لبنان في العالم
النفوذ الأميركي في البيئات اللبنانية: ديبلوماسية المساعدات

نبيل الخوري

الأربعاء 3 شباط 2021

للولايات المتحدة الأميركية وجود على "الجبهات" كافة في لبنان. في السياسة، تأثيرها لا يمكن تجاهله. في الأمن، هي داعم أساسي للجيش والأجهزة الأمنية. موقفها حاسم بالنسبة لمفاوضات لبنان مع "صندوق النقد الدولي" لإقرار برنامج مساعدة مالية للبلد المنهار. تتولى رعاية مفاوضات ترسيم الحدود مع إسرائيل. لديها أهم جامعة في لبنان والمنطقة: الجامعة الأميركية. بموازاة ذلك، تنشط الولايات المتحدة بقوة على صعيد المساعدات المتنوعة التي تديرها "الوكالة الأميركية للتنمية الدولية" (USAID) في لبنان. وتُعَدّ المساعدات أداة من أدوات الدبلوماسية العامة أو دبلوماسية النفوذ الأميركية في هذا البلد. فهي تساهم ببناء علاقات ودية مع لاعبين اجتماعيين محليين، أفراداً ومؤسسات. تلعب دوراً في تكوين انطباعات ومشاعر إيجابية عن أميركا، وانجذاب نحوها، لدى كل من تتعاون وتعمل معهم في إطار برامج المساعدات هذه.
 
تلفزيون وفايسبوك
 
 
 
لا يتوقف الأمر عند هذا الحد. بل هناك حرص ومواظبة لدى ممثلي أميركا في لبنان على الترويج الدائم لأعمالهم وأنشطتهم، سواء بواسطة قنواتهم الإعلامية الرقمية الخاصة بهم، لاسيما مواقع التواصل الاجتماعية، أو من خلال الإعلانات التلفزيونية التي تُبَث بين الحين والآخر على الشاشة اللبنانية. وهذا يتيح الوصول إلى عدد أكبر من الجمهور، فضلاً عن تسليط الأضواء على أنشطة المساعدات. والهدف المرتجى يتمثل هنا في الإسهام بتشكيل الصورة الذهنية لأميركا.
 
 
يلاحظ مشاهدو المحطات التلفزيونية المحلية في الآونة الأخيرة، ذلك "الفيديو" الترويجي الذي يكشف عن تقديم 31 مليون دولار كمساعدة فورية مخصصة لسكان الأحياء التي تدمرت وتضررت بعد تفجير مرفأ بيروت في 4 آب 2020. وهي مهمة إنسانية تُنَفذ برعاية "الوكالة الأميركية للتنمية الدولية". لا يمكن تجاهل تأثيره على الجمهور المتلقي، خصوصاً أولئك الذين ليس لديهم عداء أيديولوجي وسياسي إزاء الولايات المتحدة.
 
إطلالة سريعة على صفحة "USAID - Lebanon" على "فيسبوك"، تظهر أيضاً مدى حيوية عملها المنتظم في مختلف المناطق اللبنانية. رسائل مرفقة بصور تُطلع المتلقي على مجموعة الأعمال المنجزة: إطلاق مشروع "تسهيل التبادل التجاري والاستثمار – TIF"، لدعم صمود القطاع الخاص وتعزيز ديناميته الاستثمارية في مواجهة الأزمة الاقتصادية الحادة؛ في إطار "برنامج بلدي" أو "برنامج دعم المجتمع المحلي"، تقدم "الوكالة الأميركية للتنمية الدولية" أشكال عدة من الدعم، مثل القروض أو الخبرات، لتشجيع مبادرات إنتاجية واستثمارية متنوعة، صناعية وزراعية وغذائية، تتولاها بشكل خاص شركات صغيرة الحجم، مما يوفر آلاف فرص عمل ومداخيل للأسر والأفراد؛ كما تساعد الشركات في تعزيز جودة العمل والإنتاج وتطوير أدائها الإداري وبرامجها التسويقية؛ هناك أيضاً دعم المبادرات البيئية في شتى أنحاء البلاد، من إعادة تشجير وتشييد الحدائق، إلى إعادة تدوير النفايات أو المواد البلاستيكية مثلاً؛ كذلك، تتولى هذه المؤسسة الأميركية تقديم منح دراسية لطلاب من مختلف المناطق.
 
التسلل الناعم
 
 
 
من اللافت اهتمام "USAID" بمنطقة الجنوب التي لها قسط وفير من الدعم في مجالات عديدة. في قطاع الري مثلاً، وتأمين المياه للسكان عبر بناء خزانات كبيرة. وفي البيئة والسياحة، حسب ما يظهره تشييد "قرية كوكبة البيئية" في حاصبيا أخيراً. حضور هذه الوكالة الأميركية في الجنوب لا بد من أن يستوقف المراقبين، لأن الأمر يتعلق بعملية بسط نفوذ أميركي في معقل حزب الله، الخصم الأساسي لواشنطن. فهل من شأن هذا "التسلل الناعم" أن يمهد لتغيير ما في خريطة القوى السياسية في الجنوب، يوماً ما؟
 
كل هذه الأنشطة تحقق أهدافاً تنموية لا يمكن إنكارها في لبنان، وتصب في خانة الدبلوماسية العامة التي تتيح للدولة التي تمارسها، تحقيق ما يسمى بـ"الدخول إلى عقول وقلوب" الجمهور المحلي. يتعلق الأمر إذاً بتعزيز أو توسيع النفوذ الأميركي في المجتمع اللبناني بفضل تفعيل عملية بناء العلاقات والتعاون والمساعدة التي تضطلع بها "الوكالة الأميركية للتنمية الدولية". كل هذه الأعمال تساهم في زيادة عدد الأصدقاء وربما في تقليص عدد الأعداء في أوساط الجمهور المستهدف.
 
استراتيجية تواصل
 
 
من شأن ذلك أن يؤسس لنقاط قوة يمكن للدبلوماسية الأميركية الاستفادة منها في سياستها اللبنانية عامةً. فلا يمكن التقليل من أهمية التواصل الحاصل بين ممثلي الدولة الأميركية ولاعبين محليين ينتمون إلى مختلف الفئات والشرائح الاجتماعية والمناطقية والطائفية في لبنان، وما يمكن أن يكرسه من تفاعل ثقافي وحضاري. صحيح أن الميدان اللبناني ليس حكراً على الدبلوماسية العامة الأميركية. إذ هناك منافسة إيرانية وفرنسية وألمانية وبريطانية وروسية (...). وبالطبع، تعاني "القوة الناعمة" الأميركية من محدودية، لأسباب عدة أبرزها سياسة واشنطن الخارجية وسلوكها غير العادل بشأن مسائل دولية عدة، مثل المسألة الفلسطينية. لكن ثمة دينامية أميركية بارزة واستثمارات بملايين الدولارات، بما يعكس وجود استراتيجية تواصل مباشر مع الجمهور اللبناني على المدى الطويل. وعليه، يمكن الاستنتاج بأن لدى واشنطن أولوية الحفاظ على نفوذها وتعزيزه في لبنان، وليس التفريط به في المستقبل.
 
فهل يُعقل أن يتم الآن الاستغناء عن الجامعة الأميركية في بيروت، عبر نقلها إلى دبي كما يُشاع، علماً بأنها وفّرت وتوفّر لها نفوذاً ثقافياً متجذراً، منذ تأسيسها في النصف الثاني من القرن التاسع عشر؟
 
 
 
المصدر: المدن