فكر حر
صفوح شغالة.. شاعر كبير في عصر فني رديء

نور عويتي

الجمعة 16 كانون لأول 2022

عبر صفحتها الرسيمة في "فايسبوك"، نعت وزارة الثقافة السورية وفاة الشاعر السوري صفوان شغالة، بمنشور باهت لا يتناسب مع قيمة الشاعر الراحل، الذي يمكن وصفه بأنه أهم شاعر غنائي في سوريا منذ عقود.
 
بدوره، اكتفى التلفزيون السوري بعرض تقرير عن الشاعر الراحل وجنازته، لا تتعدى مدته الدقيقتين. عرض التقرير تشييع جثمان الراحل إلى مقبرة الشيخ جاكر في مدينة حلب، وقد خلا التشييع من حضور الفنانين، ونقيب الفنانين محسن غازي أو من يمثله، واقتصر الحضور على أقرباء الفقيد وأصدقائه؛ ليكون التشييع بدوره باهتاً، لا يتناسب مع تاريخ الراحل وقيمته الفنية، إذ لا يتجاوز عدد المشيعيين العشرات.
 
ما حدث ليس سوى صورة مكررة، تعبّر عن حال الفن والاستهانة بمكانة الفنانين في سوريا، حتى مع شاعر بقيمة صفوح شغالة، الذي نعاه الفنانون العرب، على اختلاف جنسياتهم، في صفحاتهم في مواقع التواصل الاجتماعي.
 
الشاعر صفوح شغالة، توفيّ عن عمر يناهز 66 عاماً، تاركاً وراءه إرثاً غنياً، وفي رصيده ما يزيد عن 1650 أغنية. وإلقاء نظرة على نتاج الشاعر السوري الراحل، صفوح شغالة، سيقود إلى أن ما كان يميزه حقاً هو ليس غزارة إنتاجه كما توحي الأرقام، بل قدرته على تجاوز أزمة هوية الأغنية السورية، بلهجاتها وتنويعاتها المختلفة، التي ما زالت تبدو ثقيلةً على آذان المستمعين، المعتادين على استهلاك الأغاني المستوردة الدراجة من لبنان ومصر، في سوق فني حيث يقتصر حضور المنتج الموسيقي المحلي على الأغاني الفولكلورية بتنوعاتها المناطقية، والتي كانت الغلبة فيها لأغاني مدينة حلب، التي ينتمي إليها شغالة.
 
في هذا المناخ الموسيقي بدأ صفوح شغالة رحلته العام 1986، بأغنية كتبها باللهجة المصرية وقدمها للتلفزيون السوري، لتُقابل بالرفض من قبل الشاعر حسين حمزة، الذي انتقد لجوء شغالة إلى اللهجة المصرية، لتكون تلك الصفعة هي الدرس الأول والأهم الذي كان له أثر كبير على رحلة شغالة. تمكن بعدها من صياغة العديد من الأغاني التي تبدو امتداداً للقدود الحلبية، واستقى من روحها وأعاد تركيب بُنية شعرية محدثة تتوافق معها، وأبرز الأغاني التي تنتمي لهذه الفئة هي الأغاني التي تعاون فيها مع شادي جميل وسمير جركس، مثل: "طول البنية" و"آه منك من جمالك".
 
وإلى جانب اللهجة الحلبية، كتب صفوح شغالة عدداً كبيراً من الأغاني باللهجات السورية المختلفة؛ أبرزها اللهجة البدوية، ليكون من خلالها شريكاً في صناعة نماذج جديدة في سوريا ولبنان تقتدي بالفنانة سميرة توفيق؛ فكان له أثر كبير في تطور الأغاني الدراجة في التسعينيات، من خلال الأغاني التي أدتها ديانا حداد وهويدا، مثل "أمّانيه" و"ما أندم عليك"، "يا أهل العشق" وغيرها.
 
وتوّج عمله المتواصل على تطوير الأغنية السورية، بالتعاون مع جورج وسوف، الذي كسر معه الحدود بين الأغنية السورية واللبنانية بأغاني "طبيب جراح" و"تخسر رهانك" وغيرها.
 
إلا أن انغماس شغالة في مسألة الهوية الغنائية السورية وتطويرها، لم يوقعه في المطب الذي تقع فيه التجارب الشبيهة عادةً، والمتمثل في الانفصال التام عن ذائقة الجمهور المفتوحة على الموجات الإقليمية الجارفة، ليكتب بلهجات عربية متعددة ويتعاون مع مغنّين من لبنان ومصر والجزائر، ولتسيطر أغانيه على المشهد الموسيقي إقليمياً في السنوات الأخيرة من القرن الماضي وبداية الألفية الجديدة.
 
النجاح الكبير الذي وصل إليه صفوح شغالة، جعله يتحرر جزئياً من القوالب التجارية للأغنية العربية، لتخرج عنه تصريحات إشكالية أسالت الكثير من الحبر في الإعلام العربي، خصوصاً عندما بدأ شغالة يعبر عن شعوره بكونه الشاعر الكبير الذي يعيش في عصر فني رديء.
 
عكس إحساسه بأغنية "أهل المغنى" التي أدتها فلة الجزائرية، والتي يرد بها: "مش كل شي بيلمع دهباً أبداً أبداً، ولا كل من غنى طرباً غنى طرباً، المَغنى يا أهل المَغنى صاير عجباً".
 
إحساس شغالة تنامى مع الزمن، ليعبّر كلما ظهر على الشاشة بأن الفن يعيش في انحدار مزمن وأنه يتجه نحو الأسوأ. ومع رحيله، ربما، ينتهي عهد آخر من تاريخ الأغنية العربية التي يتباكى عليها المولعون بالنوستالجيا الطربية. 
 
 
المصدر: المدن