لبنان في العالم
طيف "الترويكا" ومصير الوصاية الجديدة

عارف العبد

السبت 5 شباط 2022

ترد شخصية كانت قريبة من دائرة القرار السلطوي عام 1989، حين انتُخب الياس الهراوي رئيساً للجمهورية وانطلق تطبيق اتفاق الطائف، ترد خلفية التفكير التي وقفت وراء اعتماد صيغة "الترويكا" في الحكم، إلى هدف جوهري وأساسي، وهو محاولة التفرد "اللبنانوي" والانصراف إلى تنفيذ الاتفاق بتعاون بين المسؤولين الثلاثة الأُول في لبنان، أي رئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب ورئيس مجلس الوزراء.
 
كان الهدف من تصور "الترويكا" آنذاك إذاً، التملص قدر الإمكان والتخفف من ضغوط الوصاية السورية، التي كانت قادرة على التدخل بثقلها الأمني والسياسي في أغلب الأمور.
 
بطبيعة الحال، فإن محاولة الوصول إلى هذا الهدف فشلت فشلاً كبيراً، إذ أن الوصاية الشقيقة كانت قوية وشاملة لدرجة متقدمة، لم تنجح معها أي محاولة من هذا النوع للتشاطر، وبالتالي، فإن المحاولة المشار إليها لم تكلل بالنجاح، بل زادت من فرص التدخل من الأخ السوري الأكبر في أغلب الشؤون والقضايا التي كانت تطرح في ذلك الوقت.
 
مجرى الأحداث آنذاك، معروف الوقائع وليس بحاجة لإعادة تذكير. إذ أن التدخل السوري في الشؤون اللبنانية تفاقم طوال المرحلة الأولى من تنفيذ اتفاق الطائف، ليشمل كل أوجه الحياة السياسية والاقتصادية، إلى أن انفجر في العام 2005، ونقل لبنان من حال إلى حال، انتهت بالصدام الذي اختُتم برحيل جيشها وعسكرها وثكناتها ومكاتب مخابراتها المتعددة من لبنان، بعد أضرار فادحة في العلاقة بين البلدين.
 
باختصار، لو أن رؤية الأشقاء السوريين كانت تتسع لقدر ولو قليل من التفكير الاستراتيجي الجدي، البعيد عن الأنانية، لتجنب البلدان كل ما مرّ من مآسي، وخضات، وجروح عميقة ودامية.
 
الذي جرى أن تصرفات النظام السوري يومها أوحت ببقاء طويل وطويل جداً في لبنان، مما ساهم في تضخم الاحتقان والوصول إلى الانفجار الكبير في العلاقة بين البلدين والنظامين.
 
مناسبة هذا الكلام اليوم الواقعة التي شهدها لبنان خلال الأيام الماضية من عودة طيف "الترويكا" العزيزة بين المسؤولين الثلاثة الأُول، إلى العمل في لبنان عبر الإقرار الاستثنائي من الثلاثي الرئاسي لورقة الجواب اللبناني على الملاحظات التي حملها وزير خارجية الكويت باسم دول الخليج العربي، الشيخ أحمد ناصر المحمد الصباح، إلى لبنان.
 
فبدلاً من أن تطرح الورقة أمام مجلس الوزراء، ابتدع الرؤساء الثلاثة في واقعة اتفاق نادرة ومقدرة ومستغربة! التلاقي على مضمون ورقة أجوبة أعدها وزير خارجية لبنان عبد الله بوحبيب، وإعطاء موافقتهم على المضمون بالتوالي، ليطير بها وزير الخارجية إلى الكويت لعرضها على الأخوة العرب.
 
الخلفية الفعلية لهذه الخطوة كانت كما هو ظاهر، الهروب من الكمين أو الحاجز الطيار، الذي كان يمكن أن ينصبه حزب الله لطرح الورقة في مجلس الوزراء. وهو كان اشترط عدم انعقاد مجلس الوزراء إلا من أجل الموازنة وخطة التعافي الاقتصادي. فهرب الرؤساء الثلاثة بفعل التدبير إلى إحالة الورقة على اتفاقهم، لاغتنام الفرصة واختصار الوقت والجهد وإقرار الورقة الجواب تجنباً للتأخير وزيادة مفاقمة المشكلة المتفاقمة مع دول الخليج.  
 
الوزير الوحيد الذي توقف أمام هذه الواقعة وطالب بطرحها أمام مجلس الوزراء للنقاش، كان وزير التربية الرصين القاضي عباس الحلبي، وقد أجابه الرئيس نجيب ميقاتي، بأنها ليست ورقة رسمية، بل وجهة نظر. لذلك ليست بحاجة لطرحها أمام مجلس الوزراء.
 
السياسي الوحيد أيضاً، الذي تنبّه وأثار الموضوع معترضاً، هو رئيس حزب القوات اللبنانية الدكتور سمير جعجع، الذي اعتبر انه لا وجود لشيء في الدستور اسمه الرؤساء الثلاثة. وهذا صحيح، من دون أن ينتبه أو يتذكر أن هناك وجود لصيغة مورست حين كان في السجن ذلك الوقت، اسمها اجتماع وقرار الترويكا.
 
الواقع انه لم تكن في هذه الحادثة مخالفة صريحة للدستور، أو نقضاً لإحدى مواده، بل إن ما جرى هو عملية تجاوز أو تهرب من الدستور الذي ينيط السلطة الإجرائية بمجلس الوزراء.
 
صحيح أن الدستور يفوض رئيس مجلس الوزراء تمثيل الحكومة والتحدث باسمها، لكن الرئيس ميقاتي لم يعارض الركون لحل الرؤساء الثلاثة، تفادياً منه لمطب الجواب منفرداً على الورقة الخليجية، فدوَّر الورقة على الشركاء الثلاثة ونجح في الوصول إلى جواب، بعيداً عن ضغوط حزب الله ووصايته الناجزة.
 
ما انتهت اليه هذه الواقعة لم يكن مؤامرة على حزب الله، بل الأرجح أن حزب الله قد غض الطرف عن الخطوة التسللية إلى خطوطه الخلفية، آملا بترك الأمور في مسارها الإجرائي، تخففاً من المشكلات والنقاشات المملة، طالما أنه مطمئن إلى أن الأمور والملفات الأخرى الجدية والأساسية ممسوكة إمساكا محكماً منه، وما من داعٍ للارتباك وإضاعة الوقت في قضايا صغيرة وغير مهمة.
 
عودة طيف الترويكا بعد غياب طويل هذه المرة كان من أجل التملص الرسمي والرئاسي من ضغوط وصاية حزب الله، تماماً كما كان دور الترويكا سابقاً محاولة التملص من وصاية سوريا.
 
المحاولة السابقة لم تنجح في التخفيف من ثقل تدخل سوريا، فكانت النتيجة وبالاً معروفاً.
 
يبقى السؤال، هل يتنبّه حزب الله إلى أن ما جرى ويجري هو إشارة واضحة على أن ثقل ضغطه على لبنان وصيغة الحكم والحياة الوطنية والسياسية، بات ثقيلاً وكبيراً جداً، وقد يؤدي إذا لم يتنبّه ويخفف وزنه إلى تكرار التجارب المُرّة السابقة؟!
 
 
المصدر: المدن