لا إحباطَ ولا ضياعَ سُنِّيّين.. بل عقم لبنانيّ جامع
محمد أبي سمرا
الخميس 24 شباط 2022
-1-
هي الحقيقة اللبنانية، لا الظلام ولا الهجران، ما يخيّم على وسط بيروت.
وليس صحيحًا أن الإحباط والضياع السياسيّين يخيّمان على البيئة السنّية اللبنانية، في بيروت وطرابلس وصيدا وسواها من المناطق، بل عدم اكتراث وصمت، لتكذيب الزعم الإعلامي اللاغط بأن لبنان يحتاج إلى انتخابات نيابية، ليدفع عنه هذا العقم الزاحف حتى الرمق الأخير في نسيج الحياة اللبنانية. عقم أبعد من السياسة والفساد السياسي المالي والإداري، ويتجاوزهما بأشواط. كأنما الإفلاس السياسي والمالي، ليس سوى فاتحةٍ كشفت التحلُّل والخراب في صميم العمران والاجتماع والثقافة والأعمال.
والعبور ليلًا في وسط بيروت، يُنبئ عن هذا العُقم: مقبرةٌ قرب مسجد، بل صروح مساجد وكنائس جديدة مهجورة في الظلام. ومباني جريدة ومجلس نوابٍ وسرايا حكومية وأسواق وفنادق ومقاصف وساحات وجزيرة استثمارات عقارية ومرفأ، مقابرية كلها. فماذا تفعل انتخابات نيابية بهذا الركام؟!
لا ليس الإحباط والضياع السياسيّان ما يخيّم على بيروت ولبنان كله، بل الحاجة إلى الخروج على تاريخ السياسة اللبنانية وممارساتها التي أدت إلى هذا الخواء والعقم، والركام المقابري.
-2-
ومن أغرب المشاهد اللبنانية الراهنة، ذاك المشهد الكرنفالي الانتخابي الكتائبي الفخم الذي اعتلى منبره الشاب الوريث، بهيًا متأنقًا في سرادق صالة كريستالية، تحت أضواءٍ كاشفة وألوان ليليةٍ زاهية، ليعلن برنامجه الانتخابي لقيامة لبنان من العقم والركام.
يشبه المشهد الكرنفالي الكتائبي الذي نقلت بعض صوره الشاشات التلفزيونية، حفلات التنصيب الرئاسي الرسمي في بلاد لم تعد تشبه لبنان اليوم في شيء، أو لم تعد تشبه أي شيء ومكان في لبنان. أناقة بهيّة، كأن مشهدها مستهلٌّ من أرشيف صورٍ قديم، يعود إلى زمن ما قبل حروب لبنان، وقبل ولادة الوريث.
وتتقدّم العائلة، الأم والأب والإخوة والأخوات والأقارب، الصفوف في احتفال التنصيب الكرنفالي. وخلف العائلة نخبة المحازبين في أبهى لباسٍ رسمي، وأبهى تنظيم، يذكّران بماضي الكتائب، أيام الجد أو العرّاب الكتائبي المؤسس الراحل.
وفي المشهد الكرنفالي ملامح شبه هوليوودية زاهية تنبعث من قوّة التأنّق والتنظيم واللذين أنزلتهما العقيدة الكتائبية في منزلة القداسة والسحر. قداسة وسحر تنظيميان أضفاهما على لبنان وأرزه والرابطة العائلية، الشعارُ الكتائبي التاريخي: الله والوطن والعائلة. وهو شعار ينضح بشيء من ثقافة سياسية واجتماعية قديمة.
قد تكون الشعارات الانتخابية الكتائبية اليوم، تحلم حلمًا سليمًا في توجّهاتها اللبنانية. لكن هذا الشكل الكرنفالي لحفل التنصيب العائلي والنخبوي المحازب، افتتاحًا للحملة الانتخابية، يشير إلى أننا لسنا في لبنان بلاد الركام، بل في لبنان الصور الخلبية التي انتهى عهدها منذ زمن بعيد.
-3-
ولا تزال بعض الجماعات في لبنان تتوارث الصور، تنحلها وتتبادلها بمكر وخداع، فوق هذا الركام والعقم الزاحف.
وكانت الحريرية، مثلًا، في بداياتها وطوال احتفالاتها الكرنفالية بإعادة الإعمار ما بعد الحرب، قد استعادت شعارات لبنان وصوره من زمن ما قبل الحرب، وجعلتها عنوانًا لحملاتها السياسية والعقارية التسويقية، كأن شيئًا لم يكن، وقافزة بذلك فوق ركام الحرب، نحو لبنان المستقبل. وهكذا تحوّلت تلك الصور والشعارات المستعادة، طوبى مزيفة، تجارية وشبه صنمية، وخصوصًا في وسط بيروت الذي ظل طوال سنوات جديدًا لامعًا في زهوه الخلبي، كأنه خارج الزمن.
واليوم بعدما ذوى المشروع الحريري وانهار تمامًا، هناك من ينتحل صوره وشعاراته، ويقلبها رأسًا على عقب، ويتخذها عنوانًا مزيّفًا في دفاعه عن قوته في لبنان، ولسيطرته على لبنان، مضيفًا إليها كلمات عن الشرف والكرامة والمِنْعة.
وهناك أيضًا من يستلّ من القاموس والأرشيف اللبناني القديم، صورًا وكلمات عن تميّز اللبنانيين في المحيط العربي "الصحراوي" و"البدوي"، ويضيف إليها شيئًا من القوة والمنعة في مجابهة إسرائيل وأميركا، في معركته الممانعة للتطبيع والخنوع والاستسلام.
إنها كرنفالات صور وكلمات في بلاد الركام والعقم والانتخابات اللبنانية العقيمة.
المصدر: المدن