بيان "طرابلس مدينتنا": أرقى خطاب سياسي بوجه النظام اللبناني
المدن
الثلاثاء 2 شباط 2021
في مبادرة بالغة الأهمية، أصدرت مجموعة من المجتمع المدني في طرابلس بياناً شاملاً، حول ما حدث في عاصمة الشمال، ورداً على كل ما تشيعه التيارات السياسية والأحزاب ووسائل الإعلام، وتصويباً لأسباب وحوافز ما جرى، كما للوقائع. ويكشف البيان على نحو واضح، وجهة المدينة السياسية ومزاجها المنحاز لرفض استتباعها أو تهميشها أو شيطنتها أو تخويفها.
بيان لربما هو الأهم في كل ما قيل عن طرابلس بالآونة الأخيرة.
وهنا نصه الحرفي:
نحن الموقعين على هذا البيان من أبناء طرابلس الحبيبة، وأهلها المقيمين والمغتربين والعاملين فيها، نعتبر أنفسنا خارج الأجندات السياسية لأطراف السلطة وصراعاتهم، وخارج تجاذبات الأجهزة المتعددة، وبعيدون كل البعد عن نظريات المؤامرة التبسيطية التي لا تريد الاعتراف بعمق الأزمة وطابعها المزمن والخطير.
فساد وإجرام
إنَّ ما شهدته المدينة من أحداثٍ في الأيام الأخيرة أدى للأسف إلى فاجعة سقوط شهيدين وجرح المئات من شباب المدينة المطالبين بالحد الأدنى لحقوقهم الإنسانية، كما أدى الى إحراق مبنى البلدية والمحكمة الشرعية والاعتداء على الممتلكات الخاصة، ودفع الأمور نحو مواجهة خبيثة بين بعض المواطنين والمؤسسات العسكرية والأمنية...الخ، وهو نتيجة صارخة لهذا الواقع.
نحن ندرك تماماً أن مدينتنا ليست وحدها. وقد شاهدنا تضامن اللبنانيين الصادق مع ما تعانيه. كما ندرك أننا لسنا وحدنا من يعاني من الأزمة الاقتصادية والاجتماعية، ولا من الأزمة الصحية؛ فالانهيار الكامل للدولة وغيابها وفشل وعقم كل الخطط والخطوات التي قامت بها السلطات على الأقل منذ 17 تشرين، يطال كل اللبنانيين وكل المناطق بضرره.
فنحن لن ننسى أن هذا الفشل والفساد والإجرام فجّر بيروت في الرابع من آب؛ ولن ننسى أن البقاع يكاد يكون خارج الشرعية وخارج القانون سواء على الحدود المفتوحة أو في التفلّت الأمني قتلاً وسرقة على الطرقات من دون أي اجراء للحد منه؛ ولن ننسى الفشل المرعب في إدارة ملف الحدود البحرية، حيث حدود لبنان نفسها تحولت إلى مجال لتسجيل النقاط السياسية بين أطراف السلطة نفسها، هذا عدا عن الفشل في معالجة الأزمة الاقتصادية والاجتماعية والبيئية والتربوية وجائحة كورونا مع كل تداعياتها.
ضد المهانة
أما طرابلس مدينتنا التي أعلنت في حراكها الأخير الخروج من تحت عباءة الزعامات التقليدية؛ هذه المدينة، التي انتفضت سلمياً ولا تزال، وكانت محط أنظار العالم، تجد نفسها مستباحة اليوم على أكثر من صعيد، بعد تهميشها سياسياً واقتصادياً واجتماعياَ وبيئياَ وتربوياَ على امتداد عقود، إلى أن تحولت إلى مدينة فقيرة بمعظم سكانها، وإلى حدوث خللٍ طبقيٍ عميق، و إلى إضمحلال الطبقة الوسطى فيها. والفقر لا يعيب أهلها الطيبين، بل هو وصمة عار على جبين السلطات المتعاقبة وسياساتها الفاشلة الفاسدة، التي لا ترى القدرات الكبيرة الكامنة في هذه المدينة وفي الشمال، كفرصةٍ لاستعادة النمو والتنمية في لبنان، الذي دخل اقتصاده في نفق أسود منذ سنوات. أكثر من ذلك، فإن هذه المدينة المحرومة والمقهورة بفعل هذه السياسات المتعمدة، تجد نفسها من دون أي وجود فاعل للسلطة والدولة المركزية، يراعي مصالح سكانها بأمانة. لا، بل نجد إمعاناً في التهميش والقمع وتعطيل الإنماء، كأنها "مدينة سائبة" لا أهل لها ولا من يدافع عنها.
إنَّ ما حصل في طرابلس في الأيام الماضية هو انفجار اجتماعي غاضب إزاء هذا الفشل المزمن والغياب الرسمي، لا يحفزه الفقر والحرمان وحدهما، بل أيضاَ الشعور العام والمزمن بالإهانة والإذلال المتعمد للمدينة وأبنائها، وترك عناصر الانفجار المجتمعي من دون أي معالجة: فلا تُفعّل مرافقها، ولا تؤهّل بناها التحية، ولا ينشّط اقتصادها، ولا حل لجبال النفايات فيها، و لا عمل على تخفيف البطالة والتسرب المدرسي لأولادها، ولا يعمل على إيجاد حلول للظلم الذي يلحق بالعشرات من العائلات وأبنائهم الموقوفين من دون محاكمات عادلة منذ سنوات، من أجل استخدامهم للمقايضة السياسية في عفوٍ شامل لمن يستحق ومن لا يستحق. أضف إلى كل ذلك تجريد المدينة من كل المؤسسات المركزية أو السلطات المحلية أو النقابية التي يمكن ان تشكل مناعتها أو تنطق بإسمها.
المحافظ الفاشل
لقد فشلت السلطة المركزية وأدواتها المحلية، ممثلة بالدرجة الأولى بالمحافظ، الذي عجز عن القيام بدوره في تفعيل الدوائر الإقليمية للوزارات، والعاجز عن القيام بأي مبادرةٍ أو حوار، بالإضافة إلى دوره في تعطيل شبه كامل لبلديات الفيحاء واتحادها. يضاف إلى ذلك الفشل الجماعي في إعتماد سياسات أمنية وقضائية شفافة تخاطب الناس بدل تخويفهم؛ ومصادرة شبه معممة للنقابات والهيئات الاقتصادية والاجتماعية واستتباعها للتيارات السياسية، بما أفقدها دورها المستقل وقدرتها على الرقابة وتعويض غياب الدولة وقصور مؤسساتها.
انَّ الوضع في المدينة سوف يذهب إلى المزيد من التدهور ما لم يسارع أبناؤها الى الدفاع عنها ورفع الصوت عالياً لمنع تحويلها إلى ساحة مفتوحة لحسابات تتجاوز حدودها وأهلها. كما تنتظرنا أوضاع أكثر سوءاً ما لم نبدع مخارج وحلول فورية لمعالجة الأزمة التي هي في أساسها ازمة غياب الدولة وتهميشها للمدينة، من خلال خارطة طريق جريئة لا بد منها.
وعليه، نحن الموقعين على هذا البيان، نرفع الصوت عاليا لنعكس ألم مدينتنا وأهلها ولنطالب كخطوة أولى بما يلي:
- أولاً: اقالة المحافظ الحالي فوراً، وتكليف شخصية مستقلة وكفؤة تحظى بثقة أبناء المدينة للقيام بمهام المحافظ في تنسيق عمل إدارات الدولة المدنية والعسكرية والأمنية، وفتح حوار صادق مع أبناء المدينة والإستجابة لصرخات الناس وتخفيف معاناتهم.
- ثانياً: المطالبة بفتح تحقيق فوري وشفاف بالأحداث الأخيرة، وتحديد المسؤوليات عن التقصير في حماية البلدية والسراي وغيرها من مؤسسات المدينة، وكذلك تحديد المسؤوليات في استخدام الرصاص الحي والعنف المفرط في التصدي للمتظاهرين، واتخاذ الإجراءات اللازمة لمحاسبة كل المقصرين و المسؤولين عن ذلك وضمان عدم تكراره، سواء كانوا مسؤولين سياسيين أو إداريين أو أمنيين في العاصمة أو مسؤولين محليين. وكذلك كشف هوية المحرضين الحقيقيين على إحراق البلدية، وإعلان ذلك على الرأي العام خلال أيام وعدم البحث عن كبش محرقة لحجب الحقائق.
- ثالثاً: إنشاء خلية أزمة فعالة تجمع المؤسسات الرسمية وشبه الرسمية من دوائر حكومية وبلديات، بالتعاون مع النقابات والهيئات الإقتصادية والهيئات الدولية العاملة في طرابلس، وممثلين عن منظمات المجتمع المدني وشخصيات المدينة المستقلة من كل الفئات والأحياء، المغتربين والمقيمين، من أجل وضع خطة عمل فورية لمعالجة الأزمة المعيشية أولاً، ولاستعادة الحوار المجتمعي ومع المؤسسات والسلطات المحلية.
- رابعاً: العمل على إيجاد آليات متابعة شعبية ومدنية ونقابية لمسار الأوضاع، من أجل ضمان التوجه نحو إستقرار في الأوضاع في المدينة ومعالجة مشاكلها، والتفاعل الصحي مع مطالب الإصلاح في كل لبنان، ومن أجل إستعادة دور طرابلس السياسي والاقتصادي.
طرابلس في الأول من شباط 2021
المصدر: المدن