فكر حر
لو أوتينز مبتكر "الكاسيت" الذي خلق عالما من المتعة والخطر

العرب اللندنية

الثلاثاء 30 آذار 2021

لم يحزن غيابه أولغا كولين مديرة متحف فيلبس إيندهوفن في هولندا وحدها، بل أحزننا جميعا، أولئك الذين اعتادوا على صداقة شريط “الكاسيت” في أيامهم ولياليهم. الشريط الذي رافق اللحظات الحميمة في حياتنا الحزينة والمفرحة والغاضبة والفضولية، تقريبا كل لحظة مضت قبل ظهور الكائن الجديد المعروف بالقرص المدمج ولاحقا البيانات المحفوظة في وحدات تخزين “يو.أس.بي” أو في سحابات غامضة. ليغيب شريط الكاسيت ويتوارى تماما، غير أن هذا لم يمنع من أن مبيعاته في الولايات المتحدة عادت وارتفعت خلال الأعوام الماضية بنسبة كبيرة، إذ بلغت نسبة مبيعاتها في العام 2018 وحده 23 في المئة في سوق الألبومات. أما في بريطانيا فقد ارتفعت تلك النسبة خلال النصف الأول من عام 2020 إلى 103 في المئة مقارنة مع العام الذي سبقه.
 
أحلام المراهق
 
 
لودفيك فريدريش أوتينز والد شريط الكاسيت الذي فكّر به وابتكره ووضع تلك العلبة البلاستيكية الصغيرة بين أيدي المليارات من البشر ليصغوا من خلالها إلى ما يجري في العالم البعيد.
 
ولد أوتينز أواسط العشرينات في بيلينغ فولده في هولندا، وكان العصر مضطربا، صعود النازية التدريجي الذي اجتاح أوروبا وبلاده في المقدمة، ثم الحرب الكبرى التي أتت على الأخضر واليابس.
 
كان في سن المراهقة آنذاك، فدفعته حاجته إلى المعرفة ورفضه للحياة الرهيبة التي فرضتها النازية على المناطق التي تهيمن عليها، إلى ابتكار جهاز يمكّنه من التقاط بث إذاعة “هولندا الحرة” التي كانت الماكينة الألمانية النازية تشوّش عليها.
 
وحين وضعت الحرب أوزارها بات أوتينز قادرا على مواصلة دراسته في الجامعة، فدرس الهندسة الميكانيكية، وعمل أثناء دراسته في مصنع لتكنولوجيا الأشعة السينية.
 
بعد تخرجّه مطلع الخمسينات، التحق بشركة “فيليبس”، وانتقل مع الشركة إلى مقرها بهاسيلت في بلجيكا، وكان ذلك الفرع من فيليبس معنيا بإنتاج المعدات الصوتية، الأسطوانات وأجهزة التسجيل ولواقط ومكبّرات الصوت.
 
وحتى ذلك الحين، نهاية العقد، لم يكن العالم يعرف شيئا عما يدور في رأس أوتينز حول آلة الصوت وضجره من الوزن الثقيل والحجم الكبير للأسطوانات. ولكن بوصوله المبكر إلى منصب رئيس قسم تطوير المنتجات في الشركة، قاد مشروع تطوير أو مسجل صوت محمول يعمل بتقنية الشرائط. وكان طرازه “إي إل 3585”. الضربة الأولى نجحت، وباعت الشركة مليون قطعة من جهاز أوتينز.
 
المشروع فتح شهية أوتينز على المزيد. فما الغرض من جهاز متنقل ما دام اللوح الصوتي سيبقى ضخما هكذا؟ باشر ببرنامج لابتكار ما سماه “مسجّل الجيب”. وكانت المواصفات التي وضعها كتحديات أمامه، أن يكون الجهاز رخيصا وصغير الحجم، وببطارية تدوم أكثر مع محافظته على جودة الصوت. وحتى تتحقق هذه الشروط كان لا بد من تقليص حجم اللوح الصوتي.
 
كان أول “شريط كاسيت” صنعه أوتينز خشبيا بحجم مناسب لقياس الجيب الداخلي لسترة بذلته. ومع فريقه المكون من دزينة من الخبراء الذين كانوا من مختلف الاختصاصات، من مصممين ومطورين، شهدت العاصمة الألمانية عرض أول منتج من هذا النوع في التاريخ عام 1961.
 
والغريب أن الاختراع الجديد لم يثر انتباه المستهلكين في البداية، لم يكترث به أحد بالأحرى. لكنّ اليابانيين في البعيد التقطوا الفكرة وصنعوا شريطهم غير أنه كان بحجم كبير.
 
ولم تقترب الستينات من نهايتها إلا وكان الطلب يتزايد على نظام أوتينز، فكان له الفضل الأكبر في نمو شركة فيليبس من جديد. فأصبح فريق أوتينز الذي بدأ بـ12 شخصا قرابة 5 آلاف موظف.
 
اكتسح شريط أوتينز العالم، وكان لبساطته وخفة وزنه وسعره الزهيد دور كبير في انتشاره الواسع في البيوت والمدارس والمعامل والجامعات وفي كل مكان تقريبا.
 
كيف تستهلك الصوت؟
 
 
في الواقع كان هذا هو السؤال الذي لم يطرحه أوتينز، هو فقط كان منزعجا من الأسطوانات والبكرات، فقرر تقديم الأفضل لكن طريقة الاستهلاك للمنتج الصوتي هي الموضع الذي استهدفه ابتكاره العبقري.
 
كانت طريقة استهلاك الصوت المسجّل مختلفة في الماضي، وكان لا بد من جلسة خاصة أو موضع مرتّب مسبقا، لكي تتمكن من الإصغاء إلى الأغنية التي تحب، أو ليكون بوسعك أن ترقص على موسيقى كلاسيكية تعلّقت بها.
 
وحين كنت تريد أن تتابع أحد الزعماء السياسيين أو المفكرين وهو يلقي خطابا هاما له، كان عليك أن تهيّئ مكانا واسعا وتحضّر تجهيزات معقدة، لاسيما وأن البث المباشر كان محدودا آنذاك، سواء كان بالصوت أو الصورة.
 
مشروع جوزيف غوبلز وزير الدعاية النازية للتحكم في الرأي العام الألماني وحده تطلب منه تحويل المصانع التكنولوجيا للانخراط في خط إنتاج ينتج مليون مذياع في السنة، كان الرقم قليلا جدا قياسا بعدد السكان، وكنت لا ترى في بعض القرى سوى راديو واحد غالبا ما كان يوجد في المقهى.
 
المحاضرات العلمية، وسائل التجسّس، الوثائق، كل ذلك كان صعبا جدا وبالتالي فعدد البشر الذين يتداولونه سيبقى محدودا. مع ابتكار أوتينز تغيّر ذلك كله. وبات الصوت ملكا للجميع. تأميم مبكّر للأثر الإنساني المسجّل، وتحرير له من قيود الملكية الأرقى.
 
لم يكن استعمال شريط الكاسيت متوقفا على ما تشتريه من السوق، من أغان وموسيقى ودروس وغير ذلك، بل إن الابتكار مكّنك من تسجيل صوتك أيضا، بسهولة ويسر وحرية. وبات من السهل عليك أن ترسل رسائل صوتية، تسجّلها على شريط كاسيت وتضعه في ظرف محكم وترسله مع ساعي البريد وسيصل بعد أن يستغرق بضعة أسابيع وربما شهورا، لكنه سيصل في النهاية إلى من تريده أن يستمع إلى صوتك. اليوم ضغطة زر واحدة على تطبيق واتس أب وغيره، بوسعها أن توصل رسالتك الصوتية بعد أقل من ثانية واحدة. فكم تغيّر العالم منذ تلك اللحظة؟
 
غزو العالم
 
أكثر من 100 مليار شريط كاسيت بيعت حول العالم، واجتاح هذا الكائن الصغير غرف البيوت والمكاتب، وبات الشريك الثالث لكل عاشقين، ورسول المغنين والموسيقيين والأساتذة، ومعهم كان أيضا يحمل الشرور.
 
نسبة كبيرة من التأثير السلبي لانتشار الكاسيت تعود إلى المحتوى المسجل عليه، وكان ذلك يرتبط باستخدام الابتكار البريء في نقل تعليمات متطرفة تسببت في خلق أجيال من المغيّبين في العالم، لاسيما العالم الثالث، حين أصبح شريط الكاسيت بديلا عن خطيب الجمعة والإمام وقائد التنظيم المتطرف. وكثيرا ما شنّت الأجهزة الأمنية في الدول حملات لمصادرة أشرطة كاسيت سجلت عليها دروس القتل وسفك الدماء وكافة صور التشدّد. لكن أوتينز كان يقول دوما “أعتقد أن الناس يسمعون بشكل أساسي ما يريدون سماعه”.
 
لقد خلق أوتينز عالما جديدا باختراعه ذاك. عالم لا مفر فيه من حرية تداول الصوت، وفي الوقت ذاته لا بدّ من دفع الضريبة. عالم احتاج منذ تلك اللحظة إلى قوانين تنظم التداول الحر للصوت، وحفظ حقوق الملكية والحقوق الأخرى المرتبطة بأمن المجتمع والتعليم والتوعية والتربية.
 
عقل أوتينز المبدع لم يتوقف عند شريط الكاسيت، فقد أشرف أيضا في العام 1972 على خلق ابتكار جديد بيعت منه 200 مليار نسخة حتى الآن؛ إنه القرص المضغوط “سي دي”. الذي قال عنه أوتينز “لا شيء يضاهي صوت القرص المضغوط. إنه بلا ضوضاء وخال من الدمدمة، لم يكن بوسعنا الوصول إلى صوت كهذا عبر شريط الكاسيت”.
 
لماذا يعود شريط الكاسيت اليوم متزامنا مع غياب والده أوتينز؟ لا يبدو الجواب صعبا، فالسبب المباشر هو الهروب من الرقابة التي تفرضها معايير الديجيتال والقيمة والسريّة والكثير من الاعتبارات التي قد لا تظهر آثارها الآن.
 
النجمة أريانا غراندي عادت إلى شريط الكاسيت وعاد معها آخرون. والإحصاءات تقول إن الشباب من سن دون الخامسة والثلاثين هم من يقودون هذا التوجّه. ويشكّ بأن الحنين وحده هو السبب. بل التمرّد على قوانين الديجيتال التي قيّدت الجميع على ما يبدو.
 
رغم كل ما فعله من تغيير، سمح أوتينز للعالم باستعمال ابتكاره، وتنازل عن مستحقات الترخيص الخاص به، قال إنه لم يكن يريد أن يعيق رحلة ابتكار جودة الصوت التي يحتاجها البشر.
 
 
 
 
المصدر: العرب اللندنية