مريم فخر الدين... أيقونة الرومانسية التي أضاعها لسانها
أشرف غريب
الإثنين 9 كانون الثاني 2023
في زمن كان للرومانسية فيه صوتٌ مسموعٌ وحضورٌ قويٌ، كانت مريم فخر الدين واحدة ممن تتصدّر أسماؤهن أفيشات السينما ومقدمات الأفلام كواحدة من من نجمات هذا التيار، وحينما غاب هذا التيار أو تراجع في العقود الأربعة الأخيرة من حياتها، أصبح حضور هذه السيدة باهتاً وبصماتها الفنية غير واضحة، خاصة مع تقدّمها في العمر، وعدم قدرتها على كبح جماح لسانها وانفلات تصريحاتها لتخدش الصورة الذهنية الناعمة المستقرة عنها في الأذهان، وتصيب عشاق الأبيض والأسود بالإحباط.. هكذا باختصار يمكن أن نجمل سيرة حياة أيقونة السينما الرومانسية في مصر.
ولدت مريم فخر الدين في مدينة الفيوم على مشارف صعيد مصر قبل تسعين عاماً في الثامن من كانون ثاني/ يناير 1933 لأب مصري وأم مجرية، وتعلّمت في المدرسة الألمانية في القاهرة حتى حصولها على درجة البكالوريا، قادها جمال وجهها للوقوف أمام كاميرات السينما في وقت كانت فيه كل من فاتن حمامة وشادية وليلى فوزي وماجدة وغيرهن قد انتزعن الصدارة على أفيشات السينما المصرية، ومع ذلك استطاعت ابنة الثمانية عشر عاما أن تجد لنفسها مكانا بين الكبيرات، وأن تصبح في فترة وجيزة عنواناً للأداء الناعم والرومانسية الهادئة، فقد ساقتها الصدفة لتشارك في مسابقة أجمل وجه التي كانت تنظّمها مجلة "إيماج" إحدى إصدارات مؤسسة دار الهلال باللغة الفرنسية، فتلقفها المصور والمنتج عبد الحليم نصر والمخرج أحمد بدر خان ليقدماها كبطلة سينمائية في فيلم "ليلة غرام" سنة 1951 عن رواية شهيرة في ذلك الوقت هي "لقيطة" للأديب محمد عبد الحليم عبد الله، وبعد عدد متسارع من الأفلام خلال السنوات الثلاث التالية كانت كفيلة بلفت الانتباه إلى ملاءمتها السينمائية واتتها الفرصة للوقوف أمام أحد نجوم هذه الفترة وهو المطرب فريد الأطرش بطلة لفيلم "رسالة غرام" للمخرج هنري بركات سنة 1954، فكان ذلك إيذانا باعتراف صناع السينما بقدرتها على تحمل أدوار البطولة.
في هذه المرحلة استفاد السينمائيون من ملامح وجهها وأدائها الهادئ في الإلحاح على تقديمها في أدوار المرأة البريئة الطيبة كنموذج مقابل للمرأة المغوية طاغية الأنوثة، حدث هذا في فيلم المخرج عاطف سالم "جريمة حب" سنة 1955 كنموذج مقابل لشخصية هند رستم، وفي فيلم "رنة الخلخال" للمخرج محمود ذو الفقار في العام نفسه كشخصية مضادة للممثلة برلنتي عبد الحميد، وفي فيلم "لا أنام" عام 1957 للمخرج صلاح أبو سيف مقابل الدور الذي لعبته هند رستم، وقد بلغت ذروة هذه الأدوار في العام نفسه من خلال فيلم "طاهرة" الذي أخرجه لها كل من فطين عبد الوهاب ومحمود إسماعيل.
ومع تنامي تيار السينما الرومانسية على يد المخرجين عز الدين ذو الفقار وهنري بركات وحلمي حليم وغيرهم، بعد منتصف الخمسينيات زادت فرص مريم فخر الدين في التواجد على شاشة السينما حتى أنّها قدمت في العام 1957 واحدا من أهم الأدوار الرومانسية وأشهرها، وهو دور الأميرة "إنجي" التي أحبّت "علي" ابن الجنايني في رواية "رد قلبي" للأديب يوسف السباعي والمخرج عز الدين ذو الفقار حتى أضحت قصة إنجي وعلي من أنجح قصص الحب على شاشة السينما المصرية، ومن بطلة "رد قلبي" إلى بطلة "حكاية حب" إخراج حلمي حليم عام 1959 أمام نجم زمانه المطرب عبد الحليم حافظ، ومن "مليش غيرك" أمام فريد الأطرش وإخراج بركات إلى "لقاء في الغروب" أمام رشدي أباظة وإخراج سعد عرفة، وهكذا باتت مريم فخر مع نهايات الخمسينيات وبدايات الستينيات الصورة المثالية للفتاة الرومانسية على شاشة السينما.
غير أن سنوات الستينيات حملتْ معها تغيراً ملموساً في الذوق السينمائي العام بفعل التغيرات الاجتماعية والنفسية التي خلقتها سنوات ما بعد ثورة الثالث والعشرين من تموز/ يوليو 1952 في مصر، إذ أصبح نموذج الفتاة المستكينة الهادئة، بل والبائسة أيضا الذي كانت تمثله مريم فخر الدين مع بقية ممثلات جيلها غير مرغوب فيه مفسحاً الطريق أمام نموذج الفتاة ذات الشخصية القويّة والتأثير الواضح، الذي بدأت تفرضه الممثلات الناشئات في هذا الوقت لبنى عبد العزيز ونادية لطفي وسعاد حسني، وقد أدى هذا التغيير في الواقع المجتمعي والسينمائي على السواء إلى تراجع بريق مريم فخر الدين رغم بقائها الواضح على شاشة السينما لا سيما وأنها لم تستطع تطوير اختياراتها أو تطويعها لتلائم تلك المرحلة على النحو الذي قامت به ممثلة مثل فاتن حمامة التى حاولت مجاراة الأسماء الصاعدة حديثا في هذا الاتجاه، ومن أبرز أفلام مريم في هذه المرحلة: "عريس لأختي، وحيدة، بقايا عذراء، والأيدي الناعمة".
ويلفت النظر في تلك الأثناء توقفها شبه التام عن الظهور السينمائي في الفترة ما بين عامي 1963 و1968 والذي أعقبته بالهجرة إلى لبنان والظهور الباهت في أكثر من فيلم هناك، خاصة أثناء اقترانها بالمطرب السوري فهد بلان، ثم العودة إلى مصر بواحد من أهم التحوّلات في مشوارها الفنيّ، إذ امتلكت الجرأة وسبقت كل بنات جيلها في التحوّل إلى أدوار الأمومة في ذلك الوقت حتى أنها لعبت في فيلم "بئر الحرمان" مع المخرج كمال الشيخ سنة 1969 وهي في السادسة والثلاثين من عمرها دور والدة سعاد حسني رغم أن الفارق العمري بينهما في الحقيقة وقتها لم يكن يزيد على عشر سنوات فقط، ويومها احترم الجمهور والنقاد شجاعة مريم فخر الدين في الاعتراف بأنها تجاوزت مرحلة الفيديت(البطلة الجميلة)، وأن تجديد شباب السينما المصرية بات واقعاً لا فكاك منه، ونجحت مريم إلى حد كبير في تلك النقلة وخاصة في سنواتها الأولى نهاية الستينيات ومطلع السبعينيات، وبات هذا هو الدور المفضل لها بكل تنويعاته حتى آخر مشوارها مع مطلع الألفية الجديدة، وإن غلب على اختياراتها دور الأم الأرستقراطية كما في أفلام: الشحات إخراج حسام الدين مصطفي، يا رب توبة إخراج علي رضا، حافية على جسر الذهب إخراج عاطف سالم، وكذلك العذراء والشعر الأبيض، قمر الليل، البرنس، حكاية في كلمتين، وزمن الممنوع، وصولا إلى آخر أدوارها على شاشة السينما في فيلم "واحد كابتشينو" عام 2005.
وقد حاولت مريم فخر الدين في التسعينيات تقديم نفسها في أدوار كوميدية كما فيلم "يا تحب يا تقب" للمخرج عبد اللطيف زكي لكنها عادت سريعا لنوعية الأدوار التي التصقت بها في سنواتها الأخيرة، وكغيرها من ممثلات جيلها اتجهت مريم مع انتشار الدراما التلفزيونية إلى الظهور في مسلسلات عديدة استحوذت على اهتمامها في ربع القرن الأخير من حياتها قبل أن تداهمها أمراض الشيخوخة لتستسلم لعزلتها الاختيارية في العامين الأخيرين حتى رحلت عن عالمنا في الثالث من نوفمبر 2014 عن واحد وثمانين عاماً.
المصدر: المدن