جمهور الطوائف والأحزاب: اللعبة الرديئة نفسها بالاستيلاء على الشارع
نادر فوز
الإثنين 8 آذار 2021
عاد المشهد اللبناني ليتضّح في الأيام الأخيرة مع الاحتجاجات والتحرّكات وقطع الطرقات. الكلّ، يعني الكّل، ينتفض ضد واقع سعر صرف الدولار وضد الأزمة الاقتصادية والحلول المعدومة للانهيار الحاصل. الناس في الشارع من جديد، لا تنادي إصلاحاً ولا محاسبة، بل لمطلب رغيف خبز وعلبة حليب وتنكة زيت. مشهد دراماتيكي لكنه منطقي، تقوده أحزاب السلطة بنفسها في معظم المناطق، للاحتجاج على واقع مرّ أوصلت اللبنانيين، بمن فيهم جماهيرها، إليه. ومع نزول جمهور أحزاب المنظومة والطوائف إلى الشوارع، يصبح السؤال ملحّاً عن جدوى المشاركة في هذه التجمّعات، التي تحمل رسائل سياسية بين مكوّنات الحكم بغلاف مطالب شعبية محقة.
لعبة أحزاب السلطة
تدير أحزاب السلطة والطوائف لعبة الشارع من جديد، ولكل منها مآربها في استغلال أوجاع اللبنانيين. لم يعد خافياً على أحد أنّ جمهور الطوائف، المعلّب والمنفصل لأشهر عن مطالب الناس، عاد وسيطر على حركة الاحتجاجات. فصادر الشارع والمطالب تنفيذاً لأجندات سياسية مفضوحة ومعتادة. القوات اللبنانية تكرّس نفسها ناطقاً باسم الجائعين المسيحيين، فتقصف جبهات "العهد القوي" كل حين، وتحاول قلب موازين ساحة التمثيل المسيحي. تيار المستقبل، يصوّب على العهد أيضاً في حشرجات أخيرة. أما لعبة الثنائي الشيعي ففي مكان آخر تماماً. تنفّس عن غضب مخزّن ومكبوت بقرار سياسي وتنظيمي، صدرت خلال الساعات الماضية رسائل واضحة بإمكانية انفجاره. وفيها رسائل بشتّى الاتجاهات، للحليف والخصم، كما العادة.
لعبة الأمن المتفلّت
وكالعادة، جرّت أحزاب السلطة معها في لعبة الشارع لعبة الأمن المتفلّت والمترنّح. فتنقّلت الإشكالات التي لا تزال محدودة بين الجيّة والشويفات وبيروت، لتعزّز ضرورة انسحاب الناس العاديين من الشوارع، وسيطرة الأحزاب على حركة قطع الطرقات. ما يهدّد بتحويل مطلب الحصول على رغيف الخبز إلى مطلب المحافظة على الأمن، في تنكيل إضافي بأوجاع المواطنين. وتعزّز اللعب على وتر الأمن المتفلّت سلة ضخمة من الشائعات والأخبار الكاذبة، التي تم التسويق لها بماكينات حزبية وأمنية، لتقويض أي نية شعبية بالتحرّك وتصوير شوارع بيروت والمناطق ساحات أعمال أمنية. والهدف من كل ذلك، التهيئة لأي ارتكاب أمني في الساعات المقبلة، أو مجرّد التلويح به، لإعادة ضبط الأمور بما يرغب به المتحّكمون بالأمن.
عبث الاحتجاج
قد يبدو النزول للاحتجاج في الشوارع، بعد مصادرتها من أحزاب الطوائف، ضرباً من العبث. والأعتى من كل ذلك، أن ليس من حكومة يمكن مطالبتها بتنفيذ إجراءات أو اتخاذ قرارات. ولا من رئيس يسمع أو يعلم بما يحصل بين الناس، حتى لو خرقت أصوات المحتجّين مسامعه في قصره الرخامي. حتى المطالبة بتشكيل حكومة يبدو ضرباً من الجنون في زحمة صراعات أهل السلطة على تشكيلة حكومية، لن ترى النور إلا بعد التوافق عليها إنّ تم الاتفاق عليها والإجماع حولها. والصراخ ضد التجويع والتفقير ونهب الودائع المصرفية نفد. الصراخ لم يفلح، طوال 18 شهراً، في إيقاظ ضمير سياسي، داخلي وخارجي.
اللعب الرديء
بشتّى الوسائل، أعادت المنظومة السياسية والطائفية تموضع المطالب والتحركات والاحتجاجات. حتى أنّ المشهد يمكن اختصاره في أنّ اللبنانيين عالقون بين رجليّ دين. يطرح الأول حياداً ومؤتمراً دولياً لإنقاذ البلد بإعادة التفاهم بين مكوّنات السلطة. ويهدّد الثاني بانفجار غضب وقلب الطاولة في كل حين وعند كل استحقاق سياسي. وحولهما تجتمع الرئاسات والأحزاب والطوائف. هي اللعبة الرديئة نفسها، تعود إلى شاشات اللبنانيين الجالسين في بيوتهم مكرهين، بعد انكفائهم عن الاحتجاجات. يتفرّجون عليها، مجدداً، من دون فواصل إعلانية ولا راحة. ينامون عليها، ويستيقظون عليها، وتأتيهم كوابيسها في المنام. معاقبون بالتفرّج على رداءة اللعبة، فوق كل البؤس الاجتماعي والاقتصادي والمالي المُعاش يومياً. حتى صاروا يرضون بانقطاع الكهرباء ليخفف عنهم وصلات البث التلفزيوني للعبة القاتلة وغير المسلّية.
المصدر: المدن