لبنان يستفزّ الدُّب: هل تضرب روسيا قطاعنا النفطي؟
خضر حسان
السبت 26 شباط 2022
يبحث لبنان منذ انفجار أزمته الداخلية في العام 2019، عن وسيلة لتهدئة الأوضاع والخروج من المأزق. ولأن اقتصاده منهك، من الضروري تقديم تطمينات لكل دول العالم لدفعهم نحو الاستثمار فيه. لكن بدل التهدئة، ينغمس لبنان بتوجيه رسائل استفزازية، على غرار رسالة وزارة الخارجية الأخيرة التي تدين العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا، وتدعو روسيا إلى وقفها فوراً.
لم تلتفت الدولة اللبنانية قبل إصدار بيانها عبر الخارجية، إلى ما قد تحمله من انعكاسات سياسية واقتصادية، نحن بالغنى عنها حالياً. كما أن موقفاً كهذا، لا يصدر سوى عن دولة عظمى، أو على الأقل دولة لها رأي على الساحة الدولية.
استثمارات نفطية
نسيت وزارة الخارجية ومَن أوعزَ لها اعتماد لهجة تستفزّ الدب الروسي، أن روسيا تساهم في مشاريع اقتصادية كبيرة في لبنان.
في الواقع، إن القطاع النفطي في لبنان يحظى باهتمام روسي. فقد شاركت موسكو في تحالف الشركات المنقّبة عن النفط والغاز في المياه اللبنانية، إلى جانب شركتيّ توتال الفرنسية وإيني الإيطالية. كما أن شركة روسنفت وقّعت مطلع العام 2019 عقداً لاستثمار خزانات منشآت النفط في طرابلس. وإلى جانب الاستفادة الروسية من الخزانات على مدى 20 عاماً، يستفيد لبنان من تأهيل روسيا للخزانات على عاتقها، وتُحسم القيمة من كلفة الإيجار، فضلاً عن تقاضي لبنان ثمن تخزين النفط في الخزانات، إلى جانب كلفة استخدام شبكة المنشآت لإتمام عملية التفريغ والتخزين. أما اليد العاملة اللبنانية، فتستفيد من خلال التزام الشركة الروسية بتشغيل العمال اللبنانيين بنسبة 80 بالمئة من اليد العاملة التي تحتاجها.
ومن الشمال إلى الجنوب، أبدت روسيا في نهاية العام 2021، بالاستثمار في منشآت النفط في الزهراني، عبر مشروع بنظام الـBOT بقيمة نحو 1.2 مليار دولار، يؤمّن لمنشآت النفط نحو 10 مليون طن من النفط الخام سنوياً، يمكن استعماله لتأمين حاجة السوق من البنزين والمازوت بالاضافة إلى مدّ معامل الكهرباء بالفيول.
حتى اللحظة، لم يستفد لبنان مادياً من الاستثمارات الروسية في الحقل النفطي بفعل الظروف التي تبعت التعاقد. فالتنقيب في البلوكين 4 و9 توقّف بفعل النزاع على الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل. ولن يُستأنف التنقيب قبل التوصل إلى حل نهائي. أما في منشآت طرابلس فلم تباشر روسنفت عملها بعد. ولذلك، ترى خبيرة الطاقة لوري هاتايان في حديث لـ"المدن"، أن لبنان "لن يخسر مادياً في حال انسحبت نوفاتك من مشروع التنقيب لأنه متوقّف، كما ان قرار الانسحاب مرتبط بالشركاء". وأشارت إلى "احتمال انسحاب روسنفت لأنها لا تتشارك مشروعها مع أحد، وقرارها يأتي من الحكومة الروسية". وترتفع أسهم الانسحاب في حال "تم فرض عقوبات دولية على روسنفت. وحينها تفقد القدرة على تحريك أموالها بحرية، أو تلجأ إلى تفضيل استثمار الأموال في مشاريع أهم من منشآت النفط في طرابلس".
أما العقوبات فواردة في أي لحظة، إذ نقلت وكالة رويترز عن مسؤول أوروبي قوله بأن الاتحاد الأوروبي قرر تجميد الأصول المالية للرئيس الروسي ووزير الخارجية سيرغي لافروف. وقد يمتد ذلك إلى عقوبات على الشركات الروسية بشكل عام.
أعمال ومساعدات
لا يتوقّف التعاون الروسي على القطاع النفطي. فالتعاون سابق للاكتشافات النفطية في لبنان. فالتبادل التجاري بين موسكو وبيروت يبلغ مئات ملايين الدولارات سنوياً، وقد وصل في العام 2014 إلى أوجه، محققاً 776 مليون دولار، ليتراجع على مدى 6 سنوات إلى نحو نحو 300 مليون دولار، بفعل العقوبات التي تعرّضت لها روسيا ولم يلتزم بها لبنان، فاستمر التبادل بين البلدين.
وفي نهاية العام 2020 شجّعت موسكو الشركات الروسية على الاستثمار في لبنان لمساعدته في الخروج من أزمته، وتحديداً في مجال إعمار مرفأ بيروت بعد تفجيره. وتجدر الإشارة إلى أنه بعد نحو 24 ساعة على تفجير المرفأ، وصلت إلى بيروت طائرتان روسيتان حملتا مساعدات طبية ومستشفى ميدانياً متنقلاً ومختبراً للكشف عن فيروس كورونا وعدداً من الأطباء وفريق إغاثة. وفي وقت لاحق تبعتهما 3 طائرات حملت مساعدات إضافية.
على خطّ آخر، كان هناك محاولة لتصنيع لقاح سبوتنيك في لبنان، وتحويل البلاد إلى منصة لتصنيع وتوزيع اللقاح في المنطقة، الأمر الذي يؤدي إلى توفير لقاح بكميات كافية وتأمين إيرادات مالية وتشغيل يد عاملة لبنانية وتطوير الصناعات الدوائية. لكن المشروع عُلِّق بسبب عدم متابعته من قِبَل وزارة الصحة اللبنانية.
بالتوازي، تستضيف روسيا استثمارات لرجال أعمال لبنانيين. وهناك جالية لبنانية كبيرة وعدد غير قليل من الطلاب. كما أن روسيا قدّمت مؤخراً 120 منحة مجانية استفاد منها 120 طالباً. كما قدّمت مساعدات بعد حرب تموز 2006.
توقّعات إيجابية
لا تستطيع روسيا ضرب القطاع النفطي اللبناني بشكل مباشر من خلال وقف استثماراتها. لكن استعداءها سياسياً قد يجر قرارات تضرّ بمصالح مستثمرين لبنانيين في روسيا، وبالتبادل التجاري بين البلدين، في وقت يحتاج لبنان كل المنافذ الاقتصادية التي تؤمّن له مداخيل أجنبية. فضلاً عن حاجته لكسب ثقة دولية.
أيضاً، روسيا غير مهتمة في الوقت الراهن للرد على تصريحات بحجم تصريحات وزارة الخارجية اللبنانية. وهي لم تعمد بعد إلى التصعيد اقتصادياً لأن إمداداتها للغاز نحو أوروبا ما زال مستمراً. لكن كل الاحتمالات مفتوحة في حال تطوّر الوضع في أوكرانيا وصولاً إلى استجرار تدخلات أو مواقف لدول أخرى، وأبرزها الولايات المتحدة الأميركية وفرنسا وإيطاليا، وحينها قد تنسحب روسيا من تحالف الشركات المنقّبة عن النفط.
المصدر: المدن