لبنان في العالم
2021... لبنان الانهيار: عمِّق القاع يا حفّار

محمد حجيري

الأربعاء 29 كانون لأول 2021

من قبل، كنا نسمع بعض الذين أفرزتهم الشاشات المحلية "الممانعة"، يقولون أنه لا حل في السياسية اللبنانية، لا حل لقضية هيمنة "حزب الله"، إلا بتحرير القدس، كأنهم بذلك يقولون: لا حل... وبعضهم الآخر يقول: إذا أردت أن تعرف ماذا يجري في بيروت، عليك أن تعرف ماذا يجري في فيينا، على نحو ما كان الممثل نهاد قلعي يقول: إذا اردتْ أن تعرف ماذا يجري في إيطاليا، عليك أن تعرف ماذا يجري في البرازيل...
 
في لبنان يبدو أننا لم نعد نعرف شيئاً، أو لم نعد نرى شيئاً. فكثرة الأزمات وكثافتها وعمقها حجبتْ الرؤية. دخلنا في الاستعصاء، والسفينة اللبنانية بمعنى من المعاني، تغرق ولا من منقذٍ أو مخلّص، بل إن هناك من يدعو لها أن تغرق أكثر، وإزاء هذا كثرتْ الخطب الرنانة والمحاضرات والتعليقات الفايسبوكية والكتابات والوثائق والكتب، التي تحمّل المشكلة للمنظومة الحاكمة وتصف الواقع والمآلات وتزعم أنها تقدّم الحلّ، ومهما كانتْ الطروحات والأفكار السياسية والهذرية، تبدو كأنها أغنية "لا تندهي ما في حدا".
 
فبعد الموجة الثورية الشارعية، وشعارات "هيلا هو" و"كلن يعني كلن"، والمراوحة في الوصول إلى أي نتيجة واقعية وعملية في الواقع المعقّد والمتشابك رغم التلاقي "العابر للطوائف و"الوطني" في الساحات، برزتْ مجموعة من الشخصيات الاكاديمية (المسيحية تحديداً) تقدّم الفدرَلة على ما عداها من أفكار سياسية، باعتبار أنّ الفدرَلة، من الرهانات التي لا تزال قائمة من زمن بيار الجميل الأب، مؤسّس "الكتائب اللبنانية"، أو غيره. فالقواتي البشيري العتيق، أنطوان نجم، يقول بما يشبه الوصفة الطبية: "طبقوا الفيدرالية ليرتاح لبناني"، وقال سابقاً: "الفيدرالية هي الحلّ لأزمات دول المنطقة وللبنان الرسالة". ويطرح نجم قاعدته وفكرته بوجوب قبول الآخر كما هو، من دون محاولة فرض تصوراتنا عليه. لكن، في الوقت عينه، "التمسك بذاتنا وهويتنا وخصوصيتنا المجتمعيّة من دون الرضوخ، فالانصهار ضمن قالب تصورات الآخر الذاتية"... وطرح الفدرَلة في العلن يأتي في اغلب الأحيان، كردّ فعل على محاولات الطوائف سرقة أدوار بعضها البعض، أو على أن الطائفة القوية المنتمية إلى محور اقليمي ما، تحاول أن تسطو على أدوار الطوائف الأخرى، سواء في السياسة والامتيازات وقرار الحرب والسلم، عدا عن مساهمتها البارزة في الفساد.
 
ولما كان "حزب الله" أغرق لبنان في لعبة المحاور الاقليمية، وربط سياسته أو مركبه، بما تريد رياح السياسة الإيرانية أو السورية وبات "خادماً لسيدين" (بتعبير كتاب "دولة حزب الله" لوضاح شرارة)، عاد البطريرك الماروني بشارة الراعي للتأكيد على أن خروج بلاده من الأزمة لن يكون إلا بتطبيق ما أسماه بالحياد السياسي للبنان، أو "الحياد الإيجابي" وهو يعني الابتعاد عن كل عمل جبهوي أو تنسيقي مع أي محور دولي ضد محور دولي آخر، ومنع أي عمل مناهض لدولة أخرى انطلاقاً من لبنان، باستثناء الدفاع المشروع عن النفس.
 
و"المعارضون" للحياد من المعلقين والجهابذة، قالوا إن هذه الفكرة لا يمكن تطبيقها في لبنان في ظل الطائفية والديموقراطية التي تعتمد على التوافق. وتزايدتْ الأصوات التي تدعو إلى "طائف" جديد، أو مؤتمر دولي حول لبنان، ووضع "حزب الله" الحياد في موضع الشبهات والتدويل، معتبراً أنه في ظل وجود اسرائيل لا معنى للحياد. وقال عاشق المستندات، عضو كتلة "حزب الله" حسن فضل الله، إن التجارب بيّنتْ أن طرح التدويل كحل لمشكلة لبنان سيؤدي إلى تهديد وجوده. ولما كانت الأزمة الاقتصادية أشد من حبل المشنقة على رقاب اللبنانيين، دعا أمين عام "حزب الله"، حسن نصر الله، إلى "التوجه شرقاً"، وهو غير قادر على إدارة باخرة نفطية، وبات يضارب على أسعار الدولة اللبنانية. وطرح سؤال التوجه إلى أي "شرق" والعالم كله صار "غرباً"؟ وطالب الاعلامي الممانع جورج القرداحي برجل مثل محمد بن سلمان في لبنان لمُحاسبة الفاسدين. ويصر رئيس الجمهورية، ميشال عون، على اعتبار أن التدقيق الجنائي هو الحل.
 
أما رئيس مجلس النواب منذ نحو ثلاثة عقود، وزعيم حركة "أمل" نبيه بري، فأكد أنه "لا حل ولا خلاص للبنان إلا بأن يمتلك الجميع جرأة وشجاعة الذهاب نحو الدولة المدنية، فخلاص لبنان لا يكون إلا بالإقدام على هذه العملية الجراحية الدستورية". وللمنجمين أن يعرفوا أي دولة مدنية...
 
وكثرت الدعوات الى تطبيق وثيقة الوفاق الوطني أو الطائف، والعودة إلى الدستور ففي كتابه "الميثاق أو الانفكاك" ذهب المقاول نزار يونس إلى أصل العلّة في لبنان: التحاصص الطائفي القائم بذريعة ميثاقية متخيّلة. ومنه نفذ إلى جوهر الحل: إحياء الميثاق الوطني، واستكماله، عبر خريطة الطريق التي رسمتها وثيقة الوفاق الوطني. واستحضر يونس نموذج جنة سنغافورة العلمانية للاقتداء بها كونه يعرفها...
 
عندما تواجه أيّ دولة في العالم الثالث مأزقاً وجودياً، يتطلّع كثيرون إلى الجيش، على اعتبار أنّه "الحل". وفي لبنان الذي رمته الطبقة الحاكمة في الجحيم، بحسب الصحافي فارس خشان، اقترح عدد من السياسيين أن يتولّى الجيش جميع المهام الدستورية، في البلاد. أخذ طرح "الجيش هو الحل" صدىً أوسع ونقاشاً أكبر، لأنّه يأتي، في ظل قناعة محلية وإقليمية ودولية أنّ "الحكّام هم المشكلة"، غالبية اللبنانيين، يتطلعون إلى من يخلّصهم من الطبقة الحاكمة.
 
بالمختصر كان خليل حاوي يقول:
عمّقِ الحفرة يا حفَّارُ،
عمِّقها لِقاع لا قرارْ
يرتمي خلف مدار الشمسِ
ليلاً من رمادٍ
وبقايا نجمة مدفونة خلف المدارْ
لا صدى يرشح من دوَّامة الحمّى
ومن دولاب نارْ
 
 
 
المصدر: المدن