لبنان في العالم
محو الخط 29: السلطة عاجزة عن التفاوض باسم اللبنانيين

نادر فواز

الجمعة 25 شباط 2022

دخل فعل "التهكير" إلى موضوع المفاوضات غير المباشرة لترسيم الحدود البحرية مع العدو الإسرائيلي. فبعد إشارة رئيس الوفد اللبناني المفاوض، العميد المتقاعد باسم ياسين، إلى حذف رسالة لبنان إلى الأمم المتحدة، التي تؤكد مطالبة لبنان بالخط 29، علّق وزير الخارجية والمغتربين عبد الله بو حبيب مشيراً إلى إمكانية "أن يكون يكون هاكر قد عمل على إزالة الرسالة". وشدد حبيب على أنّ لبنان "لم يطلب سحب الرسالة المرسلة إلى الأمم المتحدة حول الترسيم وكلّفنا سفيرتنا بمتابعة الموضوع". إلا أنّ بو حبيب أضاف: "لبنان لم يتبنّ أبداً الخط 29 وحكومة العام 2011 حددت الخط 23 والحكومة الحالية مستمرة بالتفاوض على الخط 23". رئيس الجمهورية، ميشال عون، أكد قبل أيام أنّ خط لبنان التفاوضي هو الخط 23، معلناً التراجع عن خط 29 في تنازل واضح عن حقوق الشعب اللبناني وبحره وغازه وثرواته الطبيعية وخسارته لمساحة 1430 كلم مربّع.
 
الخيانة العظمى؟!
 
 
لم يتردّد الباحث عصام خليفة باتهام المسؤولين اللبنانيين الذين قرّروا التخلّي عن الخط 29 والتفاوض بدءاً من الخط 23 بارتكاب الخيانة العظمى. بإسهاب شرح الرجل لا قانونية ولا علمية الخط 23، وثبّت قانونية الخط 29 لكونه ينطلق من نقطة رأس الناقورة ويترجم مواد القانون الدولي واتفاقية الأمم المتحدة للبحار. في حين أنّ الخط 23 وخطّ هوف وسائر الخطوط الأخرى نقاط لا تنسجم مع أي من الاتفاقات أو الخرائط الدولية، كما نسف كلياً نظرية "جزيرة تخليت" التي لا تصنّف جزيرة وفق التعريف الجغرافي ونظام الجزر الدولي إذ أنّ المياه تغمرها عند المدّ ولا وجود لسكن فوقها أو لاستمرار الحياة الاقتصادية فيها. باختصار، المسؤولون اللبنانيون ارتكبوا خيانة عظمى من خلال التخلّي عن الخط 29 وتبنّيهم للخط 23.
 
طمس الخط 29
 
 
ويأتي إعلان العميد ياسين حذف الرسالة اللبنانية إلى الأمم المتحدة بتاريخ 28 كانون الثاني الماضي، بمثابة طمس لواقع أنّ الدولة اللبنانية فاوضت على مدى الأشهر والسنوات الماضية على الخط 29. ولا يمكن وضع الموقف الصادر عن وزير الخارجية إلا في هذا الإطار أيضاً، إذ شدّد الوزير على أنّ "لبنان لم يتبنّ يوماً الخط 29". فهذا الخط يضمن حصول لبنان على مساحة 2430 كلم مربّع، مع العلم أنّ كل المعلومات والبيانات السابقة الصادرة بخصوص الوفد المفاوض ثبتّت الخط 29 كخطّ تفاوضي. وهو الأمر الذي سبق ودفع العدو الإسرائيلي إلى اتهام لبنان من خلاله بعرقلة المفاوضات في أيار 2021. في حين تمسّكت الدولة اللبنانية بالخط 29، وشدّدت حينها على استكمال المفاوضات من دون شروط مسبقة، وتمّ على أساسه إعادة إطلاق المفاوضات.
 
ضياع الرئاسة
 
 
وفي السياق نفسه، لا بد من التذكير بأنّ رئاسة الجمهورية رفضت الإجابة عن الاستدعاء الذي تقدّمت به الدائرة القانون لمجموعة "الشعب يريد إصلاح النظام" بخصوص مفاوضات ترسيم الحدود وإعلان الرئيس عون الخط 23 خط لبنان التفاوضي. فتسلّحت الرئاسة بالنصوص الدستورية التي تجعل من هذه المفاوضات متّصلة بالأمن القومي ويجب أن تحاط بالسرية التامة. كما أنّ الرئاسة تلقّت الموقف الصادر عن العميد ياسين أيضاً بخصوص تبنّي الخط 23، من دون أي جواب. إذ أكد باسين بعد ساعات على كلام عون بأنّ "رئيس الجمهورية كان قد كلّف الوفد وأعطى توجيهاته الأساسية لانطلاق عملية التفاوض بهدف ترسيم الحدود البحرية على أساس الخط الذي ينطلق من نقطة رأس الناقورة براً والممتد بحراً تبعاً لتقنية خط الوسط من دون احتساب أي تأثير للجزر الساحلية التابعة لفلسطين المحتلة، أي الخط 29". وشدد على أنه تم تدوين هذه التوجيهات في بيان صادر عن رئاسة الجمهورية بتاريخ 13 تشرين الأول 2020، مع تأكيده على أنّ جلسات التفاوض التي امتدت بين 14 تشرين الأول 2020 وحتى أيار 2021 "كان فخامته يؤكد دائماً على ضرورة التمسّك ببدء المفاوضات من الخط 29 وكان يرفض حصر التفاوض بين الخط 1 والخط 23 كما يطالب العدو الإسرائيلي".
 
تخبّط وحذاقة
 
 
يشير معنيون لـ"المدن" بأنّه منذ انطلاق المفاوضات غير المباشرة مع العدو الإسرائيلي، تلقى المسؤولون اللبنانين إشارات أميركية واضحة بضرورة إعلان التراجع عن الخط 29 لتصبح جلسات التفاوض مثمرة. وفي السياق، أنهت الدولة اللبنانية جولة المفاوضات غير المباشرة الأولى في أيار 2021 بناءً على التمسّك اللبناني بالخط 29، وإذ به في شباط 2022 يعلن التراجع إلى الخط 23 في ترجمة فعلية للطلب الأميركي وبما يصبّ في مصلحة العدو. لماذا قرّر الرئيس ميشال عون التراجع من الخط 29 إلى الخط 23؟
الكثير من التحليلات والتفسيرات يمكن أن تجيب عن هذا السؤال، منها بأنّ وعوداً أميركية وصلت بالتراجع عن العقوبات المفروضة على صهره النائب جبران باسيل. وفي هذا الإطار جاء تصريح باسيل اللامع بأنه "في موضوع الترسيم وبغض النظر عن مسألة الخط 23 أو 29 أو هوف، المسألة ليست فقط الخط فوق المياه بل ما هو تحتها وأي أمر يجب أن يُقاس من هذه الخلفية". هل يمكن تفسير كلام باسيل بغير أنه يبرّر التراجع والتخلّي عن الخطّ 29، بأسلوب "حذاقته" الاعتيادي؟ في حين ربطت تحليلات أخرى موافقة الرئيس عون على الرجوع إلى الخط 23 بناءً على تسوية ما مع مسؤولين أمميين بخصوص منصب حاكمية مصرف لبنان.
 
 
خلاصة المتابعين لملف ترسيم الحدود البحرية تقول بأنّ المنظومة الحاكمة والسلطة السياسية أعجز من أن تفاوض باسم اللبنانيين. في ملف الترسيم والحدود والغاز، وفي ملف الوضع النقدي والصناديق الدولة، وفي ملف العلاقات الخارجية وسواها، "المسؤولون اللبنانيون قادرون فقط على التفاوض من أجل مصالحهم وليس لمصلحة لبنان وشعبه". وهنا نستلهم مجدداً تصريح وزير الخارجية، عبد الله بو حبيب، فالبلد "كلّه مُهكّر" على يد سلطته السياسية الحاكمة بأمرها.
 
 
 
المصدر: المدن