كرّمه "اللوفر" كبيكاسو وشاغال...رحيل بيار سولاج مُكتشف الأسوَد الجديد
المدن
الخميس 27 تشرين الأول 2022
غيّب الموت، الرسام الفرنسي بيار سولاج، في العام الثاني بعد المئة من عمره، بعد مسيرة حافلة اشتهر فيها بلوحاته ذات الدرجات اللامتناهية من اللون الأسود. وقال الصديق القديم لسولاج، ألفرِد باكمان، الذي يترأس متحفاً يحمل اسم الفنان في روديز جنوبي فرنسا: "إنه خبر محزن. لقد كنت أتحدث قبل قليل مع أرملته كوليت سولاج".
وعلّق الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عبر "تويتر" على وفاة سولاج معتبراً أنه "عرف كيف يعيد اختراع اللون الأسود من خلال جعل النور ينبثق منه. بالإضافة إلى اللون الأسود، تشكّل أعماله استعارات حية يستمد منها كل منا الأمل".
ورأت وزيرة الثقافة ريما عبد الملك أن وفاته "خسارة كبيرة لعالم الفن ولفرنسا"، فيما أسِف سلفها جاك لانغ لرحيل "أحد كبار الفن".
وكتبت رئيسة الوزراء إليزابيت بورن في "تويتر" أن سولاج "يترك وراءه نتاجاً هائلاً عابراً للزمن"، مذكّرة بأن الرسام الراحل "أعاد ابتكار اللون الأسود بشكل مذهل"، واصفة إياه بأنه "سيد الأضواء".
واكتسب سولاج، المولود في 24 ديسمبر 1919، شهرة واسعة اعتباراً من خمسينيات القرن الفائت، ودخلت لوحاته أرقى المتاحف في العالم، كمتحف غوغنهايم في نيويورك أو معرض تايت في لندن. وتم اكتشافه بعد الحرب على يد الفنان التشكيلي العالمي، فرانسيس بيكابيا، وقد ظل دائمًا بعيدًا من حركات المدارس التشكيلية المعاصرة أو القديمة. عرّفه بيير إنكريف، الناقد الفرنسي الذي توفي مؤخراً، والمتخصص في أعماله، بأنه يمثل "رسوماً صبغية تتميز بتنوع لوني". بمعنى آخر، يمكنه أن يعكس كل الأنوار التي يتلقاها. مع العلم أن الكمية تغير الجودة، ما يفسر حجم اللوحات التي يصل عرضها إلى 5 أمتار.
في المدرسة، كانت الخطوط السوداء تغطّي دفاتره بكثافة وقتامة، مردّداً: "إنني لا أرى إلا اللون الأسود"، لكنه كان يقول بين الطرافة والجد إنه يرسم بلون الثلج، من دون أن يعلم أنه يشتغل على انعكاس الأسود حتى يبرز في أقصى درجة تضادّه، ليبدو كأنه أبيض كما اتضح في تجارب لاحقة. وعن تركيزه على اللون الأسود، قال الراحل في ديسمبر 2019: "أحب سلطة هذا اللون ووضوحه وتطرفه". وأضاف: "إنه لون نشط جداً. لو وضعنا الأسود قرب لون قاتم، لأصبح مشعاً". وقال في معرض أقيم العام 2016 إن اللون الأسود سبق الضوء، فالعالم كان فى ظلمة كثيفة قبل أن يظهر الضوء الذى أنار العالم وظهرت معه الألوان الأخرى التي عرفها الإنسان بعد ذلك، وقد استخدم الإضاءة وانعكاساتها على لوحاته ليوضح نظريته عن اللون الأسود.
اختار سولاج منذ بداياته الانخراط في تجريدية تامة، والتمرّد على معطيات الفن التقليدية، سواء عن طريق المواد المستعملة، كالقطران وقشور الجوز، أو بواسطة أدواته التي تحيل إلى دهّاني حظائر البناء، أو بتحديده اللوحات حسب التقنية والأبعاد وتاريخ الإنجاز. فقد تبنى بدلاً من العنوان، موقفاً عبّر عنه منذ العام 1948، إذ كتب يقول إن "الرسم الفني كلٌّ منظَّم، هو جملة من الأشكال (خطوط، مساحات ملونة..) تنحط عليها أو تنفصل عنها المعاني التي نمنحها إياها".
في الستينات من القرن الماضي، عمد سولاج إلى إنجاز لوحات بأحجام كبيرة، يطالعنا فيها هذا التداخل بين الأبيض والأسود وكانت هذه اللوحات انعكاساً لحاجته الى فضاء أوسع. وكان يشعر أثناء إنجازها بأنه يرسم في المدى الأوسع بذراعه وليس بيده.
في العام 1979، وهو عام عيد ميلاده الستين، اخترع الفنان "ما وراء الأسود"، وهي تقنية جديدة تستند إلى الضوء، التي ظل مخلصًا لها مدة 40 عامًا، وأثبتت بشكل قاطع أنه مبدع كبير. فتتم تغطية القماش بالكامل مع أسود أكريليك. فتصبح اللوحة متكونة من أنسجة متعددة، ملساء، ليفية، هادئة، متوترة أو مضطربة، تلتقط النور أو ترفضه، فتولّد ألواناً سوداء رمادية أو عميقة. فتكشف لونها الأسود، مثل البحر الذي يتغير لونه، من الرمادي الفاتح إلى الغامق جداً، اعتمادًا على الإضاءة الطبيعية. وهو أكثر بكثير من مجرد اكتشاف.
وطوال أكثر من 75 عاماً، كانت أعماله محط اهتمام المؤسسات الثقافية وسوق الفن. وفي نوفمبر 2021، بيعت لوحة له تعود إلى العام 1961 بمبلغ 20,2 مليون دولار في نيويورك. وتجاوز ثمن اللوحة بأشواط الرقم القياسي السابق الذي حققه أحد أعمال سولاج العام 2019 في باريس البالغ 10,8 ملايين دولار.
وفي مايو 2014، وكان يومها في الرابعة والتسعين، حضر افتتاح متحف مخصص بالكامل لأعماله في مدينته روديز. وفي ديسمبر 2019، أصبح سولاج بين قلة من الفنانين حصلت على شرف عرض أعمالها في متحف اللوفر العريق، وهم على قيد الحياة، وسبق لرسامَين فقط أن كُرّما قبله بهذه الطريقة، هما بيكاسو وشاغال، عند بلوغهما سن التسعين.
يذكر أن سولاج، هو أحد مؤسسي هيئة "المثقفين لأجل أوروبا الحريات" العام 1978، وهو أيضا من مؤسسي قناة "آرتي" الفرنسية-الألمانية.