لبنان في العالم
لبنان بلد الوداعات

عادل نصار

الثلاثاء 21 كانون لأول 2021

بات لافتاً أنك كلما تسأل شاباً لبنانياً عن أعماله، يقول إنه يجهز أوراقه للسفر، أو كلما تسأل رجلاً عن وجهته يقول إنه يزور أبناءه في كندا أو فرنسا أو أوكرانيا، هذا عدا التململ العام لدى المواطنين، ويعكس هذا الواقع الوقوف في طوابير أمام أبواب السفارات، وأرقام الاستطلاعات التي تحدثت عن عشرات الآلاف ممن غادروا الى تركيا خلال أشهر قليلة، وأرقام أخرى تتحدث عن خسارة لبنان نصف طاقمه الطبي بسبب الهجرة... 
 
لم تعد الهجرة تقتصر على الطلاب والباحثين عن فرص عمل، بل تعدّت الى جميع الفئات من الفنانين الى الأطباء والممرضات والمحامين ورجال الأعمال وأصحاب المطاعم، وصولاً إلى المواطنين العاديين، الذين لم يفقدوا عملهم فحسب، بل باتوا يحلمون بالكهرباء والدواء والمحروقات وحتى الفروج والمعجنات. حتى السياسيين راحوا يبحثون عن فرص عمل في الخارج. الرئيس حسان دياب قدّم سيرة ذاتية في قطَر، سعد الحريري يقيم في الإمارات من اجل البزنس، وكذلك النائب ديما الجمالي... هذا الى جانب أن الكثير من السياسيين يحصلون على جنسيات أجنبية، ويرسلون أولادهم للإقامة في الخارج...
 
هكذا الحياة في لبنان، الأباء والأمهات ينجبون أولادهم ويعتنون بهم ويرعونهم، ثم يرعون شؤونهم لتدبر أمر سفرهم من بلاد دائمة الأزمات، أملاً في النجاة من براثنها. وحتى ثوار الساحات، ممن ثاروا على أوضاع البلاد وحكامها على مدى أشهر، وبعدما تمردوا على النظام بشعارات "كلن يعني كلن"، وعلى المصارف وطرق احتيالها، تجدهم يحثّون السير على طريق السفر والحصول على باسبور، فلا تسمع بينهم إلا حديث الهجرة بعدما خذلهم الواقع اللبناني والنظام معاً... وبعدما كشفت الثورة أن أزمة لبنان أعقد بكثير مما كنا نتصور، وهي ليست في طبقة فاسدة تسيطر عليه فحسب، بل في أن اقتصاده الغارق في وادٍ سحيق يصعب انتشاله منه...  
 
يقول ميشال فوكو بما معناه، نقلاً عن إيمانويل كانط في كتابه "ما التنوير" معلقاً على أحداث الثورة الفرنسية: لنعرف عن تأثير حدث ما، علينا أن نعرف تأثيراته ليس فقط بين صانعيه بل في الحلقات التي تحيط بالحدث، أي وسط الناس الذين لم يشاركوا في صناعة الأحداث إلا أنهم تأثروا بشكل او بآخر بها من خلال عيشها... وأثر الأحداث الأخيرة، الاقتصادية والصحية والمعيشية، وسط الجموع على اختلاف تنوعها، هو أثر يدعو الى السفر والهجرة... اذ باتت العائلات لا تصدّق أنها وضعت موضع قدم في بلاد الاغتراب، وتكرّ السبحة في العائلة، فالأخ يستدعي الشقيق وعائلته، والشقيق يستدعي الشقيقة وباقي أفراد الأسرة وأبناء العم، حتى الآباء باتوا لقمة سائغة أمام ظاهرة الهجرة. يفكر المرء في أمر ما تخلفه العائلة عند ترك البلاد من آثار وذكريات وأملاك للتسيب، وما بناه الآباء طيلة سنين يذهب سدى. إذ ان الوارثين في أرض المهاجر ما عاد يعنيهم إرث الآباء والأجداد..
 
كأن اللبناني بات يقول "جهنم السفر ولا (جنة) الوطن"، فهو يطرق أبواب المستحيل كي يهاجر، رغم استفحال الأزمات ضده في الخارج، ورغم أن صعوبات سفره باتتْ أكثر ثقلاً، والعراقيل تأتي من كل صوب بسبب سياسات الدول والصراع مع بعض الأطراف اللبنانية، ودور هذه الأطراف في تهديد الاستقرار في الجوار... أو دور فئات في ترويج المخدرات على أشكالها...
 
واللبناني يهاجر الآن كما لو أنه في زمن الحرب الأهلية، بات يركب البحر تهريباً، يركب الموج يتحمل ظروف خطرة وقاسية أمام الحدود لكي يصل الى أوروبا... الهجرة تزداد باستمرار وتحولت نزيفاً، ورغم ذلك لا يفكر اللبنانيون أن بإمكانهم صنع مستقبل أفضل في بلادهم. يفضلون الهجرة على تغيير الظروف والنظام التي يجعلهم يهاجرون ويركبون المخاطر أملاً في النجاة.
إنه سر من أسرار "الأعجوبة اللبنانية". هذا البلد الغريب الذي يرسل أبناءه إلى الخارج، فيصبحون مصدر دخل للأهل في زمن الأزمات، فيصبحون بحكم العاجز أو المؤجل الدائم للتحرك لتغيير الظروف التي يعيشونها. 
 
لنتخيل بلداً من دون أبناء، ومع الوقت، يتحول الأبناء الذين هاجروا إلى صورة على جدار أو مجرد فكرة تراود الأهل بين الفينة والأخرى، فكرة تغذي يوميات وساعات عيشهم في هذا البلد.  
 
لبنان بلد الوداعات والفقدان والوجهة طريق المطار... بلد حيث أصبحت القرابة "تشدّ" أواصرها عبر الهاتف أو الفايسبوك والزيارات القصيرة والمتباعدة زمنياً بسبب الأحداث الخطرة وعدم الاطمئنان. العائلات يتفرق شملها بسبب البعد والمسافة، ومع الوقت تتشتت بسبب موت الأهل فلا يعود الأبناء للالتقاء والرجوع الى لبنان، ويصبحون كالغرباء مع بعضهم البعض.
هذا البلد الذي يشغل الكون في تشكيل حكومته، لا أحد مرتاحاً فيه...
 
 
المصدر: المدن