لبنان في العالم
"ناشطو الثورة": لبنان في مرحلة انتقالية وانتفاضة دائمة

وليد حسين

الخميس 31 تشرين الأول 2019

يصعب التكهن بما سيبدر عن الشارع المنتفض بعد استقالة رئيس الحكومة سعد الحريري، والذي اشتعل ليلاً. فجميع الاحتمالات مفتوحة. لكن الثابت لدى المجموعات والناشطين - وهم كثر ويصعب حصرهم أو حصر توجهاتهم - أن المعركة مع السلطة مستمرة، ولا تراجع قبل تحقيق المطالب. أي قبل استماع أركانها إلى الناس والأخذ برأيهم في إدارة الشأن العام. وعدم إسقاط الخيارات والقرارات عليهم، على ما اعتادت السلطة فعله في السنوات الفائتة.

اتفاق واختلاف
هذا أهم إنجاز تحقق في لبنان خلال الأسبوعين الماضيين من انتفاض اللبنانيين على زعمائهم وحكامهم. وللمرة الأولى يبرز رأي عام متفق، رغم تناقضاته، على أن إدارة الشأن العام يجب أن تنطلق من الإرادة الشعبية المتمثلة بما يسميه الناشطون ثورة 17 تشرين.

قامت "المدن" بجولة على المجموعات والناشطين، المتفقين على الخطوط العريضة، والمختلفين على التفاصيل. وبدا أن ثمة هماً أساسياً يجمعهم: الخلاص من التركة السابقة التي أودت بالبلاد إلى التهلكة. لكن ثمة خلافات تصل إلى حد التناقض في رسم وتنفيذ الخطوات العملانية على الأرض.

يعتقد البعض أن هذه الخلافات تشكل حيوية الحراك ونقاط قوته في مواجهة السلطة. فالشارع ليس حزبا ولا حتى نادياً، على المنضوين فيه تنفيذ أجندة واحدة يتفق عليها الجميع. بل هنالك هوامش تتسع للجميع، وتسمح بتنفيذ ما يرى أنه الأنسب في الظرف والزمان المحددين. في المقابل يعتبر البعض الآخر أن هذه الخلافات تؤدي إلى تفكك الشارع وضياع الناس، وبالتالي يسهل على قوى السلطة استثمار تنفيذ مخططاتها.

وفي هذا الإطار ثمة من يصر على استكمال اسقاط المنظومة الحاكمة كلها، والتحرك المستمر (وهذا ما حدث ليلاً في مناطق كثيرة)، وعدم انتظار أي خطوة أو مبادرة من السلطة. بينما يرى البعض الآخر أن ثمة ضرورة لالتقاط الأنفاس، وانتظار كيف ستتحرك قوى السلطة على صعيد تشكيل الحكومة المقبلة، وإذا ما كانت ستحمل جديداً يرضي اللبنانيين المنتفضين في الساحات.

بعبدا - عين التينة
بعض المجموعات تعتبر أن بيان رئيس الجمهورية - بتكليف الحكومة تصريف الأعمال، من دون تحديد مهل لإجراء الاستشارات النيابية، ولتشكيل الحكومة - مماطل ومرفوض، ويريد القضاء على الثورة. فيما تحاول القوى السياسية ركوب موجة الثورة، على قاعدة أن نزول الناس إلى الشارع أتى لدعم خطواتها الإصلاحية التي تعمل الأطراف السياسية على عرقلتها.

لذا دعت هذه المجموعات إلى التظاهر وصولاً إلى قصر بعبدا يوم الجمعة. ورغم أن مجموعات أخرى ترى أن هذا النوع من التحرك قد يعطي صورة سلبية عن الانتفاضة، خصوصا أن ثمة رفضاً لهذا النوع من التحرك غير المجدي حالياً، راحت مجموعات أخرى تعمل على التنسيق لحشد أكبر عدد ممكن لتنفيذ هذا التحرك الميداني، الذي سيليه تحرك آخر أمام قصر عين التينة يوم السبت. وهنا يعتقد بعض الناشطين أن هذه التحركات مؤذية، لأنها ستزيد من شراسة مناصري رئيس مجلس النواب نبيه بري، في استعداء المتظاهرين.

تظاهرة الخميس
هذه الاختلافات الحيوية، لا تمنع وجود خطوات تحظى بإجماع كبير حول تحركات ميدانية أخرى: دعم قرار النقابات والقطاعات والطلاب في الإضراب العام. والحراك يستجيب لكل تحرك يذهب في هذا الاتجاه، لأن هدفه الضغط لتشكيل حكومة مستقلة عن المنظومة الحاكمة، تستجيب مطالب المتظاهرين. وفي هذا الإطار توافقت أغلبية المجموعات على تلبية دعوة تجمع مهنيات ومهنيين (يضم أطباء صيادلة، ومهندسين ومحامين وأساتذة جامعات، وصحافيين وخبراء في الاقتصاد، وسينمائيين) للتظاهر الخميس 31 تشرين من أمام مصرف لبنان، وصولا إلى ساحة رياض الصلح، وذلك للتأكيد على رفض عنف بلطجية "تجمع ميليشيات السلطة التي اجتاحت بهمجيتها السافلة ساحتي الاعتصام في رياض الصلح والشهداء، لترهيب الانتفاضة وإجبار الناس على إخلاء الساحات، للمرة الثالثة على التوالي". وللتأكيد على مطلبهم "إسقاط النظام الطائفي الأوليغارشي الذي نهب البلاد وأفقر اللبنانيات واللبنانيين، وتشكيل حكومة مدنية انتقالية لا تتمثل فيها أحزاب السلطة وتحظى بثقة الشعب".

الحراك الدائم والخاطف
ورغم أن الجميع ينتظر ما سيبدر عن السلطة، لناحية تشكيل الحكومة الجديدة، والبيان الوزاري الذي ستعتمده، والأشخاص الذين تضمهم، ثمة من يرفض إعادة تشكيل سعد الحريري لحكومة مقبلة، مفضلة حكومة اختصاصيين، بينما يرى آخرون أن الأهم من رئيسها تركيبتها وبرنامجها، وإذا ما كانت ستلبي طموح اللبنانيين. لذا، ستشهد المرحلة الفاصلة إعادة تصعيد في الشارع، تبدأ بتحركات ميدانية خاطفة على بعض الإدارات العامة ومحاولة احتلالها، ولا تنتهي بقطع الطرق وشل حركة البلد من جديد. وأكدت أكثر من مجموعة أن التحرك الميداني، حتى لو لم يكن منسقاً، يخدم أهداف الجميع في حمل السلطة على الصدوع لإرادة الشارع.

الشارع ما زال مستنفراً، ولن ينام على الحرير بعد تمكنه من تحقيق استقالة الحكومة. فهناك إجماع على دفع السلطة إلى تشكيل حكومة مستقلة، للانتقال إلى تحقيق مطلب تقصير عمر المجلس النيابي الحالي والذهاب إلى انتخابات نيابية مبكرة.

وفي هذا الإطار ثمة اجتماعات مكوكية وسلسلة مشاورات بين المجموعات للتوصل إلى جمع أكبر عدد ممكن من المجموعات لتنفيذ تحركات ميدانية. وهذا من شأنه منع الزعماء من تقاسم جمهور الشارع وجعله مطية لهم، وجره لأجنداتهم الخاصة.

وعصيان مدني
المعركة الحالية مطلبية - سياسية في الدرجة الأولى. وعلمت "المدن" أن الأيام المقبلة ستشهد تحركات نوعية مفاجئة في جميع المرافق الحيوية التي تعنى بشؤون الناس اليومية، وخصوصا في ظل ارتفاع اسعار السلع، وعدم تحرك الجهات المعنية لمحاسبة التجار الذين يستغلون الوضع الحالي غير المستقر، وارتفاع سعر صرف الدولار في الأسواق. وستكون الخطوات المقبلة اختباراً لكيفية تحرك إدارات الدولة لمعالجة الخلل الحاصل. وقد يصل الأمر إلى إعلان العصيان المدني، وعدم دفع الضرائب والرسوم.

إلى جانب هذا الحراك الميداني، تستمر ساحتا رياض الصلح والشهداء في التعبير عن الفعل المدني بشكل مختلف عن مظاهر الاحتجاج والتظاهر أيضاً. فقد تحولت الساحتان إلى منصة متحركة للنقاشات العامة التي تجريها المجموعات وأساتذة الجامعة اللبنانية والجامعة الأميركية وجامعة القديس يوسف، ويشارك فيها مواطنون. وتتناول المواضيع المستجدة، حول الأزمة السياسية والاقتصادية وتقديم استفسارات قانونية ودستورية وعملية، حول المرحلة الانتقالية التي يعيشها لبنان.




المصدر: المدن