في أثناء قراءته/ مراجعته لتاريخ الاغتراب اللبناني، الاغتراب في لبنان ذاته أوّلًا، والاغتراب بعيدًا عنه تاليًا، نجد الباحث والمؤرّخ اللبناني الدكتور حسن موسى، وهو أحد من عاشوا هذا الاغتراب في أفريقيا وفرنسا، عشرات السنوات، يستعيد مائتي عام من تاريخ لبنان المعاصر عموما، وتاريخ جبل عامل خصوصا، متوقّفًا عند محطّات هذا الاغتراب وأسبابه ودوافعه، في فصول تجمع ما بين "التأريخيّ" و"المذكّرات"، فهي تأتي في صورة مادة "تاريخية" مرّة، وفي صور من الذكريات الشخصية، الحميمة أو القاسية، في الكثير من فصول الكتاب. هنا إضاءات على هذه "الذاكرة".
الكتاب الصادر حديثًا (دار النهضة العربية- بيروت، 376 صفحة قطع كبير)، بمقدّمة لرئيس مجلس النوّاب اللبناني نبيه برّي، جاء للإضاءة على "مسار وطنيّ تاريخيّ، لمئات الآلاف من أجدادنا وأهلنا"، هؤلاء الذين اختاروا ركوب المخاطر لرفضهم ظلم الدولة، واضطهاد الإقطاع، وغياب العدالة في فرص العيش، والتجهيل الذي كانت تفرضه السلطات العثمانية. وبهذا فالكتاب يبدأ، زمنيّا، مع مطالع القرن التاسع عشر، حيث لبنان يعيش في ظلّ حكم العثمانيّين، ويتوقف عند حملات بونابرت ومحمد علي باشا وإبراهيم باشا، وآثار هذه الحملات على بلاد الشام عمومًا، وعلى لبنان خصوصًا، ثمّ على جبل عامل (الجنوب اللبنانيّ)، على نحو أشدّ خصوصيّة.. وصولا إلى الانتداب الفرنسي وإعلان "لبنان الكبير".
يعرّج مؤلف الكتاب، وهو الحائز على وسام جوقة الشرف الفرنسي 2003، ضمن خطوط الكتاب وفصوله، على دور الفتن الطائفية في تشجيع الهجرة، ثم يذهب إلى ذكرياته الشخصية عن الحياة في جبل عامل، الكتاتيب والمدارس الأولى، ويتناول مراحل الهجرة، من محطة مرسيليا، ثم السنغال التي يعدّها بوابة المهاجرين إلى أفريقيا، والحديث عن أفريقيا الفرنسية.. ووحدة اللبنانيين وتضامنهم في المهجر والاغتراب، والعلاقات مع مصر عبد الناصر ودوره في تمتين أواصر العلاقة، ثم يأتي الحديث عن العلاقة مع المغرب والمغاربة. وصولا إلى العودة الأولى إلى الوطن، ثم الحرب الأهلية والهجرة مجدّدا إلى فرنسا.
وفيما نقرأ الكتاب، ومنذ مقدّماته وتمهيده وفصله الأول، نشعر أنّنا إزاء ما يجري اليوم من كوارث، خصوصًا في ما يتعلّق بالوضع السوريّ، لجِهة التدخّلات الخارجية الجارية، فهذه التدخّلات هي التي تصنع الحدث، ويبدو أنّها هي التي ستصنع النهاية والمصير. فلا تغيير كبيرًا، ولا اختلاف جذريًا، بين ما حدث منذ القرن الثامن عشر، وصولا إلى الحرب العالمية الثانية، وبين ما يجري اليوم. الفرق يكمن في أن ما جرى في الماضي، كان للبنان نصيب وافر منه، بينما الحدث اليوم سوريّ بامتياز، ولبنان على هامشه. وما يهمّنا من هذا الكتاب، أكثر من سواه، هو مقاربة العوامل الدافعة إلى الهجرة، والتي تشبه، إلى حد كبير، ما يجري اليوم من تهجير سببه المجازر والدماء التي تُسفحُ جهارا نهارا.
عن جبل عامل
الجبل، بحسب المؤلّف، هو "منطقة من برّ الشام، في جنوب دمشق، على تماسّ وثيق مع شمال فلسطين وجبال الجليل التي تحيط به من جنوبه، حيث يطلّ جبل عامل على بحيرة طبرية وبلاد صفد..". دينيّا وطائفيّا، يقول الباحث إن معظم سكّان جبل عامل "مسلمون شيعة إماميّة اثنا عشريّة، مع نسب قليلة من المسيحيّين في بعض القُرى، وثمّة مسلمون سُنّة في صور وصيدا وبلاد العرقوب، عاشوا في وئام وتآلف، إلا حين كان يعبث بهم الأجانب والسلطات الحاكمة الغربية، فيضطرب الوضع، ويسود البلاد التوتر والتوجّس".
ومثلما كان التشيُّع، الذي جاء مع أبي ذرّ الغفاري، سببًا في أن يدفع أبناء "جبل عامل" ثمنًا غاليًا وباهظًا إذ "جرّ عليهم نكبات واضطهادًا وكوارث وعزلًا ومجازر وإبادات"، فقد كان موقع هذا الجبل سببًا لجعله "ساحة حروب ووقائع دامية"، فهو "في مجاورته لبلاد فلسطين، وفي موقعه جنوب سورية، كان مجازًا (ممرًّا) لكلّ الحملات العسكرية الآتية من مصر نحو دمشق وحلب والجزيرة، أو المنطقة من الشمال نحو الجنوب، إلى مصر، والجزيرة العربية وشمال أفريقيا".
وفي حديثه كله عن جبل عامل، وما ظلّ يتعرّض له على مدى التاريخ، كما في الفتوحات الإسلامية والحروب الصليبية، وصولا إلى الحرب الكبرى بين العثمانيين والحلفاء، فإنه يتحدث عن "الجبل" بوصفه بؤرة لبنانية تمثّل لبنان كلّه. وما تعرّض له الشيعة، تعرّضت له الطوائف جميعًا تقريبًا، إلا أن نصيب الشيعة كان هو الأكبر.
تسلّط العثمانيّين وعنصريّتهم
في فقرة واحدة، مطوّلة، من الفصل الأول في الكتاب، يلخّص المؤلّف الحال التي كان عليها حكم العثمانيّين للبلاد التي حكموها منذ القرن السادس عشر، خصوصًا بلاد الشام، ومنها لبنان بالطبع، ولجبل عامل على نحو مميّز، هذا الحكم الذي كان عظيمًا في بداياته، ثم راح ينحطّ نحو مستويات غير مشهودة من اللاإنسانية. فمع حلول القرن التاسع عشر، راحت الإمبراطورية العثمانية تتهاوى، حتى أطلق عليها قيصر روسيا عام 1844 لقب "الرجل المريض".
هذا الانهيار للإمبراطورية، الذي كان وراءه تسلم سلاطين ضعفاء، انعكس سلبا على أسلوب الحكم، إذ صار همّ هؤلاء السلاطين البقاء في السلطة، فراحوا يتفنّنون في التنكيل بـ"الرعية". كانت المسألة، كما تمارسها بعض القوى اليوم، تتعلّق بتدخّل الدولة في تحديد أنواع اللباس، وعدد دور العبادة والوظائف والمدارس، ولم تقتصر على حجم الضرائب التي كانت فاحشة، بل تتجاوز إلى الأساليب الهمجية التي تجري جبايتها بها، هذا فضلا عن إهمال الزراعة والصناعة والتجارة، ومصادرة الحريّات، وتشديد الرقابة على الصحف والمطبوعات، ومحاربة العلم والتعليم والتوقف عن إنشاء المدارس، وعدم احترام الرموز الدينية لغير المسلمين، ولا حتى لبعض المسلمين كالشيعة، وفوق ذلك كله القتل والمطاردات والسجون، والتجنيد الإجباريّ.
لقد كانت الدولة العثمانية، كما يختصر المؤلف الأمر "دولة تجهيل وإفقار واستبداد وظلم واستغلال، بالنسبة للمناطق التي تسيطر عليها، وللشعوب الخاضعة لها". وفي ظلّ ظروف كهذه، ضرب الجوعُ الناسَ وفتك بهم حتّى "باع الناسُ عقاراتهم وأراضيهم بعدد من الأرغفة، وقليل من الطحين"، بل إن "جندرمة الأتراك" الذين كانوا يقتحمون البيوت، بحثًا عن الشباب الفارّ من الخدمة، كانوا ينهبون كل ما يجدونه في تلك البيوت، ويصادرون الدوابّ (الحمير والخيول والبغال والجِمال)، وهي عصب مهمّ في حياة الفلاحين، ويرسلونها إلى جبهات القتال لجرّ المدافع وحمل الذخائر والمؤن.
خلاصات
بعد هذه الإضاءات التنويرية، وبعد التفاصيل الكثيرة عن أحوال المغتربين، همومهم ومشاكلهم ودورهم في النهوض بالوطن اقتصاديّا، من خلال دعم الأهل ماديّا، تبدأ رحلة المؤلف في اتّجاه الوطن، ويبدأ النظر في معالجة شؤون المغتربين بوسائل شتّى، فيوجّه نشاطه ورسائله ومشاريع كتاباته نحوهم، ومن ذلك رسالة وجّهها ذات مرّة إلى رئيس الحكومة المعروف سليم الحصّ، تشتمل على ملامح مشروع اقتصاديّ كبير من قبل المغتربين، يرى فيه أن ما بين خمسة ملايين واثني عشر مليونَ مغترب لبناني "يتشوّقون لمساعدة وطنهم الأمّ، وإنقاذه من محنته.."، لكنّ استجابة الحكومات اللبنانية المتعاقبة مع المغتربين لم تكن مشجعة. وما يزال هؤلاء يجدون في المغترَب "خلاصًا" وتحقيقًا لطموحاتهم وأحلامهم. بل إن الكثير من الشباب اللبنانيّ، لا يزال حتى اليوم، يجد في الهجرة مثل هذا الخلاص.
على صعيد الجانب السلبيّ للهجرة والاغتراب، يرصد المؤلف النزيف الهائل للطاقات والقوى، لكنه يرصد، في المقابل، ما يقدمه المغتربون للوطن من مساعدات هائلة، أسهمت وتسهم في نموّه وازدهاره على غير صعيد، وهو ما يتطلب المزيد من القراءة.
المصدر:العربي الجديد