تراس وشبح ثاتشر... النساء في السياسة البريطانية
نجلاء أبومرعي
الجمعة 12 آب 2022
تسعى ليز تراس لزعامة حزب المحافظين، ولتكون ثالثة رئيسة للوزراء في بريطانيا. وتبدو متقفيةً أثر مارغريت ثاتشر مباشرة، فلا إرث يذكر لتيريزا ماي. مرت ماي على رئاسة الوزراء مرور الكرام، وصولها وخروجها من مقر رئاسة الوزراء لم يكونا ليُذكرا لولا انفجار أزمة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي في وجهها. لولا ذلك، لكان من الصعب ذكرها إلا في سياق تعداد المتعاقبين على المنصب.
بقيت مارغريت ثاتشر محتفظة بلقبها كأول امرأة تتولى رئاسة الوزراء في بريطانيا، ومع الأثر الهزيل لماي، ما زالت ثاتشر وكأنها الوحيدة حتى الآن.
فريق تراس مدرك لهذا الحضور المتلاشي لماي، كما يتجلى من أدائه، ومتلمس للانطباع الراسخ عن "المرأة الحديدية" في أذهان البريطانيين، محبيها وكارهيها، إذ يحاول أن ينتج تراس بحلة شبه جديدة ويعدها للفوز بزعامة الحزب ولاحقًا لدخول داونينغ ستريت من خلال رسم صلات عاطفية أو رمزية مع ثاتشر، كالإشارة مثلًا إلى أن تراس لعبت دور ثاتشر في مسرحية المدرسة، من جملة إشارات أخرى… وذلك كله من أجل تنشيط وجدان الناخبين، لا سيما الجيل الذي ما زال حاضناً لثاتشر في مخيلته، على أمل جذبهم نحو ترسيخ حظوظ تراس في القيادة. صحيح أن الناخبين، هم الوعاء الأكبر، وليس لهم تأثير مباشر في وصول تراس إلى زعامة حزب المحافظين، بخلاف الحزبيين الذين لهم صوت حاسم في رفعها على حساب منافسها ريشي سوناك إلى قمة الهرم الحزبي، لكن انبهارهم بتراس واقتناعهم بها، سيعزز من صورتها كزعيمة قادرة على قيادة الحزب إلى الفوز في الانتخابات فيما لو جرت في وقت وقريب…
لكن كيف لتراس أن تملأ مكانة ثاتشر التي، حتى خروجها تحت ضغط حزبها أولاً قبل غيره لم يبدّد وهجها؟ مهمة صعبة، لا تكفي محاكاة تراس لموضة ثاتشر وصورها واستعادة أزيائها للتصدي لها!
هذا التحدي، هو شأن فريق المرشحة لزعامة حزب المحافظين الذي يحاول أن يَصِلَ حاضرَ تراس المرأة التي تخوض انتخابات حزبية العام 2022 بماضي المرأة التي تولت القيادة بين من العام 1975 وحتى 1990. هذا الربط ،رغم الزمن البعيد وما يفترضه من تحولات ومتغيرات سياسية واقتصادية واجتماعية، يحيلنا إلى الفراغ الكبير الذي يُرصد في الحياة السياسية البريطانية، لا سيما من ناحية حضور النساء في العمل السياسي، الحزبي والرسمي. والسؤال الأبرز ربما، لماذا لم تستطع أي امرأة، غير ثاتشر، أن تصعد إلى سطح مركز القرار، سواء من حزب المحافظين أو العمال أو الليبراليين الديموقراطيين. الإجابة لا تتعلق حصرًا بمواصفات مارغريت ثاتشر أو ظروف حزبها آنذاك والآن، بل تكاد تكون غير متصلة بهذه العوامل على الإطلاق.
ولعل في محاولة الإجابة اقتراح للتمعن في النسب الحالية لمشاركة المرأة عموماً في الحياة السياسية في بريطانيا، منها على سبيل المثال مشاركتها في مجلس العموم.
فبريطانيا، وبنسبة 34 في المئة، تحتل المركز الخامس والأربعين من ناحية نسبة النساء في مجلس العموم البريطاني، في أحدث إحصائية يتبناها. فكيف تفهم هذه النسبة بعد مرور أكثر من مئة عام على حصول المرأة على حقها في الاقتراع ودخولها مجلس العموم؟
وبحسب الهيئات التي تسعى إلى تعزيز مكانة المرأة في السياسة، فإن الأحزاب نفسها تتقاعس عن الدفع بالنساء للترشح. هذا لا يعفي من أن العضوات ما زلن أقل ثقة أو عزماً على خوض التنافس، وإن كان سبب هذه الحماسة الضئيلة، هو معرفة العضوات أين تكمن مفاتيح الزخم الانتخابي الحزبي والتي غالباً ما تتمركز في نقاط متصلة ومتحدة في شبكة علاقات محددة… في جيوب الرجال.
غير أن من تتخطى شكوكها، أو تتمكن من إحراز خروق معينة في هذه الشبكة، وتحاول أن تكون جزءاً منها، على غرار ما فعلت تراس مثلًا حينما بدأت ترسم لنفسها مساراً للتقدم بطموحها السياسي،.. قد لا تُوفق من المرة الأولى وتُحبطُ سريعاً. وهذا ما يصعّب المضي نحو مشاركة أوسع للنساء في السياسة بالإضافة إلى التوازن والتكافؤ في التمثيل.
وهذا الإحباط السريع، أو جَلد الذات النابع من عدم القبول بالفشل كجزء من المسيرة، يتصل بإرث تاريخي واجتماعي مفاده باختصار، الرجل يخطئ ويمضي والمرأة خطؤها بألف. هذا سبب إضافي ولصيق بما سبق، ويؤدي إلى وصول عدد أقل من النساء إلى مقاعد مجلس العموم، وتالياً يحول دون بروز أكبر لمرشحات من أجل تولي حقائب وزارية في الحكومة.
قلة تقفز عن ذلك، وتراس منها. ترشحت في الانتخابات العامة العام 2001 وخسرت. عاودت المحاولة العام 2005 وخسرت أيضًا. لكنها كررت المحاولة في العام التالي وكان الفوز نصيبها فحُلَّت عقدة الفشل.
وإن كانت الأحزاب في علاقة تفاعلية مع المجتمع، فهذا يعني أن عدم دفع الأحزاب بعدد كبير من المرشحات، أو تسمية وزيرات في الحكومة بشكل أقل من المنشود، ما هو إلا نتاج للمجتمع الذي لم يصل بعد إلى ما يُترجم بمناصفة سياسية، إذ تقول هيئات متابعة إن بريطانيا ما زالت بعيدة من ذلك على الأقل أربعة أو خمسة عقود.
يكثر الحديث عن التمثيل المناسب، كمّاً ونوعاً، في موازاة استذكار عدد من الوزيرات، ملاحظات أو تعليقات تشير إلى أن حتى بعض العاملين معهن في الوزارة كانوا في ضيق أو عدم تأقلم مع وجودهن وأدائهن. وعمر هذه الشهادات يتفاوت بين اليافع والطاعن، منها العام الماضي ومنها قبل عقد أو أكثر. علماً أنه، خلال العقد الأخير، اتخذت إجراءات كثيرة لتعزيز دور المرأة في السياسة، ولإصدار نظم جديدة تقيد الفروق في رواتب النساء مقارنة بزملائهن، ودعوات لاعتماد متحدثات وخبيرات وصاحبات اختصاص للتعليق في مختلف البرامج والقنوات الإعلامية.
وهذا، وما زلنا في سياق الحديث عن "المرأة البيضاء" التي يبقى طريقها سالكاً بدرجة كبيرة مقارنة بدرب المرأة الملونة أو المرأة التي تعيش مع إعاقة.
أمام هذا كله، تأتي تراس لتلمع صورتها بوصفها امرأة تخوض منافسة لتكون رئيسة للحكومة البريطانية. في جعبتها، وعود في الاقتصاد والسياسة وفي العلاقة مع الاتحاد الأوروبي تتمايز بجانب محدود عن منافسها. لا تتميز بنفسها ولا تشبه ثاتشر.
تراس، نموذج نسائي مترنح لشخصية سياسية من حزب المحافظين لا تملك جديداً، تحاول التكسب من كونها امرأة، فتنهل من إرث شبح لا تملك مواصفاته.
المصدر: المدن