فكر حر
"ذكريات ما قبل النسيان".. تونس تكرّم جاك بيريز

بثينة الزغلامي

الأربعاء 10 تشرين الثاني 2021

منذ شهر تشرين الأول/أكتوبر الماضي، يحتضن المعلم الأثري "قصر خير الدين" في تونس العاصمة، معرض المصور الفوتوغرافي التونسي جاك بيريز تحت عنوان "ذكريات ما قبل النسيان".
 
واعتبر ت هذه المناسبة إحدى حلقات تكريم هذا الفنان الذي ما فتئ يرفد السجل البصري للمدونة الابداعية التونسية بأعمال تجسد تجذره في وطنه، وهو الذي أطلق عليه فريديريك ميتران في احتفالية سابقة لقب "دوزنو تونس"، نظراً لمهاراته العالية في التصوير، ونزعته الانسانية التي جذرتها مبادئه اليسارية ايماناً منه بالانسان وبقيمة الانتماء للمكان روحياً وجغرافيا ً.
 
بيريز المولود في تونس في 26 تشرين الاول/أكتوبر عام 1932، تشرب الفنون منذ صغره. إذ تفتّحت ذائقته الفنية على الرسم والأدب والموسيقى والرسوم المصورة، والسينما والانشطة الاحتفالية الشعبية التي كانت تزخر بها تونس في ذلك العهد.
 
كان الأمر أشبه باكتشاف عين سحرية يمكن أن تلتقط الفاتن والساحر بالنسبة لطفل لم يبلغ الثانية عشر من العمر. إذ بدأ باستعمال آلة التصوير العائلية في تلك السن الصغيرة، ثم ولع بعد ذلك بالشعر فكتب قصائد لاقت استحسان جان كوكتو. لكنه اكتفى بهذا الاطراء ليتحول لاحقاً إلى كتابة مقالات حول السينما والفنون الجميلة التي درسها ويواصل أيضاً تحصيله العلمي ويصبح استاذاً للرياضيات.
 
بقي في هذه المهنة سنوات قبل أن تأخذ حياته منحى فنياً صرفاً، فيتحول إلى مصور فوتغرافي محترف وقد أنجز كتباً في هذا المجال أشهرها "مدائح سيدي أبي سعيد"، كما ساهم في التعريف بالحلي التقليدية ورموزها في تونس. 
 
كما أنجز ملصقات إعلانية سياحية ومطبوعات وصوراً بريدية، وساهم في تأسيس "سينماتاك" وأقام معارض عدة في تونس. 
 
وظهرت أعماله في متاحف كثيرة منها "متحف آغا خان"، و"معهد العالم العربي" و"اليونيسكو" و"المتحف الوطني الفلسطيني" و"متحف بيت الصورة الأوروبي".
 
 أرض الضوء والظل
 
عشرات الصور إذاً احتفت بها جدران "قصر خير الدين" أنجزها جاك بيريز على امتداد 50 عاماً، وتشير إلى غنى عالمه الفني. وهي جزء يسير من مدونته البصرية التي تطرح أرضية خصبة لنقاط كثيرة، منها بديهية رؤيتنا جميعاً لنفس الأشياء ومن زوايا مختلفة من دون أن نتخذ قراراً بتخليد اللحظة باستخدام آلة التصوير، بينما جاك بيريز وهذا دأب الفوتوغرافيين، ينتزعون من الواقع ما يرونه فناً داخل هذه الضوضاء المليئة بالتفاصيل، والمتخمة بالألوان لخلق عالم مسيّج زمنياً.
 
تعكس عدسة جاك بيريز جماليات المكان بما يحيط به من بهجة وبساطة عفوية، تنعكس على الوجوه والأزمنة بوضوح وهو يتجاوز بذلك مقولة سوزان سونتاغ بأن الزمن مرثية حزينة تحيل على موت محتم. فالزمن في صور هذا الفنان حنيني، وهو قوة ماضوية تدفع المشاهد إلى البحث في برهة سحرية انبثقت من ذاكرة وفية، جسّدت توليفة جماعية ذوقية مشتركة.
 
فقد رصد هذا الفنان مباهج التونسيين (صور حفلات الزفاف والكافيشانطا والرقص الشعبي والألعاب البلهلوانية والأعياد، والمناسبات ذات البعد الروحي مثل زيارات مزارات الأولياء). كما استفاد من المخزون الحضاري التونسي،حيث شحن بصر المشاهد باستدراجه إلى إعادة الاستكشاف والتفرج على حرف وعادات اندثرت أو تكاد، كصناعة الأواني النحاسية و"تطريق الفضيات "والأواني القصديرية والنسيج وجني الغلال والحبوب بالوسائل العتيقة وبيع الخبز في الحواري الشعبية، وصولاً إلى الرعي في الأرياف البعيدة والنساء الفلاحات والنساجات والملتحفات بالزي الموغل في التاريخ (صور نساء جرجيس وجربة باللباس والحلي والزينة التقليدية).
 
وكان بيريز في جلّ أعماله على الجانب الآخر من الصورة التي لم تكن تحتاج إلى اطار. فهو يؤسس في كل مرة لخطاب حكائي يقترب من السينما التسجيلية الصامتة، حيث التوازن بين الثيمة المنتقاة وبين الألوان كما هو الحال في نسج الحلفاء أو مشهد عمال منجم الفوسفات، فنجد صورة "سيدة الشبيكة" التي أطلق عليها بعض النقاد "جوكوندا تونس".
 
إمرأة ثابتة النظرة تحكي هيئتها امتداداً أمازيغياً عبر الأوشام والثياب، وتبدو من خلال قسمات وجهها وتفاصيل يديها من دون الحاجة لسرد حكاية المكان وهو الشبيكة.
 
ولأن كل صورة فوتوغرافية قصة مكتملة بذاتها، لم يحاول بيريز أن يحيد عن هذا المبدأ السردي الفريد. إذ يمكن أن يتجاوز المتفرج عقبة العناوين المصاحبة عادة كاستدلال توثيقي يوضح ما التبس من تواريخ وأسماء، ليفك بنفسه شيفرة ما يرى.
 
ليس للمشاهد أن يشرح فتنة المواقيت
 
 
بحسب جاك بيريز فإن العين هي التي تصنع الصورة الفوتوغرافية وليس الآلة، ويمكن للصورة أن تهرب أنى شاءت في الأزمنة. إذ أنّ الحاضر امتداد وليس نكوصاً. لذلك رصد الموضة والتطورات التي حدثت في مجال الأزياء والمعمار والمهن والعادات اليومية.
 
أما الميزة الثانية لصور بيريز فإيحاءها بأن الزمن كتلة واحدة تستمد صيرورتها من الذاكرة وقدرتها على الاستمرار داخل عالم يتحول ويثير الحنين، من دون أن يبعث على الأسى والرغبة في التقوقع خارج العصر (كما هي الحال مع صور الطائرات، السيارات).
 
التكرار وجداني بالأساس ومرتبط بتفاصيل ومواسم (صور الصيادين في جزيرة قرقنة وجرجيس ومعدات الصيد والحصاد في الشمال).
 
هناك عمارة بصرية في هذا المعرض وفي أغلب أعمال الفنان، تتطلب إعادة السؤال: هل المشاهد جزء من الذاكرة الجمعية
 
لتونس؟ أم أنه ينتقي ما يشاء في كل مرة؟ وهذا ما يطرح امكانية إعادة مشاهدة منجزه.
 
يمكن للصورة أن تكون ملتزمة جمالياً وإنسانياً. ويستطيع المشاهد أن يضع عدداً هاماً من أعمال جاك بيريز في خانة مدرسة التصوير الفوتوغرافي الانساني الفرنسية، التي كان من أعلامها روبير دوزنو والتي ظهرت عام 1930 في أحياء الطبقات الكادحة بباريس وضواحيها، وجمعت ثلة من المصورين الذين عرفوا باهتمامهم المشترك بالبشر وبحياتهم اليومية بعيداً من الجماليات المركّبة لتحفيز السعادة الارستقراطية وإغفال الحياة الشديدة الالتصاق بالطبقات الفقيرة والمتوسطة. إذ ارتبط الواقع بالصعوبات الاقتصادية لفترة تعاني الحروب الكونية كما رصدتها كاميرا الأميركي بيتر هاملتون وهنري كزييه وجانيت بيناس وسابين ياس وغيرهم .
 
هناك تبجيل للانسان الكادح واحتفاء بهمومه وأفراحه العادية، وهناك واقعية لا تدعو للرثاء، لكنها تسجل عالماً صعباً وأشخاصاً يتعايشون معه بتلقائية حكمة من عليه أن يحيا مهما كانت ظروفه صعبة. لذلك نجد تركيزاً هاماً على القسمات وخصوصاً حول الفم والعينين وإشارات الجسد. هذا ما تحفل به شخصيات بيريز التونسية الهوية، لكنها تتكرر في وضعيات كثيرة مشابهة لتلك التي تحفل بها اتجاهات التصوير  في الولايات المتحدة وفرنسا وأوروبا الشرقية سابقاً. 
 
آلة تصوير وفية للواقعية الشعرية
 
كان جاك بيريز وفياً أيضاً لما يطلق عليه "الواقعية الشعرية" في أعماله التي اتسمت بواقعية شديدة الخصوصية، وتعتبر أعماله نطبيق نموذجي لما أشار اليه كلود نوري. حيث أن من سمات هذا الاتجاه الجمالي التجول في المدينة الكبيرة وتذوق حصى الشوارع المرصوفة بما فيها من شخصيات وتواريخ بمعنى شديد الالتصاق بالأحياء الفقيرة.
 
وكذلك البحث عن لحظات من النعمة، بمعنى استمرارية تكرار النشاط اليومي المعتاد، بما يحفل به من فوتوغرافيا تعتبر الانسان مركز اهتمامها، كالتركيز على إشراقات الوجوه وتذوق الأطعمة والاستمتاع بالالعاب الشعبية وهناك تصوير للموسيقى والموسيقيين، وهذا ما نلمسه أيضاً في مشاهد مقتنصة بعين جاك بيريز.
 
 
 
المصدر: المدن