الترشح للانتخابات النيابية: المزاح والاستسهال.. سلطةً ومعارضةً
فؤاد الديراني
الثلاثاء 15 آذار 2022
قمت، ومن باب المزاح، بنشر خبرٍ محدود الانتشار عن ترشحي للانتخابات النيابية، وجاءت المفاجأة في تفاعل العديد من الأصدقاء والصديقات مع هذا الخبر، عبر خليطٍ من المجاملة واللياقات والتمنيات من البعض، وعبر التضامن الفعلي من آخرين ومبادرتهم إلى السؤال عن كيفية المساعدة. وشكّل ذلك التفاعل بعض الإحراج الضمني لما يمكن أن ينطوي عليه التمادي في المزاح الخفيف على بعض الخداع، وذهب بي ذلك الإحراج إلى تساؤلٍ ذي شقين: كيف يشعر أولئك النواب الذين ظلوا يخدعون ناخبيهم ومناصريهم لسنوات وعقود؟ وكذلك كيف يستسهل بعض المرشحين الذين يزعمون النطق من موقع معارضة السلطة التقدم بترشيحات واهنة يمكن أن تفضي نتائجها إلى المزيد من الإحباط في مواجهة عسف هذه السلطة، بدلاً من أن يشكل الاستحقاق الانتخابي محطة لبناء معارضة شعبية حاملة لبرامج وسياسات انقاذ حقيقية من شأنها وضع البلد على سكة التعافي؟
والحال: ألا يجمع المزاح السمج بين ترشيحات أقطاب السلطة ذاتها المسؤولة عن دفع البلد نحو الانهيار، وبين بعض الترشيحات التي يتوسل أصحابها استحقاق الانتخابات مناسبة للشهرة أو لاستدراج العروض؟ وهذا ما يجعلنا نفترض أن غياب الترشيحات الجدية للانتخابات النيابية قد يؤدي إلى بروز شكلين من المزاح السمج والعقيم: مزاح أهل السلطة ومزاح بعض زاعمي المعارضة.
في مزاح أقطاب السلطة:
تكفي العودة للفترة التي أعقبت انتفاضة السابع من تشرين الأول 2019 للاستدلال كيف عمل أقطاب التحالف الحاكم على ترك البلاد وكأنها سفينة تسير وسط بحرٍ متلاطم تنتظر الكارثة المحتمة أو المعجزة ؛ الأمر الذي يمكن معاينته بيسر عبر مؤشراتٍ ملموسة وظاهرة للعيان، ويمكن أن تتجلى في الأمثلة التالية: إفلاس اللبنانيين وسلب مدخراتهم، تفريغ رواتب وأجور الموظفين والأجراء والعاملين من القدرة شرائية، دفع الشباب اللبناني نحو الهجرة، والإفلاس المتمادي والعمدي للخزينة العامة، عبر خطة انقاذ مزعومة ذهبت بموجبها مليارات الدولارات إلى جيوب كبار النافذين المحيطين بأقطاب التحالف الحاكم، وإلى جيوب كبار التجار والمصرفيين؛ ومن دون أن ينجح أقطاب هذا التحالف في الحدّ قيد أنملة مما نحن عليه من تجويف وظيفة الدولة، وإضعاف المؤسسات الأمنية، وضرب الجامعة الوطنية والتعليم الرسمي، وتفريغ الإدارة العامة، وتهديد الضمان الاجتماعي ووهن الخدمات العامة، وتخيير اللبنانيين بين العتمة الشاملة أو الوقوع بين براثن أصحاب المولدات..إلخ.
إنها لائحة لا تنتهي أوصلنا إليها تخبط أقطاب التحالف الحاكم عبر شراء الوقت، على حساب ما تبقى من ودائع اللبنانيين، ومحاولة تأجيل الانهيار الكبير بدلاً من البحث العلمي في كيفية وضع السياسات الاقتصادية والاجتماعية الكفيلة ببدء معالجة الأزمة، وكذلك البحث فيما يفترض أن يتفرع عن ذلك من إجراءاتٍ مالية وضريبية ونقدية وصحية وتربوية وحمائية. وتمظهر هذا التخبط في هزالة سياسية اختزلت بمشاهد سوريالية متعددة، يمكن أن يشكل التعبير الأوضح عنها وقوف وزير الطاقة على احدى محطات الوقود ليبارك للمواطنين تعبئة سياراتهم ببضعة ليترات من البنزين.
ومعه، يصبح من نافل القول أن الوضعية المريحة التي يشعر بها أقطاب الفريق الحاكم عشية خوض الانتخابات لا تكمن في فعالية ونجاعة سياسات هذا الفريق، وإنما يمكن ارجاعها إلى القدرة السحرية والمتأصلة على الزيف والتضليل، وعلى إيهام الناس بأنهم ذاهبون إلى القوة والاقتدار فيما هم ذاهبون نحو الاحتضار، وذلك عبر ما يستثيره أقطاب هذا الفريق من منازلات تفضي في نهاية المطاف إلى انقسامات طائفية عمودية تنتج أشكالاً بائسة من المواجهة بين يفترض أنهم الضحايا، وهذا ما يُشعر المناصرين برساميل وهمية تجعلهم شركاء بكل ما تنتزعه الجماعة الخاصة من الجماعات الأخرى، مثلما تُشعرهم بنشوةٍ متأتية من نرجسية جماعية قوامها: ليس من المهم حرماني من التعليم والعمل والصحة والكهرباء ما دمت أنتمي إلى مجموعة قوية ومُهابة وموفورة الجانب، وقادرة على تحقيق الانتصارات.
والحال، ألا يشكل انفراد التحالف الممسك بدفة البلد في عقد التحالفات الانتخابية وتشكيل اللوائح وتعيين واستبعاد المرشحين شكلاً من الخداع ومن المزاح السمج؟ (على غرار ما بات معروفاً من ترشيح مصرفي مدان بالتعدي على رموز انتفاضة السابع عشر من تشرين، وترشيح آخر سبقت ادانته بالعمالة للعدو الإسرائيلي).
في مزاح الطامحين لدخول جنة الحكم:
إذا كان الفريق الحاكم يمضي بنا نحو الاستحقاق الانتخابي عن طريق الخداع والمزاح فماذا عن المقلب الآخر، أي ماذا عن أولئك الذين يزعمون امتلاك الأجوبة والحلول ويقدمون أنفسهم بصفتهم البديل؟ عملياً، وبحدود ما يمكن علمه وملاحظته نشهد تعدداً غير مبرر في اللوائح وتطغى الصراعات البينية، وتبرز الأنا المتضخمة لدى البعض، والأهم يسود الاستسهال في بعض الترشيحات (على طريقة شاب واستحلى) وذلك يعكس نوعاً من التعاطي مع الدوائر الانتخابية وكأنها أرض معركة تنتظر إنزال المرشحين بمظلاتهم ليحرروها (!) ويشكل قفزاً فوق حقيقة أن هذه المناطق تتكون من مجالات مجتمعية ذات سياقات سياسية تمتد في الذاكرة التاريخية وتصل إلى المعاش، مثلما تتجادل مع ما يرتبط بهذين العاملين من انتماء عضوي وثقافة، وشجاعة، وتضحية، ومعاناة.
وعليه لا يكفي للترشح وجود "وقوعات" مسجلة على إخراج قيد المرشح ومثبتة على طلب الترشح (مثل المذهب ومكان والقيد) وكذلك لا يكفي حصد الإعجاب وإبداء المجاملة واللياقات، ولا حيازة أو ابتداع لقبٍ ما؛ وإنما يشترط الترشح الجادً أن يكون المرشح قد أتم بنجاح واتقان نسج وشائج التواصل مع النسيج المجتمعي المعني، أي التواصل الذي يحترم الانتماءات والهويات الخاصة، من دون أن يعمل على تأجيجها والمراهنة على سخطها وحنقها، ومن دون أن يسهم في تحويلها إلى هويات خشنة ومتأهبة يرى حاملوها إمكانية مواجهة التحالف الطائفي المهيمن، عبر استثارة غرائز طائفية مضادة ومصنّفة في خانة المهيمن عليها؛ وبالتالي، فإن ابسط شروط الترشح في مواجهة أقطاب الفريق الحاكم تتوقف على مدى العمل على توسيع إمكانية بناء المجال المشترك والعام، مجال الدولة التي تمنح الهوية العامة للجميع وتضمن حقوقهم في العيش اللائق والكريم، وتلغي كل حلقة تتوسط بينها وبين المواطن؛ وترجمة كل ذلك عبر برامج بناءة بديلة، تتضمن سياسات تفصيلية كفيلة بوضع البلاد على سكة الإنقاذ.
ومن دون ذلك، سوف يكون استسهال الترشح مزاحاً يضاف فوق مزاح السلطة، وهذا ما يُفرح أقطاب الفريق الحاكم ويجعلهم يغتبطون كثيراً في نهاية المطاف.
المصدر: المدن