نيرودا... الموت كرواية بوليسية وحياة أخرى
محمد حجيري
الإثنين 20 شباط 2023
في مئوية الشاعر التشيلي بابلو نيرودا عام 2004، كتب الروائي البيروفي ماريو فارغاس يوسا، "لم تعرف اللغة الإسبانية منجزًا شعريًا يضاهي ما أنجزه نيرودا غزارة ورحابةً، شعرًا لامس العديد والعديد من العوالم المختلفة، وألهم العديد والعديد من المواهب الأدبية. وعلى حد علمي، فإن الحالة الوحيدة في اللغات الأخرى التي يمكن مقارنتها بما قدمه نيرودا للغة الإسبانية، هو فيكتور هوغو. فنحن نجد في أعمال نيرودا التفاوت نفسه في المستوى الذي نجده في أعمال هذا الشاعر الرومانسي الفرنسي العظيم: كثيفة، ومدهشة، وأصيلة على نحو مبهر في بعض الأحيان، ضحلة وتقليدية أحيانًا أخرى. لكن مما لا شك فيه أنها ستعيش وستفتتن بها الأجيال القادمة تمامًا كما افتتنا نحن بها".
والحال أن عوالم نيرودا تخطّت شعره وبات "استعارة ثقافية"، لا يكاد يخمد بريقها حتى يلمع من جديد، وأحياناً يكون الشاعر عرضة للنقد والهجوم كما حصل جراء أقوال وردت في مذكراته "أعترف بأنني قد عشت"، يتحدثً فيها عن علاقة بخادمة مارس الجنس معها من دون إرادتها، وهو ما ينطبق عليه تعريف الاغتصاب. وفي العام 2004 وبينما العالم يحتفي بمئويته يتم اكتشاف مقبرة ابنته "مالفا" التي ولدت بإعاقةٍ، جعلت شاعر الانسانية والناس يتجاهل وجودها تمامًا، وينساها حتى يواريها في التراب بعد ولادتها بثمانية أعوام. تلتقط الروائية الهولندية هاخر بيتزر هذه الحادثة، تبدأ في البحث والتنقيب حول سيرة الشاعر وحياته، لتكشف للقراء ملابسات وتفاصيل هذه الحادثة الغريبة. في صيف مدريد عام 1934 ولدت "مالفا" وسماها أبوها على اسم الوردة "مالفا" التي أعجب بها، وكان سعيدًا أول الأمر بولادة ابنته، إلا أن الأطباء سرعان ما أخبروه بأنها مصابة بإعاقة (داء الاستسقاء الدماغي) الذي لا شفاء لها. في الرواية تسأل مالفا عن السبب الذي دفع والدها، نيرودا، إلى التخلّي عنها وهي طفلة. قد تكون الإجابة البسيطة: لم يعد يتحمّل معاناة رعايتها وهي المصابة بمرض محكوم بالموت، بينما هو المغامر العاشق، والثائر من أجل الناس.. و"كل لحظة من وقته ينفقها من أجل إنقاذ حياتي هي لحظة ضائعة من الأدب والخلود".
واذا كانت قضية مالفا أربكت صورة نيرودا الانسانية، ووضعت الشاعر في محاكمة معنوية، فالروائية ايزابيل الليندي في روايتها "سفينة نيرودا"، اختارت أن تدور أحداثها في فترة زمنية طويلة تمتد من عام 1938 وحتى عام 1994 وفي أكثر من بلد، وتطوف بنا على إسبانيا وفرنسا وتشيلي وفنزويلا، وتبدأ الأحداث من منطقة كتالونيا عام 1838 حين كانت الحرب الأهلية الإسبانية في ذروتها. فهي قبل أكثر من أربعين عامًا سمعت حكاية سفينة وينيبنغ التي جهزها نيرودا من أجل اللاجئين الإسبان، وفي وقت ما قررت أن تكتب روايتها عن تلك الحكاية، إذ تكشف لنا الليندي الوجه الإنساني لنيرودا الذي تحدث مع الرئيس التشيلي آنذاك بيدروا سيردا وحصل منه على تصريح بدخول اللاجئين الإسبان. وقبل رواية الليندي صدرت رواية "ساعي بريد نيرودا" لأنطونيو سكارميتا وهي عن ماريو خيمينث صياد شاب يقرر أن يهجر مهنته ليصبح ساعي بريد في ايسلانيغرا، حيث الشخص الوحيد الذي يتلقى ويبعث رسائل هو نيرودا. الشاب خيمينث معجب بالشاعر، وينتظر أن يكتب له إهداء على أحد كتبه، أو أن يحدث شيء بينهما شيء أكثر من مجرد تبادل الحديث، وتتحقق أمنيته في النهاية، وتقوم بينهما علاقة خاصة جداً ولكن الأوضاع المتوترة التي تعيشها تشيلي آنذاك تسرع في التفريق بينهما بصورة مأساوية.
وعدا علاقة نيرودا بالشيوعية والإنسانية والحبّ التي حملت الكثير من التأويلات والتخمينات، هناك موته الملتبس الذي يشبه الروايات البوليسية، أو يشكل مادة لرواية بوليسية لم تعرف خاتمتها بعد... وآخر الأخبار في هذا السياق أنّ اثنين من أعضاء لجنة الخبراء الذين حققوا في الوفاة الغامضة لنيرودا عام 1973، لم يستطيعا تحديد ما إذا كانت وفاة الشاعر النوبلي ناجمة عن تسمّم أم لا. وأوضح هندريك بوينار وديبي بوينار من جامعة ماكماستر الكندية أن بكتيريا "كلوستريديوم بوتولينوم" كانت موجودة وقت وفاة نيرودا، لكننا ما زلنا لا نعلم سبب الوفاة". وكانت لجنة الخبراء متعددي الجنسيات التي حققت في احتمال تسميم الشاعر التشيلي -من بين أعضائها هندريك وديبي بوينار- رفعت تقريرها إلى القاضية التشيلية المسؤولة عن القضية باولا بلازا. وقالت القاضية في مؤتمر صحافي إن التقرير سيدرس كي تتمكن المحكمة من اتخاذ القرار المناسب، لكنها لم تحدد موعدا لاتخاذ القرار.
وقال هندريك وديبي بوينار إنهما عملا لمدة 4 سنوات بناء على طلب القضاء التشيلي لتحديد ما إذا كان الشاعر قد توفي متسمما أم لا. ولا تزال نظرية التسمم متداولة منذ أكثر من عقد في تشيلي. وأوضح الباحثان أنهما تمكنا من استعادة الحمض النووي لنيرودا من أحد أضراسه، ولكن بسبب تدهور حاله تمكنا فقط من إعادة تكوين ثلث جينوم بكتيريا كلوستريديوم البوتولينوم.
والحق أنّ الحديث عن موت نيرودا أو مقتله بات مستهلكاً ومستنفداً وفي الوقت نفسه مشوّقاً، في العام 2011 قرأنا في عناوين الصحف "هل مات نيرودا مقتولاً؟" يومها وبعد مرور نحو 40 عاماً على انقلاب بينوشيه، يعود سائق نيرودا، مانويل أرايا، ليؤكد أن الشاعر مات مقتولاً من عسكر بينوشيه. وطبقاً لأقوال السائق عن مجريات الأحداث في شريط فيديو، فإن نيرودا كان يتمتع بصحة جيدة، وقرر حينها الإقامة في المنفى، في المكسيك، ابتداءً من يوم 24 ايلول سبتمبر، أي قبل يوم من وفاته، ومنذ تصريح السائق تحول البحث عن أسباب موت نيرودا كالبحث عن مكان رفات الشاعر الاسباني فيديريكو غارثيا لوركا الذي أعدمه القوميون الفاشيون في اسبانيا في 19 آب/أغسطس 1936... متاهة في متاهة، ثمرتها الإثارة الصحافية والعديد من الأبحاث الجديدة...
قرأنا مراراً في بعض الصحف اليسارية اللبنانية القديمة أنّ نيرودا اغتيل على يد قوات الجنرال بينوشيه. وبالطبع كان اليسار الايديولوجي النضالي يحاول تبيان فظائع النظام الدكتاتوري الموالي لأميركا في تلك المرحلة، وفي الآن نفسه من غير المستغرب أن يكون بينوشيه اغتال نيرودا، باعتبار أنه حكم التشيلي بالحديد والنار.
نيرودا، "شاعر القصائد المستحيلة"، كما وصفه بورخيس يقول:
لأن وجه الموت أخضر
مشرَّب برطوبة ورقة من أوراق البنفسج،
وإن لونه القاتم لهو لونُ الشتاء المحتضر.
ولكن الموت، فوق ذاك، يذرع البلاد
متنكراً في زي مكنسة
تتهجس بلاط البيوت
بحثاً عن الموتى.
والموت في المكنسة،
ولسان الموت يبحث عن الموتى
وإبرة الموت تبحث عن الخيطِ كي تخيط"(ترجمة بدر شاكر السياب).
أحسب أنّه في موت نيرودا، إبرة الموت تبحث عن خيط الحياة، دائما نخيط من موت نيرودا ثقافات جديدة، كأنه حكاية لا تنتهي، حكاية تشبه نجوم السينما الذي يعيشون في أخبار الخبر.
(*) توفي بابلو نيرودا يوم 23 سبتمبر/أيلول 1973 بعد 12 يوما من انقلاب الجنرال أوغوستو بينوشيه على الرئيس الاشتراكي سلفادور ألليندي الذي كان صديقا للشاعر.
المصدر: المدن