صعبة لكنه سينتصر عليها حتماً بإرادة أبنائه مجتمعين. وقال للبابا فرنسيس إننا لا نريد للبنان، الذي يقع في أتون من الصراعات والحروب، أن يدفع أثماناً لما يحصل في المنطقة، وهو بفضل عنايتكم وإصرار أبنائه على النهوض ليس متروكاً لقدره.
الوجود المسيحي
وعرض عون مع البابا فرنسيس الوضع في الشرق الأوسط عموماً وأوضاع لبنان خصوصاً، وما ساهم في تفاقم الأزمات التي بلغت ذروتها نتيجة الإدارات المالية الخاطئة لعقود، وتداعيات النزوح السوري، في الوقت الذي تقوم الدول الغربية بتأمين مساعدات لهم ولا تقدم مثل هذه المساعدات إلى اللبنانيين، ما ساهم في تراكم الأعباء على لبنان، إضافة إلى انتشار وباء كورونا وانفجار مرفأ بيروت وما سببته كافة هذه الأزمات المتلاحقة من تداعيات سلبية.
وقال: "لقد شهدنا مؤخراً موجة هجرة كثيفة إلى الخارج، طاولت النخب في البلاد، ما يشكّل خطراً على الهوية والتعددية في لبنان ويساهم في إضعاف الوجود المسيحي في الشرق". كما تطرق البحث إلى العمل الذي يقوم به لبنان لوضع خطة للتعافي والانطلاق بها من أجل قيامته، "دعماً لصمود الذين ما زالوا على الرغم من كل شيء متمسكين بأرض الأجداد، الأرض التي وطأتها اقدام المسيح والرسل، وتمهيداً للانتقال إلى إعادة البناء"، لافتاً إلى أن اللبنانيين، مسيحيين ومسلمين يعانون من نتائج هذه الأزمات، وهم مصرون معاً على الانتصار عليها.
دعوة لزيارة لبنان
وإذ طلب رئيس الجمهورية من الحبر الأعظم الاستمرار في دعم لبنان ومساندته في المحافل الدولية والاقليمية، ووعده البابا بذلك، فإنّه جدد له الدعوة الرسمية لزيارة لبنان، التي كان سبق ووجهها إليه، قائلاً: "إن لبنان المتألم يتطلع إلى زيارتكم له، كدليل حي على قيامته. وقداستكم قمتم بزيارة معظم دول المنطقة باستثناء لبنان، ونأمل أن تتحقق زيارتكم إلى أرضنا بأقرب فرصة. ولا يسعني هنا إلا أن أشكر لقداستكم موافقتكم على تطويب الأبوين ليونار ملكي وتوما صالح اللذين سيكونان أول طوباويين شهيدين من لبنان في العصر الحديث، وقد استشهدا إبان الحرب العالمية الأولى، وذلك في احتفال سيقام لهذه الغاية في لبنان، مطلع حزيران المقبل".
وكان عون قد وصل والوفد المرافق إلى حاضرة الفاتيكان عند العاشرة من قبل ظهر اليوم الاثنين بتوقيت روما، حيث استُقبِل وفق المراسم المتبعة في الكرسي الرسولي، فقدمت له ثلة من الحرس البابوي السويسري التحية، قبل أن يستقبله رئيس التشريفات لدى الكرسي الرسولي المونسنيور ليوناردو سابيينزا، الذي قدّم له نبلاء الكرسي الرسولي الذين حيوّه، ودخل بصحبته إلى الجناح البابوي في القصر الحبري. بعد ذلك، انضم إلى الرئيس عون والبابا فرنسيس أعضاء الوفد الرسمي المرافق لرئيس الجمهورية، الذين صافحهم قداسته فرداً فرداً، محيياً إياهم، ويتقدمهم وزير الخارجية والمغتربين عبدالله بو حبيب، وسفير لبنان لدى الكرسي الرسولي الدكتور فريد الخازن.
تبادل الهدايا
ثم تم تبادل الهدايا بين الرئيس عون والبابا فرنسيس، فقدّم رئيس الجمهورية للحبر الأعظم نسخة طبق الأصل من الكتاب الأول الذي طبع في لبنان والشرق، وذلك في مطبعة دير مار قزحيا في الوادي المقدّس، وهو كتاب المزامير، إضافة إلى عسل لبناني صاف، من مختلف المناطق اللبنانية كما من حدائق القصر الجمهوري، تأكيداً على ما ورد في الكتاب المقدس على أن لبنان يبقى أرض العسل الخالص.
من جهته، قدّم الحبر الاعظم إلى الرئيس عون ميدالية السلام، وقد كتب عليها ان السلام يقوم على ركيزتي العدالة والحق، إضافة إلى مجموعة الكتب الأخيرة التي أصدرها وهو على رأس الكنيسة، وهي تشمل رسائل عامة وجّهها إلى العالم، ورسائل رسولية. كما قدم له نسخة عن وثيقة الأخوة الانسانية التي وقعها مع شيخ الأزهر الشريف، وكتاباً يتضمن صلوات البابا فرنسيس من أجل شفاء العالم التي وضعها وتلاها أبان ذروة تفشي وباء كورونا.
ثم التقطت الصور التذكارية، وقدم الأب الأقدس إلى أعضاء الوفد هدايا تذكارية، قبل أن يودع البابا الرئيس عون عند باب مكتبه.
لقاء امين سر الدولة
بعد ذلك، التقى عون والوفد المرافق أمين سر الكرسي الرسولي الكاردينال بيترو بارولين، في حضور أمين سر العلاقات بين الدول المونسنيور بول-ريتشارد غالاغير، وبحث معه في الأوضاع الصعبة راهناً في لبنان والمنطقة، وسبل تطوير العلاقات الثنائية بين لبنان والكرسي الرسولي في مختلف مجالات التعاون المشترك. وحضر اللقاء وزير الخارجية والمغتربين عبدالله بو حبيب، وسفير لبنان لدى الكرسي الرسولي الدكتور فريد الياس الخازن، والمستشارون رفيق شلالا، أسامة خشاب وريمون طربيه.
عرض عون للوضع في لبنان، مؤكداً أنه يجتاز مرحلة صعبة، لكنه ماض في استكمال كافة مقومات مسيرة التعافي، أياً كانت العقبات، وصولاً إلى أهمية إجراء الاستحقاقات الدستورية في مواعيدها، وأقربها استحقاق الانتخابات النيابية في أيار المقبل. وركّز عون على انّه آن الأوان ليقتنع الجميع، لا سيّما من يتخذون من لبنان منصة لمصالحهم، أن لبنان يجب أن يعود إلى لعب دوره كجسر تلاقٍ وهو ليس منبع ازمات. وقال: "هناك مسؤولية على المجتمع الدولي لكي يقوم بواجباته في الحفاظ على وطن هو قيمة بإعتراف الجميع، لا سيما وأن أزمات لبنان متشابكة ومعقدة بين أسباب داخلية وتأثر بعواصف الصراعات المحيطة ونتائجها المدمرة أحياناً"
وإذ اعاد عون التأكيد على أهمية الدور المسيحي الجامع في المحيط العربي والعالم، فإنّه شدد على أن لبنان لا يمكنه تحمل عبء النازحين السوريين وعدم عودتهم إلى بلادهم، لا سيما وأن مناطق عدة فيه اصبحت آمنة، وسط سكوت العالم ولامبالاته، مشيراً إلى الانعكاسات الاقتصادية والمالية والاجتماعية التي تترتب على استمرار وجودهم في لبنان، والخشية من أن يؤدي بقاؤهم إلى تغيير التوازن الديمغرافي للتركيبة اللبنانية أو حتى هوية لبنان. وقال: "نحن نتطلع بثقة عالية من أجل زيارة قداسة البابا إلى لبنان".
من جهته، شكر بارولين الرئيس عون على الاستقبال الذي خصه به يوم زار لبنان، موفداً من الحبر الأعظم إثر انفجار بيروت، وعلى استقباله المونسنيور غالاغير منذ وقت قريب. وقال: "قرأت باهتمام بالغ المذكرة التي سلمتموها إلى المونسنيور غالاغير، ونؤكد معكم فيها على ما ذكرتموه من أن لبنان يجب أن يبقى بلداً حراً، مستقلاً وذا سيادة، والأب الأقدس يوصي دائماً بضرورة العيش الاخوي والإنساني معاً في هذا البلد." وأشار الكاردينال بارولين إلى ان الاستقرار في لبنان من شأنه أن يساهم في استقرار المنطقة.
ورداً على اقتراح الرئيس عون أن يقوم الكرسي الرسولي بدعم إنشاء صندوق وطني للبنان بالتعاون مع برنامج الأغذية العالمي (WFP) ، فقد أبدى الكاردينال بارولين تفهم الكرسي الرسولي للاقتراح وترحيبه به، وقال:"نحن سندرسه باهتمام وإيجابية". ورحب بتأكيد عون إجراء الانتخابات النيابية في موعدها، وقال: "لدينا أسباب كثيرة للوقوف إلى جانبكم، وهو ما يشدد عليه قداسة البابا في أكثر من مناسبة".
المصدر: المدن