فكر حر
عن نصري الذي مات وهو يغني

محمد حجيري

الجمعة 8 كانون لأول 2017

سيرة الفنان نصري شمس الدين (1927-1983) الذي يحتفل بالذكرى الثلاثين لرحيله، تبدو مرآة من مرايا الواقع اللبناني القاسي والمتقلب والمرير. فالرجل الذي اشتهر بشاربيه وطربوشه الباقي من زمن الأفنديات، عرفه الجمهور العريض يغني بصوته الجبلي إلى جانب فيروز التي شكّل معها ثنائياً نادراً في تاريخ الفن اللبناني. وهو الذي ولد في بلدة جون الشوفية، قبل أن يصبح مطرباً، علّم اللغة العربية لثلاث سنوات ولكن هذه المرحلة سرعان ما انتهت من حياته بعد أن ضبطه مدير ثانوية مدينة صور الجنوبية وهو يغني للطلاب في الصف خلال الحصة الدراسية فخيّره بين الغناء أو التدريس فاختار الأوّل. وهو عمل مخرطجياً في مخرطة وكان يلهي العمال بالغناء، قبل أن يغادر الى القاهرة حين كانت "هوليوود الشرق" وقبلة الفنانين العرب.


هناك انتسب الى الكونسرفتوار المصري، حيث تعلّم العزف على العود لسنتين ولم يحالفه الحظ في الشهرة الفنية. لم يلبث أن عاد إلى بيروت، حيث عمل في شركة الهاتف. وهو في الشركة قرأ إعلاناً بالصدفة في إحدى الصحف، يطلب مجموعة من الأصوات للانتساب إلى كورال إذاعة الشرق الأدنى. هذا الإعلان، رسم مصير نصري شمس الدين "حتى اللحظة الأخيرة من حياته" بحسب المسرحي عبيدو باشا في كتابه "هم" (دار الآداب).
 

هناك في مكتب الإذاعة أعجب به صبري الشريف، المستشار الفني لآل الرحباني، وهو يؤدّي تجربته ويقدم صوته، وهو إعجاب قاده إلى الانخراط في التجربة الرحبانية. وخلال فترة قصيرة اشتهر  كمطرب يؤدّي الأغنية الجبلية والريفية والفلكلورية بكلماتها البسيطة التي تعبر عن الضيعة وطبيعتها وطباع أهلها فشارك في ثلاثة اسكتشات غنائية هي "مزراب العين، وحلوة وأوتوموبيل، وبراد الجمعية"، قبل أن يطلق أغنيته الخاصة الأولى "بحلّفك يا طير بالفرقة" من ألحان فلمون وهبي.


تكرست علاقة نصري مع الرحبانة في مهرجان الأرز، وصار مع فيروز ثنائياً معروفاً، وفي الأعمال التي شارك فيها كان له دور في نجاحها. لا يمكن أن نتخيل الرحابنة من دون نصري الذي اشتهر بصوته وطربوشه وشنبه، أو وهو يغني: "يا مارق على الطواحين"، و"هدّوني هدّوني، عينيها سحروني يا أم الفستان الزهري، بخبيكي بعيوني"...
فرض نصري نفسه ضلعاً رابعاً في التجربة الرحبانية، لكن الظاهرة الرحبانية كانت تختصر إعلامياً في مثلث "فيروز وعاصي ومنصور". وسرعان ما تفكك المشروع الرحباني في نهاية السبعينات مع انفصال عاصي عن فيروز اثر مسرحية "بترا" عام 1978 التي قدم فيها نصري دور الوزير ربال. ويبدو أن توافق نصري مع الأخوين رحباني انتهى مع نهاية هذه المسرحية، بعدها ظهر نصري شمس الدين ولأول مرة كمطرب مستقل على أسطوانات بما عرف بألبوم "الطربوش" ضمن مجموعة من الأغاني من ألحان ملحم بركات.


برغم أهمية صوت شمس الدين لكنه لم يقدر أن يرسّخ نفسه كمطرب مستقل، فقد بدا كأنه وجد ليبقى مع الفريق الذي انطلق من خلاله (أي الرحبانة)، لم يكن محظوظاً في تشكيل عالمه الخاص، على عكس الفنان ديع الصافي الذي تمكّن من  أن يكون مستقلاً في تجربته الفنية بعد انفصاله عن الرحبانه.


 يكتب عبيدو باشا في كتابه "هم" (يتضمن مجموعة سير لشخصيات ثقافية لبنانية منهم نصري) أن نصري اتكأ على معصرة الزيتون التي ورثها عن والده في واحدة من تجاربه القاسية لاستمرار حلمه الفني. قدم مسرحيات غنائية في "مهرجانات بيت الدين" ولم يوفق، شكل فرقة فنية كبيرة وسافر إلى أميركا لإقامة حفلات فخسر أموالاً طائلة، بقي سبع سنواته يسدد ديونه، وكانت معصرة الزيتون السند الأساسي في ذلك.


في 18/03/1983 مات نصري شمس الدين وهو يغني، مات على خشبة نادي "الشرق" بدمشق، هوى فوق الخشبة التي طالما أحبها وأحبته، أمام مئات المعجبين وعيني زوجته هيلدا، ونقل على الفور إلى المستشفى، لكنه فارق الحياة. وتم نقله من سوريا إلى لبنان محمولاً بتابوت خشبي على سطح سيارة أجرة الى بلدته جون. مشهد فيه شيء من قسوة الزمن والواقع والحياة، لا توازيها قساوة سوى قسوة الحرب الأهلية وغياب الدولة اللبنانية في تلك المرحلة. مات نصري وصار أيقونة للموت على المسرح. بعده بخمس سنوات ودّعت الفنانة اللبنانية فريال كريم معجبيها على المسرح أيضاً، وهي تغني لهم "جارنا الشاويش". وقبل نحو سنتين، توفي الممثل محمود مبسوط الملقب بـ"فهمان" على خشبة المسرح في إحدى قرى جنوب لبنان...


حبّ الغناء أيضاً يقتل.


المصدر: المدن