لبنان في العالم
في يومهن العالمي: لا أمان للنساء في لبنان

جنى الدهيبي

الثلاثاء 9 آذار 2021

في 8 آذار من كل عام، كنا نتساءل عن كيفية الاحتفال بـ"يوم المرأة العالمي". ماذا سنكتب؟ كيف سنعبّر عن حكاياتنا؟ عن أيّ غبنٍ نتحدث؟ وعن أي انجازات أيضًا؟ كيف سنقدّم خطابًا مغايرًا عن أولئك الذين يستهلكون قضايا النساء تحت شعارات "المناصرة"؟ من هنّ الفتيات والنساء اللواتي لا صوت لهن في مغبّ الفوضى الجارفة للقيم الإنسانية والأخلاقية؟  
 
كل تلك الأسئلة وغيرها، اختلفت إجاباتها بعد عامٍ ونصف العام من عمر أزمتنا في لبنان. ورغم أنّ أوضاع النساء قبل خريف 2019 لم تكن جيدة يومًا، إلّا أن الانهيار الكبير الذي نعيشه طالت رياحه الفئات الأكثر "استضعافًا"، لتكون النساء والفتيات بالطليعة.  
 
اختاري أن تتحدي  
هذا العام، رفع المنظمون شعار "اختاري أن تتحدي" لتشجيع كسر الصورة النمطية عن المرأة، لا سيما أن الاحتفال يأتي وسط قلق عالمي من تداعيات جائحة "كورونا"، التي فتكت بالآمال والطموحات، وفرضت نمطًا جديدًا من الحياة، غلبت عليه عزلة قطعت أوصال الحياة الاجتماعية التي سبق أن عهدنا. وعلى مدار عامين، خرجت أصوات قلقة من معظم البلدان تتحدث عن ارتفاع ملحوظ بوتيرة العنف المنزلي ومعدلات قتل الفتيات، لتصبح المنازل خلف أبوابها الموصدة هي الأماكن الأكثر اضطرابًا والأقلّ أمانًا للنساء. وقد يكون هذا الوضع بديهيًا، بعد أن فاقمت عمليات الإغلاق والقيود المفروضة على الحركة من صعوبة تمكن الناجيات من الإبلاغ عن الانتهاكات التي يتعرضن لها، أو طلب المساعدة.  
 
لكن، ما حلّ في لبنان، كان أشدّ فتكًا من كورونا، إذ يواجه اللبنانيون مختلف "الجوائح" السياسية والطائفية والمجتمعية والأمنية والمعيشية والاقتصادية، فدخلنا مرحلة الانحلال بكل معانيه، والذي تحكمه لغة العنف، لتقع النساء والفتيات أولى ضحاياها.  
 
أرقام القتل والتعنيف
بالأرقام، بدأ لبنان يشهد منذ عام 2020 ارتفاعًا كبيرًا بنسبة الجرائم الفردية والمنظمة، ثمّ تبيّن أن قتل النساء وتعنيفهن احتلّ الصدارة. ولعل قصّة المغدورتين لارا شعبان التي واجهت محاولة قتل زوجها لها، وزينة كنجو التي قُتلت على يد زوجها، نهاية كانون الثاني الفائت، كانت نموذجًا عن مستوى الانتهاكات التي تتعرض لها النساء اللبنانيات، والتي لم تلجمها القوانين، كما لم تردعها كل حملات التوعية والمناصرة. وبآخر أرقام لقوى الأمن الداخلي، أظهرت أن البلاد شهدت خلال فترة التعبئة العامة والحجر المنزلي، ارتفاع نسبة التبليغات عن العنف الأسري على خطها الساخن بنسبة 96.52%.  
 
وإذا كان العنف تضاعف بفعل الانهيار الكبير، وحالة الفوضى، التي أدت لفقدان الوظائف وتآكل القدرة الشرائية، فإنّ بلادنا صارت مشرّعة أكثر على انتهاك النساء والفتيات، وليس اللبنانيات وحسب، وإنما اللاجئات والعاملات الأجنبيات أيضًا، اللواتي صرن عرضةً لشتى أشكال الاستغلال، معنويًا وماديًا وجنسيًا.  
 
ومن تداعيات تدهور الأوضاع المعيشية، ارتفاع نسب التسرب المدرسي للفتيات والتسول والابتزاز الجنسي، إلى جانب توسّع ظاهرة تزويج القاصرات، في الأطراف والمناطق النائية، حيث تلجأ بعض العائلات للتخفيف من أعبائها عبر التخلص من بناتها، فتقوم بتزويجهن من دون تأمين أدنى أسس الحماية لهن، وقبل أن يبلغن 18 عامًا.  
 
المحاكم الدينية
وواقع الحال، تتلازم مأساة المرأة اللبنانية مع الكوارث التي تحلّ على لبنان واحدةً تلو الأخرى، وقد بلغت ذروتها بجريمة انفجار مرفأ بيروت في 4 آب 2020، التي دفعت فيها النساء أثمانًا باهظة، بأرواحن وأولادهن وأزواجهن ومساكنهن، من دون أن يحصلن على الدعم والتعويض اللازمين. وحتى مع انتشار ظاهرة السرقة والنشل التي بدأت تروج في لبنان، بدا أن النساء هن أكثر عرضة لها، نتيجة استسهال المعتدين للتعاطي معهن عبر التهديد والترويع.  
 
كل هذه المؤشرات وغيرها، تشي أن لبنان يشهد انهيارًا كاملًا للمنظومة القيمية الضامنة لتوفير أسس الأمان والتفاعل الصحي وغير العنيف مع الآخر، في ظل غياب الحماية القانونية والأسرية. فمن جهة، يضم لبنان نحو 18 طائفة و15 قانونًا للأحوال الشخصية، وتتحكم بمصير نسائه المحاكم الدينية التي تلتقي على هدف واحد وهو التمييز ضدّ النساء، في ظل غياب قانون موحد للأحوال الشخصية. كما أن تجربة النساء اللبنانيات مع تلك المحاكم في قضايا الزواج والطلاق والنفقة والحضانة، أثبت أن تعددية قوانين الأحوال الشخصية (الدينية) لا توفر أبسط حقوق النساء وحاجاتهن مع حاجة أطفالهن.  
 
ومن جهة أخرى، فإن قانون "حماية النساء وسائر أفراد الأسرة من العنف الأسري"، الذي أقره مجلس النواب في 2014 ثم عدّله في كانون الأول 2020، ما زال قاصرًا عن توفير شبكة حمائية للنساء والطفلات، لأن مصالح ورؤية مشرّعي البرلمان تتقاطع مع مشّرعي المحاكم الدينية والروحية، وجميعهم يستفيدون من ضعف تمثيل النساء بالمرافق السياسية والقضائية.  
 
ومن عبثية الواقع اللبناني، الذي يتدحرج نحو الفوضى القاتمة، يتعاطى كثيرون مع قضايا النساء، بالقوانين والأحوال الشخصية، كأنها صارت ترفًا، أو معاناة ثانوية؛ ليصبح هذا البلد الذي تُدمّر فيه "الحريات" مقابل تغليب القمع والعنف، أشبه بالغابة التي لا أمان فيها للنساء.  
 
وهنا، ما دام لا المشرّع ولا القاضي يقفان سدًا منيعًا لحماية النساء ودعمهن، لا بد إذن من طرح سؤال لنقاش مفتوح: ألا يستوجب هذا الواقع على الجمعيات والمنظمات الداعمة لقضايا المرأة في لبنان منذ سنوات، أن تعيد النظر بآلية مناصرة النساء، وأن تراجع إخفاقاتها قبل الحديث عمّا تعتبره انجازًا؟ 
 
 
 
 
المصدر: المدن