يستمرّ صدور الأبحاث والدراسات التي تتناول موضوع الاغتراب اللبناني من مختلف جوانبه السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، وكذلك، تلك التي تقارب هذا الموضوع من الناحية التاريخيّة. وفي هذا السياق، نشر "مركز التراث اللبناني" في الجامعة اللبنانيّة الأميركيّة (LAU) كتاب "دليل المهاجرين اللبنانيين الأوائل إلى أميركا مع مطلع القرن العشرين". وأكّد مدير المركز الشاعر هنري زغيب ل "ليبانيز كورا" أنّ ما أصدره "مركز التراث اللبناني" هو طبعة حديثة لكتاب صدر سنة 1908 (سلوم مكرزل وحبيب قطش) يتضمّن دليل المهاجرين اللبنانيّين الأوائل ومهنهم، حِرفهم، أعمالهم أصولهم في لبنان، توزّعهم في الولايات ومساهماتهم في الاقتصاد الأمريكي.
وذكر زغيب في مقدّمة هذه الطبعة الجديدة وجود أهمية للباحثين ترتكز إلى أنّ قراءته الرقمية "تمكّن من اعتماده ولو جزئيّاً، تعداداً إحصائيّاً لأصحاب المهن والحِرَف ورجال الأعمال اللبنانيين الوافدين إلى أميركا قبل أن تكون لهم إحصاءات ديموغرافيّة رسميّة لبنانيّة". ويذكر أيضاً "أثر الناشرين بجعله يتخطّى عصرهما أيّام صدوره ليصبح اليوم مرجعاً ضروريّاً لكل باحثٍ في شؤون الانتشار، لما فيه من تعداد دقيق نتصوّر لواضعيه معاناتهما الصبورة أيّامئذٍ حيال البطء اللوجستي في التواصل والاتصالات وصعوبة البحث وجمع المعلومات والإحصاءات".
وما يزيد من أهمّية هذا الكتاب، أنّه "ليس لوائح أسماء وأرقام، بل يوضح حضور اللبنانيّين في أميركا مع العقد الأوّل من القرن العشرين، ودُرَبَهم في ميادين وحقول متعدّدة، ويكشف مهاراتهم ودورهم وإسهاماتهم في نهضة المجتمع الأميركي".
ويضيف زغيب بعداً سوسيو تجاريّاً إلى أبعاد الكتاب الأخرى. فهو يظهر "براعة المهاجرين في شؤون التجارة سهّلت اندماجهم الطبيعي في النظام الأميركي الاقتصادي". فهذا الكتاب ليس "مجرّد دليل إعلاني، بل هو ثَبْتٌ سوسيو-تجاري مجموعٌ بوسائل بسيطة من تلك الحقبة". أمر لافت ذكره زغيب في مقدّمته أيضاً وهو الأثر الاجتماعي الذي يتبيّن من خلال "تغيّر الاسم من أصله في لبنان إلى تحوّله في أميركا تسهيلاً للفظه والتعامل به". وتفيد هذه الطبعة الجديدة لبنانيّي اليوم في اكتشافهم "أجداداً لهم وعائلات وأفراداً من أهلهم أو عائلاتهم أو أقربائهم أو أنسبائهم أو أصدقاء لهم هاجروا عند مطلع القرن العشرين، وتوزّعوا في الولايات الأميركية ديمغرافيّاً وجغرافياً ومهنياً"، من خلال الدليل الذي قد يكشف لهم بشكل "مفصّل" ما قد يكون "امتدادات تاريخيّة وعائليّة، ربّما لم يكونوا يعرفونها".
من جهة ثالثة، تبرز هيكليّة واضحة للكتاب، حيث "تعمّد الناشران إصداره بالعربية والإنكليزيّة تعميماً لفائدته في الأوساط الأميركيّة والعربيّة معاً" الأمر الذي "جعله جسر تواصل سهلاً بين التجّار والصناعيّين العرب ونظرائهم الأميركيّين". ووصف زغيب الدليل بال "عمل الرائد التأسيسي" للدليل المهني التجاري. وقد كان "لدى صدوره أوّل كتاب من نوعه في الجالية اللبنانيّة وأوّل بيان غير رسميّ لأعداد المنتشرين وتوزّعهم على الولايات وطبيعة أعمالهم في كلّ ولاية".
ولفت زغيب النظر في مقدّمته إلى عدم وجود اهتمام بالإخراج الطباعي في صفحاته، "فالإعلانات فيه منشورة كيفما اتّفق"، ومع ذلك فهنالك وضوح في أنّ "إنتاجه طباعيّاً يرتكز على الإعلانات التجاريّة، لبراعة سلّوم مكرزل في هذا الشأن". ويشير زغيب إلى أنّ لغة الإعلانات فيه "بسيطة، بعيدة عن التكلّف، تدلّ على استخدامها فترتئذ من دون أيّ اهتمام لغويّ لأنّ الهدف كان إيصال الفكرة باللغة الأبسط، لذا ظهرت فيه أحياناً مفردات بلفظها الإنكليزي مكتوبة بالعربيّة".
من ناحية رابعة، وعلى صعيد البيان المهني والعائلي، يوثّق هذا الدليل أنواع الأعمال التجاريّة والمهن والحِرَف التي تعاطاها المهاجرون الأوائل عند وصولهم إلى الأرض الجديدة، واستقرارهم فيها، وكيف أمّنوا مهنيّاً ومعيشيّاً هذا الاستقرار". ويؤكّد زغيب في مقدّمته إمكانيّة اطّلاع القرّاء على "طبيعة مهنٍ تجاريّة (نحو 3300) اعتمدها قبل أكثر من قرن مضى من كانوا سنة 1908 (تاريخ صدور الدليل) يشكّلون 25% من مجموع مهاجرين معظمهم لبنانيّون".
ويفصّل الدليل مهن أولئك المهاجرين ونوع تجارتهم وعناوينهم بحسب الولاية والمدينة والشارع، ويورد بالعربيّة أسماءهم الأصلية بالولادة كما كانت في المدن والقرى التي جاؤوا منها إلى أميركا". وكتب زغيب أيضاً أنّ الإعلانات التجاريّة توضح اتّساع انتشار اللبنانيّين في الولايات المتحدة، "فلم ينحصروا منعزلين في غيتو أو متقوقعين في بقعة واحدة من القارّة الأميركيّة الشاسعة". والأهمّ من كلّ ما سبق أنّ "الدليل" يؤكّد "حضور اللبنانيّين الفاعل في أميركا منذ تلك الحقبة، ويلغي من الأذهان صورهم النمطيّة الأولى أنّهم عند وصولهم إلى الأرض الجديدة كانوا "بيّاعي كشّة" جوّالين نازحين لاجئين فقراء".
ولفت الشاعر النظر في المقدّمة إلى أنّ مركز التراث اللبناني، "في سياق اهتمامه بتراث لبنان محلّياً وانتشاريّاً في العالم، يعيد اليوم طباعة هذا الدليل مادّة موثّقة لدراسات جامعيّة وبحثيّة لاحقة". لذلك يبقى هذا "الدليل" في طبعته الجديدة، "مرجعاً أكاديميّاً بمصطلحات وقاموس ولغة ونهج وطريقة وعناصر عدّة تشكّل جميعها أثراً تنبضه رسالة مركز التراث اللبناني الذي نشأ في حرم الجامعة اللبنانيّة الأميركيّة وبدعمٍ منها، ليكون ذاكرة للتراث اللبنانيّ في لبنان والعالم".
المصدر: ليبانيزكورا